الدكتور سعد الدين العثماني

شهدت الدبلوماسية المغربية دينامية جديدة منذ وصول وزير خارجية حزبي إلى إدارة دفتها. فخلال الأشهر الستة الماضية من عمر حكومة بنكيران، استطاع سعد الدين العثماني أن يرسم صورة جديدة لوزارة الخارجية وللرجل الدبلوماسية، كما تزايد حضور المغرب في ملفات عربية وإفريقية عن ذي قبل، رغم أنه ليس طليق اليد بسبب وجود مؤسسة ملكية تعمل كمراقب للملف. سعيد الصديقي، استاذ العلاقات الدولية بجامعة فاس، يحاول في هذا الحوار معه أن يبرز جوانب القوة في

تدبير الملفات الحيوية للخارجية المغربية، ويسلط الضوء في تلك التي لم تقدم الحكومة بشأنها إلى اليوم أية مبادرات مقنعة.

يتوفر المغرب اليوم على وزير خارجية حزبي، أطلق دينامية جديدة في السياسة الخارجية للبلاد، هل تعتقد أن كان أكثر تفاؤلا مما ينبغي؟

المسألة غير مرتبطة بدرجة التفاؤل، بل بخيارات لا بديل عنها يفرضها السياق السياسي الإقليمي. أولا، لأن وزير الخارجية لم يَعِد بسقف معين لطموحاته في ما يتعلق بالعلاقات المغربية الجزائرية بل أراد منذ البداية إبداء بوادر حسن النية وهو أحد الأسس الثابتة في العلاقات الدولية من خلال بعض التصريحات والزيارة الخارجية الأولى التي كانت الجزائر وِجْهَتَها. ثانيا، حاول الوزير أن يحترم تراتبية المحاور الإقليمية للمغرب كما وردت في الدستور الجديد الذي جعل من المغرب الكبير الدائرة الأولى لانتماءات المغرب الإقليمية والثقافية والتاريخية. هذه الخطوات رغم طغيان الطابع العاطفي عليها كانت ضرورية لجس نبض الحكام في الجزائر إزاء الحركية الجديدة للدبلوماسية المغربية. بصرف النظر عن الموقف الجزائري، ربما كانت هذه الخطوة في حاجة إلى مبادرات من دول الجوار الأخرى لتدعمها، لكن الوضع غير المستقر آنذاك في كل من تونس وليبيا لم يكن يسمح بذلك.

أما في ما يخص مدى واقعية هذه الآمال، فإن القاعدة الأولى والأساسية في بناء أي تكامل جهوي هو الديمقراطية، إذ من غير المنتظر أن يتحقق اتحاد جهوي ناجح ودائم إلا بين أنظمة ديمقراطية التي تعلي من شأن المصلحة العامة للشعوب، أما الأنظمة السلطوية والعسكرية أو شبه العسكرية فلا يمكن أن نتوقع انحيازها لخيارات التكامل الجهوي بسبب ما يلزم مثل هذه المشاريع من تقاسم للسلطة ورقابة من شعوب المنطقة وانكشاف لبؤر الفساد. طبعا إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا الافتراض الذي أصبح قاعدة أساسية في العلاقات الدولية المعاصرة، يجعلنا لا نتفاءل كثيرا في تحرك القطار المغاربي في الاتجاه الصحيح، وحتى إن حدث أن انطلق يوما في غير هذه الشروط فإن احتمال اصطدامه أو تعطله واردة في كل لحظة. 

ما هي الإضافات التي يمكن تسجيلها للعثماني مقارنة مع الوزراء السابقين خلال العشرية الماضية؟

ما يميز العثماني عن سابقيه، أولا، أنه جاء إلى الدبلوماسية المغربية عن طريق الانتخابات وفي سياق مغربي وعربي تميز بانتفاضات الربيع العربي مما يفترض أن يعطيه دعما قويا لتصريف تصوره للسياسة الخارجية المغربية. وثانيا، ان العثماني يتولى هذه المسؤولية في ظل دستور جديد، الذي نقل السياسة الخارجية من كونها مجالا محفوظا وخاصا بالمؤسسة الملكية إلى مجال مراقب (contrôlé) من قبل الملك. هذا التشارك في تدبير الدبلوماسية المغربية يعطي لوزير الخارجية هامشا كبيرا لإبراز كفاءاته وتطبيق جانب كبير من أفكاره في هذا المجال. ثالثا، العثماني لم يكن رجلا تقنوقراطيا جاء للوزارة لينفذ فقط التعليمات والتوجيهات، بل رجل له نظرة خاصة إلى العالم من حوله، فهو ينتمي إلى حزب إسلامي له نظرته وأولوياته الخارجية تختلف في التفاصيل عن باقي الأحزاب، وسينعكس هذا دون شك على الحركية الدبلوماسية للعثماني. لكن هذا لا يعني أن وزير الخارجية طليق اليد، بل هناك إلى جانب المؤسسة الملكية المراقبة للشأن الخارجي، بيروقراطية دبلوماسية يصعب تطويعها بسهولة، ووزير منتدب يشتغل عمليا باعتباره وزير خارجية ثاني. لذلك إذا أردنا أن نحاسب العثماني اليوم أو غدا فينبغي أن نحاسبه على نصيب السلطة التي يتصرف فيها وليس على مجموع السياسة الخارجية المغربية، لأنه هو فاعل من بين فاعلين آخرين. رابعا، يبدو أن العثماني منذ توليه لمهمته عمل على عدم نهج سياسة المقعد الشاغر التي سادت خلال العقد الأخير في العديد من المحاور. الحضور المكثف للدبلوماسية المغربية أصبح اليوم لافتا سواء على المستوى العربي أو في باقي المنتديات الدولية. فعلى سبيل المثال، انخراط المغرب في الأحداث العربية الحالية لاسيما في ليبيا وسوريا أعاد الحيوية إلى الدبلوماسية المغربية في هذا الفضاء الذي شكل عمقا استراتيجيا مركزيا للمغرب. خامسا، إن انفتاح العثماني على وسائل الإعلام وبعض الفاعلين المدنيين وحضوره المنتظم لمجلسي البرلمان سيغير دون شك ولو نسبيا من نظرة الرأي العام المغربي للآلة الدبلوماسية التي كانت تبدو وكأنها شأن خاص بالرجل الدبلوماسي.

رغم التفاؤل الذي أبداه المغرب بشأن إطلاق دينامية جديدة مع الجزائر، لا زالت هذه الأخيرة ترفض أي تطور في العلاقات، لماذا؟

أعتقد أنه آن الأوان لنتجاوز فكرة ترسخت لدى الكثير من المغاربة مفادها أن الدولة الجزائرية هي شر كله، وكأننا نحن لا نتحمل المسؤولية في ما آلت إليه العلاقة بين البلدين الشقيقين. يكفي أن نذكر أن المغرب هو الذي بادر إلى إغلاق الحدود البرية من جانب واحد في خطوة متسرعة عقب حادث فندق-إسني عام 1994 رغم أنه لم يثبت حتى الآن بالملموس تورط المخابرات الجزائرية في هذا الحدث. هذا القرار الأحادي كان له تأثير نفسي على الأشقاء الجزائريين، لأن القرار من هذا الحجم لا يتخذ إلا في الأحداث الكبرى وعندما لا يكون هناك استعداد من الطرف الآخر للتعاون. فكيف اليوم نلقي اللوم على الجزائر وحدها ونحن الذين أغلقنا الحدود دون مراعاة لمشاعر الجيران. الجزائر لم تعلن قط رفضها لتطور العلاقات الثنائية أو المغاربية، بل لها نظرتها الخاصة اتجاه هذا الأمر، وينبغي أن ندرسه بعناية. 

من العناصر الأساسية المحددة لهذا الموقف الجزائري الرافض للتطبيع الكامل للعلاقات المغربية الجزائرية هو أن حكام الجزائر ينظرون إلى هذه العلاقات باعتبارها لعبة صفرية، أي أن ما يكسبه المغرب من منافع هو خسارة للجزائر. هذه لا شك نظرة ضيقة ومدانة لأن استمرار إغلاق الحدود ووضع ما يسمى باللامغرب لا تقف كلفته عند الحسابات الاقتصادية بل تتعداه إلى المعاناة الانسانية والاجتماعية التي يتحملها الشعبين الشقيقين، حيث يرتبط مئات الالف من الأسر المغربية والجزائرية بأواصر عائلية يمنعهم هذا الوضع من التزاور والتواصل. من المؤسف أن تكون في العالم اليوم الحدود البرية مغلقة في حالتين: الأولى هي الحدود بين الكوريتين بسبب مخلفات الحرب الباردة وما تلاها من مشاكل عويصة يتدخل فيها الداخلي بالخارجي، والحالة الثانية هي الحدود المغربية الجزائرية التي تظل حالة شاذة لافتقادها لأي مسوغات معقولة.

هل يمكن تطويق الجزائر عبر الدفع بإحياء اتحاد المغرب العربي بين باقي الدول الأربع؟ 

التطويق لن يفيد المصلحة المغاربية في المستقبل، كما أن الأنظمة السائدة اليوم خاصة في تونس وليبيا لن تشارك في أي خطوة تهدف إلى عزل الجزائر لأنها تعرف جديا أن مثل هذا العمل ستكون له انعكاسات عكسية وستدفع النظام الجزائري إلى التعنت والإصرار على مواقفه. ينبغي أن نفهم جديا نفسية الجزائريين، سواء أكانوا حكاما ومحكومين، وحتى إذا اعتلى سدة الحكم هناك قوة سياسية أخرى إسلامية أو ليبرالية أو غيرها، فهم يعتبرون دولتهم سليلة ثورة كبرى ضحى من أجلها مليون ونصف المليون شهيد. لقد اتخذوا خلال العقد الأخير مواقف فيها الكثير من الجرأة ضد فرنسا وأمريكا وهو ما لم يستطع أن يقوم به أي نظام مغاربي باستثناء بعض المواقف الدونكشوتية للقذافي. رغم أن الليونة التي تتعامل بها الدبلوماسية المغربية مع الشقيقة الجزائر منذ عقود لم تجني نفعا كبيرا، لكن المشكل لا يكمن في هذه المرونة أو الاعتدال أو العواطف الجياشة في التعامل بل في عدم معالجة المفصل الحقيقي للمشكل الذي يتمثل في قضية الصحراء.

كيف تقيم قرار سحب الثقة من كريستوفر روس؟

القرار كان صائبا، بل كان على الحكومة السابقة أن تبدي تحفظها منذ البداية على كرستوفر روس باعتباره ليس وسيطا نزيها. الدبلوماسية المغربية في حاجة إلى مثل هذه المواقف الجريئة خاصة في ما يتصل بقضية الصحراء حتى لا تستغلها بعض الدول، وقد فعلتها لعقود، لابتزاز المغرب. القرار لم يكن موجها فقط ضد شخص ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، بل أيضا هو رسالة عدم الرضا عن الطريقة التي يدار بها مسلسل التسوية السلمية الذي وصل إلى النفق المسدود ما دامت الأطراف المعنية غير مستعدة للتنازل عن مواقفها بشأن الخيارات المطروحة. لا شك أن مشروع الحكم الذاتي يمثل خيارا وسطا لا رابح فيه ولا خاسر، أو ما يصطلح عليه أيضا بـ"رابح-رابح"، إلا أن عدم استعداد البوليساريو، المدعوة من الجزائر، لمناقشة هذا المقترح ينسف كل الجهود المبذولة، ويفتح الفرصة للتفكير في خيارات أخرى. في جميع الأحوال، أتوقع أن يدفع هذا القرار الأمم المتحدة والدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى إعادة حساباتها في القضية. 

هل سحب الثقة من روس هو سبب غضب أمريكا أم هناك أسباب أخرى؟

روس كان موظفا دوليا ولم يكن مسؤولا أمريكيا عندما كان يمثل الأمين العام في قضية الصحراء، لذلك لم يكن على المغرب استشارة أمريكا في هذا القرار السيادي. ربما لم تنظر أمريكا بعين الرضا لهذا القرار، وهذا شأنها، لأنه اتُخِذ بمنهجية جديدة لم تستحضر رضا وغضب القوى الدولية، وهذا عنصر أسياسي في قوة موقف أي دولة خاصة في قضاياها المصرية غير القابلة للمساومة. إن الرهان على مواقف الدول الكبرى لاسيما الولايات المتحدة سيتأكد فشله في المستقبل، فهذه الدول لا تقيم وزنا إلا لمصالحها، وعندما تتغير المعادلات السياسية داخليا أو خارجيا تتغير تبعا لذلك المواقف السياسية. هناك شيء من الاختلاف بين نظرة الحزبين الجمهوري والديمقراطي اتجاه قضية الصحراء لاسيما خلال ولاية باراك أوباما، لذلك فالمغرب يحاول أن يدير هذه المرحلة والتي تليها بشكل سلسل وهادئ، لاسيما وأن أغلب المؤشرات تنبأ باستمرار أوباما في الحكم لولاية جديدة.

رغم الأولوية التي حظي بها الخليج العربي في التصريح الحكومي، لم تعلن الحكومة لحد الآن عن أية مبادرة في هذا الاتجاه، هل هناك ما يمنع ويحول دون ذلك؟

كانت المبادرة في البداية من قبل دول مجلس التعاون الخليجي في ظل الحكومة السابقة التي لم تستغل الفرصة بشكل جيد وتركت الفرصة لدول الخليج التي كانت تتحفظ من هذه المبادرة لتدفع المجلس لتعديل موقفه من دعوة كل من المغرب والأردن للانضمام إليه. كانت لمكونات الحكومة الحالية الأساسية، أقصد حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال، دائما ميولا لتعزيز علاقة المغرب مع الدول العربية المشرقية وتعتبر أن مثل هذه العلاقة سيعزز التكامل العربي لاسيما في المجال الاقتصادي وبأن هذا الوضع سيفيد المغرب كثيرا، لذلك لا أرى أن الحكومة الحالية غير راغبة في تعزيز علاقاتها مع دول الخليج. البطء الملاحظ على أجرأة هذا المشروع يعود بالدرجة الأولى إلى دول مجلس التعاون الخليجي نفسها التي يبدو أنها أعادت النظر في تلك المبادرة التي جاءت في بداية انتفاضات الربيع العربي التي طرقت أبواب بعض الملكيات العربية في كل من البحرين والأردن والمغرب. كما أن الأحداث الجارية اليوم في سوريا، وعدم استتباب الأمن كليا في اليمن والوضع الانتقالي الذي تعيشه كل من تونس وليبيا لا يساعد المغرب على تقديم خطوات مهمة للدفع بمشاريع التكامل العربي.

 

09/01/2013