تأتي‮ ‬الزيارة‮ ‬غير المسبوقة للمبعوث الشخصي‮ ‬للأمين العام بان كيمون كريستوفر روس بعد فشل جولات طويلة من المفاوضات‮ ‬غير الرسمية بين المغرب والبوليساريو‮. ‬وهو ما‮ ‬يؤشر بأن الأمم المتحدة في‮ ‬حاجة إلى مزيد من المعطيات الميدانية لسلك نهج جديد لحل النزاع في‮ ‬الصحراء،‮ ‬قد تراهن فيه الأمم المتحدة على‮ ‬فرض حل ما على الأطراف وترجح فيه الكفة لمقترح الحكم الذاتي‮ ‬مع مزيد من التعديل ليلائم مقتضيات القانون الدولي‮ ‬ومقررات الأمم المتحدة‮.‬

وهو ما بدا بينا في‮ ‬أسلوب الرجل لإدارة زيارته للصحراء،‮ ‬حيث اكتست طابعا جديدا لأنها أخذت أبعادا جديدة منها توسيع دائرة اللقاءات الرسمية وغير الرسمية،‮ ‬تنم على‮ ‬أن الأمم المتحدة تحاول التسريع بمسار المفاوضات بعد أن وصلت إلى النفق المسدود بعد أزيد من‮ ‬12‮ ‬اجتماعا رسميا وغير رسمي‮.‬ إن روس المتشبث به أمميا،‮ ‬قد بدا متفهما لحدود اختصاصاته السياسية وفق ما اعترف به للمسؤولين المغاربة،‮ ‬فتم استقباله مشروطا‮ ‬بتعهدات الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون للملك محمد السادس في‮ ‬25‮ ‬غشت‮ ‬2012‮ ‬بالتزام روس بتوصيات مجلس الأمن الدولي،‮ ‬وخاصة مساهمته السياسية في‮ ‬التسريع بعملية التسوية‮. ‬فكان أن استقبله الملك محمد السادس،‮ ‬ليلتقي‮ ‬برئيس الحكومة عبد الاله بنكيران‮ ‬ووزير الخارجية المغربي‮ ‬سعد الدين العثماني،‮ ‬وأعضاء المجلس الملكي‮ ‬الاستشاري‮ ‬لشؤون الصحراء ورئيس مجلس النواب ونائب رئيس مجلس المستشارين،‮ ‬ثم لقاؤه برؤساء الأحزاب السياسية والمنتخبين ورجال السلطة بالصحراء كلقائه بحمدي‮ ‬ولد الرشيد رئيس المجلس البلدي‮ ‬لمدينة العيون‮.‬

إن الضمانات التي‮ ‬قدمها الأمين العام للأمم المتحدة للملك محمد السادس بشأن حيادية روس وعدم توسيع صلاحيات بعثة المينورسو جعلت الرجل‮ ‬يقلص من دائرة الاختصاص التي‮ ‬حاول شرعنتها في‮ ‬التقرير الأخير حول الصحراء،‮ ‬وهو ما دعا بالرجل إلى الاعتراف بأنه ليس المسؤول الوحيد عما جاء في‮ ‬التقرير الأخير بشأن الصحراء‮.‬

والواقع أن كريستوفر روس‮ ‬يتحمل جزء كبيرا من مسؤولية توقف المفاوضات،‮ ‬أو بالأحرى وصولها إلى النفق المسدود،‮ ‬حينما خرج عن مضمون القرارات الدولية الأخيرة مهمشا مقترح الحكم الذاتي‮ ‬خلال مسار المفاوضات لصالح ما‮ ‬يسمى بـ«النهج المبتكرة‮»‬،‮ ‬فكان أن عملت الدبلوماسية المغربية بإعادة النظر في مسار المفاوضات حول الصحراء‮.‬ ذلك أن التقارير التي‮ ‬أشرف عليها روس،‮ ‬ومنها التقرير الأخير لأبريل‮ ‬2012 اتهمت المغرب بالتجسس على بعثة المينورسو والتضييق علي‮ ‬تحركات البعثة في الصحراء‮. ‬وشدد التقرير في‮ ‬توصياته على ضرورة الحصول على معلومات من مصادر موثوقة ومستقلة عن التطورات في‮ ‬الصحراء ومخيمات اللاجئين أمر حيوي‮ ‬للأمم المتحدة والمجتمع الدولي،‮ ‬للنظر في‮ ‬أفضل السبل الكفيلة بالتشجيع على التوصل إلى تسوية،‮ ‬من خلال زيادة التقارير التي‮ ‬تقدمها البعثة وعبر قيام الدبلوماسيين والصحفيين وغيرهم بعدد أكبر من الزيارات إلى الصحراء‮.‬

ولذلك تكون المبادرة المغربية،‮ ‬وإن عرضت موقف المغرب التفاوضي‮ ‬لكثير من الإحراج الدولي،‮ ‬إلا أنها كانت ضرورية لتصحيح المسار المهدد لسيادة المغرب على الأقاليم الجنوبية،‮ ‬ولاسيما محاولة الدفع في‮ ‬اتجاه توسيع صلاحيات بعثة المينورسو عن وظيفتها المتفق عليها‮.‬

إن في‮ ‬مثل هذه المواقف محاولة لخلط الأوراق على الأمم المتحدة،‮ ‬وهو ما يستدعي‮ ‬من الدبلوماسية المغربية التنبيه إلى التجاوزات التي‮ ‬تقوم بها جبهة البوليساريو لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في‮ ‬سنة‮ ‬1991،‮ ‬والذي‮ ‬باتت ميلشيات البوليساريو تعتبر المنطقة العازلة أراضي‮ ‬محررة،‮ ‬تحاول البوليساريو شرعنتها كمناطق تحت سلطتها وتابعة لما تسميه‮ ‬‭"‬التراب الوطني الصحراوي‮ ‬المحرر‮".‬

ولقد تأكد عمليا أهمية هذه الزيارة لروس على الرغم من السياق الذي‮ ‬وردت فيه،‮ ‬إلا أنها أكدت على مصيرية قضية الصحراء بالنسبة لكل المغاربة بعد لقاءات الأحزاب السياسية ومكونات من المجتمع المدني،‮ ‬وكذا لأنها وسعت مدارك المبعوث الأممي‮ ‬على قضايا اعتبارية أخرى تتجاوز الإدعاءات الدعائية حول المسألة الحقوقية إلى قضايا ثقافية وجيوسياسية واستراتيجية على المنطقة،‮ ‬وهو ما جسده لقاءه بخلهين ولد الرشيد رئيس المجلس الملكي‮ ‬للشؤون الصحراوية ولقائه بالسيد عمر الحضرمي‮ ‬العضو السابق في‮ ‬قيادة البوليساريو، والذي‮ ‬أبان عن فهم واسع بتشعبات القضية وحقيقة الأوضاع داخل مخيمات تندوف المحاصرة بمليشيات البوليساريو،‮ ‬وتوضح ذلك في‮ ‬تشديد المبعوث الأممي‮ ‬مرات عديدة على‮ ‬تنبيه مساعديه لتدوين كم الملاحظات والمعطيات الهامة التي‮ ‬قدمها الحضرمي،‮ ‬ودعت بروس الاعتراف بأنه تلقى دروسا جديدة في ملف الصحراء‮.‬ عبـد الفتـاح الفاتحـي

04/11/2012