انتهت قضية عين أميناس وفق ما تمنيناه جميعا، ضربة كاسحة للدمويين وخسائر بشرية في الحدود الدنيا بل ربما أقل منها الآن لنضع أرجلنا على الأرض ولنناقش ما حصل في هدوء بعد نهاية الكابوس، وسنركز هنا على الأكاذيب السبعة التي راجت خلال هذه الفترة والتي أُريد من خلالها تسيير الرأي العام الوطني وفق ما يشتهيه نظام الحكم.

1- أن الجزائر لم يسبق لها أن خفضت رأسها في قضايا الإرهاب ولا سمحت للأجانب بالتدخل في شؤونها .. هذا مجرد "كلام فارغ" ففي عهد فخامته وبالضبط عام 2003 تم السماح لإرهابيين بقيادة عبد الرزاق البارا بالفرار من جانت محملين بما لذ وطاب من رهائن ألمان وسويسريين ونمساويين باتجاه دولة مالي الشقيقة! وبالتالي فحكاية العزة والكرامة وعدم السماح بالتدخل الأجنبي مجرد أكذوبة.‫

2- أن الجزائر اتخذت قرارها بالتدخل العسكري في وجه مقاومة أوروبية ضارية لكن حكومتنا العظمى داست على الجميع وضربت الإرهابيين غير عابئة بأحد! أكذوبة أخرى، هولاند وقف معها وقال أن الجزائريين يبلغونه أولا بأول، وماري لوبان زعيمة العنصرية اليمينية قالت أنها تتفهم ما قام به جيشنا، وديفيد كاميرون مارس بعض التمنع ثم آب إلى رشده، وهيلاري كلينتون قالت أن الجزائريين يعرفون جيدا شراسة الإرهاب، وبلجيكا أخبرت مواطنيها بالاستعداد لأخبار سيئة، أما اليابان فتمنعت ثم استعقلت! وإذن فلا بطولة ولا هم يستبطلون!

3- أنه يجب مساندة جيشنا دون نقاش، وأن أي نقاش في الشان السياسي الحالي خيانة للبلد.. هذه طبعا أكذوبة لها أربع أرجل لا رجلان فقط! نساند جيشنا دوما عندما يذهب للحرب ولكن لن نساند أبدا مسعى حكوميا ورئاسيا يمارس التعتيم على المواطن ويمنعه حقه في معرفة أخبار دولته. الوطنية هي أن يقوم كل منا بما ينفع بلده لا أن يقوم الشعب بذلك ويتم إعفاء الحكومة من الواجب! هنا نفضل تماما بين موقفنا المؤيد لكل خطوة يقوم بها جنودنا البواسل وموقفنا الثاني الذي يصر على حقنا في محاسبة حكومتنا على كل تقصير أمني.

4- أن الجزائر رفضت التدخل العسكري الفرنسي في مالي.. هذه أكذوبة كشفها الرئيس الفرنسي هولاند والسيد فابيوس حيث أكدا أن السيد بوتفليقة شخصيا فتح لهم أجواءنا الوطنية.. وإذن فالجزائر الرسمية مع الحرب كخيار أول في مالي وكل الكلام الإنشائي الذي سمعناه سابقا كجرد ضحك على الذقون.

5- أن الإعلام الدولي وقف ضد الجزائر! الواقع أن الإعلام الحكومي هو من فعل ذلك، وفي الحقيقة فإنه في أزمة كأزمة عين أميناس يفترض أن يكون الإعلام الوطني وأول خطوطه التلفزيون الوطني مجندا على مدار الساعة لتعريف المواطنين بكل جديد، وفي أزمة كهذه يتم توقيف الشبكة البرامجية العادية ويتحول التلفزيون الوطني إلى قلعة حقيقية للعمل المدروس والموجه لتبليغ الرسائل للخارج والداخل والتضامن مع ضحايا العملية من العمال الجزائريين ومع جنودنا الذين ضحوا بأنفسهم حماية للبلد وثرواته.. لكن للأسف وبينما كان أهل محمد لمين لحمر ـ أول شهداء عملية عين أميناس ـ يدفنون إبنهم كان التلفزيون الوطني يبث حصة باسم "جيل شباب" ليلة السبت الموافق لـ16-1-2013.. بالله عليكم هل برنامج ترفيهي كهذا يليق بتلفزيون بلد يمر بواحدة من أسوأ العمليات الإجرامية التي تعرض لها!.. أما الإعلام الدولي فشقه الغربي كان موافقا للجزائر ما خلا بعض التصريحات الاستهلاكية ومثله الإعلام العربي.. أما لو كان الطرفان ضدنا لعادت أيام "من يقتل من؟" جيدا.. ومن عاشوا تلك الأيام يعرفون جيدا كيف يكون "الماطراكاج" الإعلامي فعلا!

6- أن الخلل في عين أميناس والذي سمح للدمويين بالتوغل للقاعدة كان عسكريا في الأساس. الخطأ سياسي تماما، فالحراسة في عين أميناس وداخل القاعدة تقوم بها شركة أجنبية، وقد أدى اختيار هذه الشركة لتوريط البلد في معضلة لا آخر لها، وإذن فمن حقنا مطالبة الحكومة بأن تقدم للعدالة كل مسؤول جزائري وأجنبي مقيم على أرضنا ممن وافقوا على عمل هذه الشركة وأيدوا استمرارها رغم تطور الأوضاع الذي كان ينذر بالخطر ورغم سلوك هذه الشركة المثير للريبة، ولمزيد من التفاصيل راجعوا ما ورد في جريدة "الفجر" بعنوان "مسؤول في شركة سوناطراك يكشف لـ ”الفجر”: الفرنسي ”يان ديجو” رفض منذ شهرين تعزيز الأمن في قاعدة تغنتورين".‫

7- أن السيد بوتفليقة لا يحكم هذا البلد وحده وبالتالي فيجب الرأفة به ومراعاة هذا المعطى حين التطرق لحصيلته وعمله وأنه رغم فتحه أجواء الجزائر لفرنسا فإنه ليس الشخص الوحيد الذي اتخذ القرار! أكذوبة أخرى، والحقيقة أن السيد بوتفليقة كأكبر رجل سياسي في البلد ومعه الجنرال محمد مدين المدعو توفيق كأكبر رجل أمن عسكري في البلد مسؤولان مباشرة تخطيطا وتنفيذا عن أمننا كجزائريين، ومن واجبهما، أقول من واجبهما، إعلامنا بكل ما يؤثر في أمننا، ومن ذلك قرار فتح أجوائنا الدولية لفرنسا، ويدخل ضمن هذا الواجب كل المسؤولين المباشرين وغير المباشرين حول الموضوع، ولهؤلاء جميعا الحرية في اختيار الوسيلة الوطنية التي يتم إعلامنا بها سواءً أكانت صحيفة أو تلفزيونا أو إذاعة أما أن نعلم من فرانسو هولاند فهو ما لا تحتمله كرامتنا.

ويقتضي المنطق السياسي الذي جاء به الرئيس الذي قال أنه لن يرضى بأن يكون ثلاث أرباع رئيس بأن نعامله كرئيس مكتمل الصلاحيات إلى اللحظة التي قد يعلمنا فيه بانتفاء بعض صلاحياته ووقتها يكون علينا أن نتوجه لمن يعنيهم الأمر أما أن يقول الرئيس بأنه مكتمل الصلاحيات ويحتفظ بمنصبه على هذا الأساس فمن حقنا أن نتوجه إليه بخطاب المسؤولية الكاملة المترتبة على احتفاظه بمنصبه.

هدف هذه الأكاذيب السبعة بسيط جدا، وهو إشعار الرأي العام الوطني بانتفاء حقه في المعلومات وجعله ينسى قضية فتج أجوائنا لصالح الفرنسيين ثم حقه في معرفة مصير الذين قصروا في حماية عين أميناس.. وعندما يتم تغذية الشعور بالخوف يصبح الشعب مستعدا لتقبل كل أنواع اللامعقول، وتلك نظرية في السياسة تسمى النظرية المكارثية ذات النتائج الكارثية .. !

حفظ الله بلدنا، حفظ الله شعبنا، حفظ الله أهلنا من مكروه.

23/01/2013