الغضب الرسمي والشعبي المغربي من أمريكا ومن موقفها المنحاز إلى جهة ضد جهة في موضوع حساس مثل موضوع نزاع الصحراء، غضب مفهوم، لكن المطلوب بعد الغضب هو التفكير وتأمل حيثيات هذا القرار الذي نزل كالصاعقة على الدبلوماسية المغربية التي كانت «نائمة» على جانبها الأيمن، مطمئنة إلى استمرار واشنطن في اعتبار نزاع الصحراء من النزاعات التي لا تحظى بالأولوية على أجندة القوة الأكبر في العالم.

لا توجد مكاسب نهائية «des acquis» في العلاقات بين الدول. هناك دائما الحاجة إلى تجديد وتقوية العلاقات، وإيجاد مصالح وتقاطعات مشتركة بين الدول ليبقى الربيع بينهم مزهرا، خاصة مع إمبراطورية كبرى مثل أمريكا، لها حسابات ومصالح معقدة ومتشابكة، وتمر من إدارتها نخب ومصالح ولوبيات كثيرة.

ثلاثة عوامل تؤثر في القرار الدبلوماسي في أمريكا. هناك، أولا، المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيو-استراتيجية، وهناك، ثانيا، اللوبيات الضاغطة التي تشتغل في واضحة النهار، وبشكل قانوني، على خدمة مصالح داخلية أو حتى خارجية، وهناك، ثالثا، المخاوف والخاطر الحقيقية أو المفترضة التي تهدد أمريكا في الداخل والخارج... ثم بعد ذلك تأتي عوامل مكملة مثل الحزب الحاكم ونوع المنظرين المحيطين بالإدارة والتابعين لمختبرات إنتاج الأفكار والسياسات «Think Tank» وشخصية الوزراء، ووسائل الإعلام، ونوع الأغلبيات في الكونغرس، وعلاقة وزارة الخارجية بالدفاع والمخابرات... وكل هذه العوامل، وغيرها، تجتمع في طنجرة واحدة، وتطبخ على نار هادئة (مشاورات، حسابات، مفاوضات، مناورات...)، ليخرج القرار في النهاية من وسط هذه العملية المعقدة جدا، ولهذا تجد دول العالم كله تسعى باستمرار إلى فهم بيئة القرار الأمريكي، وإلى استيعاب تحولات آلة كبيرة وخطيرة هي الدبلوماسية الأمريكية، التي تجر تارة باقي أجهزة القرار، بما فيها الرئاسي، وفي أحيان أخرى تجرها أجهزة أخرى إلى حيث لا تريد (الكل يتذكر كيف جر رامسفيلد، وهو وزير دفاع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، إلى الحرب على العراق رغم معارضة وزير الخارجية كولن باول، والجميع يعرف أن نائب الرئيس الأمريكي بايدن كان يود التخلص من كارازاي في أفغانستان لكن «CIA» رفضت ذلك، واعتبرت أن هذا الأخير يقدم خدمات أخرى لواشنطن رغم فساده وضعف سلطته في بلاد لم تخرج بعد من حالة حرب، والكل يتذكر كيف أن هيلاري كلينتون، بتجربتها وشخصيتها، استطاعت أن تتخذ قرارات مهمة لدفع أوباما إلى مساندة الربيع العربي رغم تحفظ وزارات أخرى)...

علاقتنا بأمريكا في 14 سنة الماضية لم تسؤ، لكنها لم تكتسب وزنا جديدا. في العهد السابق كان المغرب يلعب بثلاث أوراق مع واشنطن؛ الأولى هي العضوية في النادي الغربي مقابل ذهاب الجزائر وليبيا إلى المعسكر الشرقي، والثانية هي وقوف الرباط في معسكر الاعتدال الباحث عن حل غير عسكري للصراع العربي-الإسرائيلي، وكانت الرباط قبلة للقاءات سرية وعلنية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. الثالثة هي نواة لوبي يهودي في أمريكا كان يسهل للدبلوماسية المغربية المرور في أروقة الإدارة الأمريكية صعبة الدخول.

الآن كل هذه الأوراق انتهى مفعولها أو يكاد. ثلوج الحرب الباردة ذابت، وصارت الجزائر الشريك التجاري رقم واحد لأمريكا في شمال إفريقيا، وسياسة الانكماش الدبلوماسي تجاه المشاكل الكبرى في العالم خنقت دور المغرب الدبلوماسي في الشرق الأوسط، والأصوات اليهودية في أمريكا خفتت، ولم يعد يسأل عنها أحد.

صحيح أن المغرب أبرم اتفاقية تبادل غير متكافئة إطلاقا مع أمريكا، حيث نصدر مليار درهم إلى بلاد العم سام ونستورد 18 مليار درهم كل سنة، لكن هذا لا يكفي لتبقى صورتك مرئية وصوتك مسموعا في واشنطن. من هنا يجب أن نبدأ.. من إعادة تقييم علاقتنا بالقوة الأكبر في العالم. يجب إيجاد مساحات للعب في رقعة هذه القوة، آنذاك يصير لك تأثير... الإمبراطور ليس له أصدقاء.. الإمبراطور له أعداء ومصالح فقط. 

توفيق بوعشرين

21/04/2013