ضواحي العيون، فجر ذلك الثامن من نونبر 2010، الخيوط الأولى لشمس الفجر تبدأ في التسلل لتشرق على مئات الخيام المنصوبة بعناد. لم يكن ليدور في خلد أي كان أن ذلك اليوم لن يكون كباقي الأيام وأن ذكراه ستبقى لمدة طويلة موشومة في قلوب العديد من العائلات وفي ذاكرة رمال الصحراء المكلومة. فجأة، يدوي صوت من السماء قادما من إحدى حوامات الدرك الملكي حيث مكبر الصوت يطلب من المخيمين مغادرة المخيم. ومع تكرار النداء بدأ بعض قاطني الخيام في مغادرتها. كان أغلبهن من النساء وبعض الأطفال. على بعد المخيم ببعض عشرات الأمتار، اصطفت بعض حافلات النقل العمومي لتستقبل الوافدين إليها قصد إخلاء المخيم، مخيم اكديم إزيك. 

 

لكن يبدو أن قرار هؤلاء بالمغادرة لم يرق للبعض الآخر الذي استفزه المشهد وشرع في إخراج جام غضبه. فبدأت أولى الحجارة تتطاير في اتجاه قوى الأمن التي قررت أخيرا التدخل لفض المخيم ولإسقاط الخيام التي خلفها أصحابها خالية وراءهم. تزداد حدة الغضب ليأخذ التعبير عنه أشكالا أكثر عنفا ودموية. شباب ملثمون وآخرون بوجوه سافرة، منهم من استعاض عن الحجارة بهراوات وأسلحة بيضاء من كل الأحجام والأشكال. كان من بينهم من يرتدي زيا عسكريا وكأنما يحضر لأم المعارك. 

 

بدأت صفارات إنذار سيارات قوى الأمن في إطلاق أصواتها إعلانا بتدخل وشيك. كان صوتها يدوي كما لو أنه إعلان مسبق بالنحيب. ثم بدأت شاحنات الأمن في إطلاق خراطيم مياهها صوب المتظاهرين كأنها تطفئ نارا سيصلى الجميع بنارها بعد حين. هل كان رجال الأمن المسلحون إلا بوسائل تدخلهم التقليدية وإلا بوطنيتهم يدركون أن الأمر لن يكون مجرد فض اعتصام كما يحدث ذلك يوميا في كل بقاع الدنيا وحتى في أعرق الديمقراطيات؟ هل كان بإمكانهم أن يتصوروا ولو للحظة ما كان يخبئه القدر لهم وراء تلك الخيام المتشحة بالصمت وبالرهبة؟ هل علم ذووهم عند نهاية آخر اتصال هاتفي بهم أن هواتفهم لن ترن من جديد؟ 

 

يستمر المتظاهرون في رشق قوات الأمن بالحجارة والزجاجات الحارقة. كان بعضهم قد أعد العدة لأكثر من ذلك حين أخرج ما خزنه من قنينات الغاز وبدء في إشعالها وتصويبها في اتجاه قوات التدخل. ما سيحدث بعد ذلك كان أشبه بفيلم من أكثر أفلام هوليوود رعبا ودموية. 

 

في مكان ما من المخيم تسللت إليه عدسة إحدى الكاميرات يبدأ المشهد الصادم لجثة أو جثتين لرجال أمن فارقوا الحياة وإذا بشباب من المتظاهرين ينهالون على الجثث الهامدة بالحجارة. تبدو في الصورة إحدى النسوة وهي تحاول أن تثني أحد الشباب عن فعلته لكنه سرعان ما يشير بعنف إلى الجثة غاضبا حانقا ليكمل عملية الرجم. 

 

على الطريق المؤدية إلى العيون كانت عربات الإسعاف تجري مسرعة لاهثة. كانت الطريق مليئة بالحجارة وتحيط بها جماعات من المتظاهرين الهائجين. فجأة يخرج الحظ العاثر إحدى تلك العربات عن مسارها بفعل وعورة المسلك وغزارة الحجارة الراجمة لتبدأ معها فنون التحطيم والتقتيل. حتى في أشد الحروب قسوة وكراهية، يبقى المسعفون وأدواتهم خارج سياق المعركة وبعيدا عن نيرانها. لكن سائق سيارة الإسعاف لم يكن يعلم أن الذين يقفون له بالمرصاد لم يكونوا ليعيروا لمثل تلك الاعتبارات الإنسانية بالا. لقد سبق الحقد الرحمة. ولأن الأمر كذلك، كان بالإمكان أن نتوقع الأسوأ...التنكيل بالجثث بل وحتى التبول على واحدة منها. إذا كانت النفس أمارة بالسوء فلا أحد توقع أن تتفتق مواهبها الشيطانية على هكذا تصرفات. 

 

تنفض معركة اكديم إزيك وتنتقل أطوارها إلى أزقة مدينة العيون. كانت قوات الأمن المذهولة والمأخوذة على حين غرة تلملم جراحها وتنعي قتلاها. ألم يكن بإمكانها وهي تسقط في فخ التقتيل المدجج بالحقد أن تغير أسلوب تدخلها أو أن تتراجع لتترك لقوات أكثر تسليحا أن تنهي بكل بساطة هذه التراجيديا التي طالت فصولها؟ لم يحدث ذلك. ولو حدث لكانت مذبحة حقيقية يتاجر بها وبضحاياها هؤلاء المتربصون بمشروع الحياة على أرض كانت تفتقر لها. استشهد من استشهد من رجال الأمن تاركين غصة في قلوب أطفالهم وأمهاتهم. لن يعودوا. ولكنهم وضعوا أجسادهم حدودا أمام غدر سهام الطابور الخامس. 

 

عبد الرحمن حداد 

أستاذ بكلية الحقوق بمكناس و مستشار لدى مركز الدراسات الدولية

 

18/02/2013