عرفت الصحراء نهضة ثقافية متميزة عمت سائر المجالات الأدبية والفكرية والعلمية، وأسهمت في إغناء حركة التأليف والبحث والتدريس والعلم.فنبغ فيها علماء وأدباء كبار خلفوا أعمالا أدبية وعلمية غزيرة،استطاعت أن تنهض بالتراث العلمي والأدبي في هذه المنطقة، وتخرجه من دائرة الجمود الذي كان يعيشه.

ويعتبر الشعر أبرز وجوه هذه النهضة،فقد ازدهر ازدهارا كبيرا في الصحراء، وظهر سامقا على الألوان المعرفية والفكرية الأخرى.وتتجلى معالم هذا الازدهار فيما خلفه أدباء المنطقة من ثروة شعرية غزيرة، وتركوه من دواوين ضخمة كبيرة، مما يدعوا إلى القول أن الحركة الشعرية الصحراوية، لم تكن متخلفة عما شهدته باقي المراكز الثقافية في شمال المغرب من رقي فكري وأدبي وعلمي، ولكنها توازي في تراكمها وتعبيرها عن واقع المرحلة التاريخية التي عاشتها، ما عرفته سائر الأقاليم المغربية من نشاط شعري وفكري وأدبي.

ولم يكن شعر الصحراء شعرا منعزلا منغلقا يتحرك في بيئته ولكنه كان ولا يزال وسيلة تواصل بين الشمال والجنوب " يمد أطرافه إلى الوطن ليندمج فيه وينصهر داخل بوتقته في عملية أخذ وعطاء مستمرين"[1] سيما وأن التواصل الثقافي والعلمي والأدبي ظل قائما غير منقطع،يتجلى في إقبال علماء الصحراء على أقاليم الشمال إما للدراسة والتدريس كما أن كثيرا من علماء هذه الأقاليم كانوا يرحلون إلى الصحراء ليأخذوا عن عالمها الكبير الشيخ ماء العينين. وهذا يبين أن  " أن حبل التواصل الثقافي والعلمي والأدبي بين مدن الشمال والصحراء كان يسير في خطين متوازيين أحدهما يمتد من الصحراء والآخر يمتد إليها بيد أن الأول أي الممتد من الصحراء كان أقوى وأجلى"[2].

وقد حظيت سوس بنصيب كبير من هذا التواصل الثقافي عبر قنوات متعددة كالتعليم والتعلم والمراسلات والإجازات والتصوف والحوار العلمي والأشعار والمساجلات التي كانت تتم بين علماء وأدباء سوس وعلماء وأدباء الصحراء. وتعود أسباب ذلك إلى عوامل متعددة أهمها:

أولا: العلاقة القديمة بين سوس والصحراء منذ هجرة عبد الله بن ياسين التمنارتي من آكلو إليها لنشر العلم والدين.

ثانيا: سوس كان ولا يزال محطة رئيسية لعلماء الصحراء وأدبائها يتوقفون بها وهم في طريقهم إلى أقاليم الشمال أو لأداء مناسك الحج فيلتقون بعلمائها وأدبائها مما أفضى إلى محاورات علمية وفكرية ومساجلات شعرية وأدبية.

ثالثا: المراسلات التي كانت بين الشيخ ماء العينين وبين عدد كبير من علماء وقواد وأدباء وأعيان منطقة سوس كالقائد همو والحسين أهاشم والحسين الإفراني والحاج الحبيب البشواري والحاج علي الدرقاوي ومحمد بن مسعود المعدري وعلي بن عبد الله الإلغي وأحمد الإكراري.

رابعا: هجرة الشيخ ماء العينين إلى مدينة تيزنيت واستقراره بها كان له دور كبير في نهضة العلم والأدب بالمنطقة. فقد رافقته جماعات من الأدباء والشعراء الصحراويين الذين تجاوب معهم أدباء وشعراء سوس مما جعل الصلات الأدبية  تتقوى وتشتد دون أن تعرف انقطاعا فعرفت الساحة الأدبية والشعرية تعاونا كبيرا بين الأدباء السوسيين والصحراويين عن طريق الأشعار فانثالت القصائد والمقطوعات تمجد الشعراء والأدباء وتثني على براعتهم الأدبية وملكتهم الشعرية وتنوه بمكانتهم العلمية. وتصف المناطق والقرى والأماكن التي استقروا بها وما تتميز به من مميزات وخصائص مما أسهم في ازدهار الحركة الشعرية والأدبية الصحراوية والسوسية.ولم تقتصر هذه النهضة الشعرية على الشعر العربي الفصيح بل تعدته إلى الشعر الحساني الذي عرف هو بدوره ازدهارا كبيرا وتفاعل مع مختلف الأحداث التي شهدتها المنطقة.وعندما نطلع على شعر شعراء الصحراء سواء كان حسانيا أو عربيا نجد ذكرا لكثير من الأماكن السوسية التي استقربها هؤلاء الشعراء وتوظيفا للأعراف والعادات والتقاليد التي كانت متبعة في المنطقة مما يبين الأخذ والعطاء والإفادة والاستفادة والتأثير والتأثر.يقول الشيخ مربيه ربه بن الشيخ ماء العينين واصفا جبال آلكست وآملن بمنطقة تافراوت:

توافت مهارى المبتغى للمؤمـــل      بأجبال كست وهي أجبال أمـــــــل

فقف وتأمل في الصنائع واعتبــر     ففي كل صنع عبرة المتأمــــــــــل

أتيحت بها أسرار قرب ونفحـــة      ويقضي بها المأمول حاج المؤمــل

بلاد بها تكفى المهم تفضــــــــلا      ويحصل ماأملت ما شئت أمـــــــل

حمدناك مولانا رجوناك كن لنـا      فأنت الذي يرجوك كل مؤمــــــــل[3]

ويقول الشيخ النعمة بن الشيخ ماءالعينين واصفا قرية آيت الرخاء:

مذ تبدت لنا بلاد رخـــــــــاوة       لبس الركب بهجة وطلاوه

وتبدى سعد الأخبيات شموسا       مذ تبدت لنا بلاد رخـــــاوه

أظهر الله سعدها فعلانــــــــا        وسقاها بالعافيات الحــلاوه

علها بالسعادة الدهر فضـــلا       وازديادا يذود عنها الشقـاوه[4]

ويقول الشيخ مامين بن الشيخ سداتي بن الشيخ ماءالعينين بالحسانية:

نبغي لرماث أتيغزرت           العين أتافودارت

أتيمولاي أتانكــــــرت           أداي أتمنــــارت[5]

ويقول الشيخ مربيه ربه بن الشيخ ماء العينين واصفا أتاي القائد المدني الأخصاصي الذي تعلم صنعه على الطريقة الصحراوية المعروفة ومشيدا بصاحبه:

نعم الأتاي أتاي القائد المدني

فقال الطاهر الإفراني:

                         موافق شهوات الروح والبدن

وقال الشيخ مربيه ربه:

ياحبذا صفو كاسات لطافتهـــــا       أرق من هبة الأسحار في وهن

وقال الشيخ علي الإلغي:

مازلت أشرب والكاسات دائرة        حتى كأني بالأفراح في عـــدن[6]

ونلاحظ أن الإشادة بالشاي وبصاحبه لم تقتصر على شعراء الصحراء وحدهم أو على أهلها بل تعدتها إلى أعيان سوس وقواد سوس ورجالات سوس.وهذه من الأشياء الجديدة التي جاء بها أهل الصحراء من الصحراء إلى سوس.

إلا أن أهم ما ميز شعراء الصحراء في مسيرتهم الشعرية هو توظيفهم للغة الأمازيغية في أشعارهم الحسانية في انسجام وتناسق بنيوي بديع حيث نلاحظ من خلال قراءتنا لهذه الأشعار أن الشطر الأول منها حساني والشطر الثاني أمازيغي دون أن يخل ذلك بمضمون القصيدة أو ببنيتها الشكلية.وقد يوظفون في البيت الشعري الواحد كلمة أو كلمتين أو كلمات في انسجام تام تماشيا مع أسباب النظم وظروفه ودواعيه مما يدل على تمكنهم من أدوات النظم والإبداع ومعرفتهم الكبيرة باللغة الأمازيغية التي تعلموها وأبدعوا بها باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية والحضارة المغربيتين.

ونسوق كمثال على ذلك هذا النص الشعري الرائع لمحمد ماء العينين بن الشيخ الطالب اخيار بن الشيخ ماء العينين الذي نظمه مهنئا فيه عمه الشيخ شبيهن بن الشيخ ماء العينين وكان قد تزوج بامرأة أمازيغية ويريد أن يعرف حمده وصبره. ومن الأعراف والعادات المتبعة عند رجال قبيلة أهل الشيخ ماء العينين من باب الفكاهة والضحك أن يسألوا الرجل المتزوج ( العريس) عن حمده أوصبره أي هل هو من الحامدين أم من الصابرين ويقولون بالحسانية (كانك حامد ول صابر) لأن الزواج غالبا ما يكون فرصة للضحك والمرح والفرح والسرور.فإذا كان حامدا (حامد) فإن أمور الزواج مرت في أحسن الظروف وكان هذا الزواج ناجحا ومنعشا ولذيذا ومتميزا أما إذا كان صابرا (صابر) فكان الله في عونه وما عليه إلا أن يتسلح بالصبر والصمت.فمزج الشاعر في هذه القصيدة بين اللهجة الحسانية واللغة الأمازيغية لأن الرجل المتزوج من الصحراء والمرأة التي تزوجها أمازيغية من سوس.وهذا دليل على تمكن الشاعر من اللغة الأمازيغية ومعرفته الكبيرة بها التي تعلمها بعد استقراره في منطقة سوس والتي مكث بها سنين عديدة.يقول:

كايلك يالشيخ الفهام       أقول لك أيها الشيخ الفهام

للغ وأل من لكلام          في اللغة والكلام

ينكال أن هاذوليام          يقال في هذه الأيام

فغايل كل تويت            في كل ما أتيت به

الله إسبرك هذا العام       نسأل الله أن يجعل هذا العام مباركا

ذو السناد أل تزريت     في هذه الأيام التي شاهدت

الله إنجيك من الشح       نسأل الله أن يحفظك من الشح

وكتنك نيرت أسديت     لأنك صححت وقومت وأصلحت

إستحمت الربي بصح    هل أنت حامد الله كثيرا

نغد أوهو غكن نيت          أم لا [7]

أما الشيخ مربيه ربه فقد تزوج هو بدوره بامرأة أمازيغية من قبيلة آملن وكان حديث عهد بها وكانت حديثة عهد به فدق الباب فقالت له " ما تغوان" أي من ذاك فقال:

كالتل ولفي يالمجيد       قالت لي محبوبتي يالمجيد

كبيلات ما تغوان          قبل قليل من ذاك

غيواني إجد كل جديد     حبي يجدده كل جديد

من لغياد ألا لو بن         من النساء له طعم خاص [8]

ويعبر محمد ماءالعينين بن الشيخ الطالب اخيار عن حبه وشوقه الدائم لمحبوبته مما جعل عقله ولبه في أوجاع وأسقام.يقول:

أل من غص أل تزريت     من هذا الذي رأيت

انت يالعكل فتموضان       انت أيها العقل في أوجاع وأسقام

انغاك أوري تنيت             كلمتك فلم تجبني

وسان فوسان فوسان        أيام في أيام في أيام [9]

إلى جانب هذه النصوص التي يغلب عليها غرض الغزل هناك نصوص أخرى في أغراض مختلفة منها قول الشيخ مربيه ربه في التوسل وكان رضي الله عنه كثير شديد الصمت لا يكثر من الكلام فسألوه عن سبب ذلك فأجابهم قائلا:

انا هذا محد هون            انا هذا مادمت هنا

داير سموس على ايمي    أضع خمسة- أي اصابعي- على فمي

وداير بسم الله عون        وأستعين ببسم الله

الرحمان والرحيم           الرحمان والرحيم[10]

ويقول ماء العينين محمد بن الشيخ مصطافي بن الشيخ ماء العينين في وصف الشاي (الأتاي)

أتاي ذريك حد نشو    أتاي الآن

حد نشو        عبارة عن نشوة

مقاراميك       ولوقليلا منه

هات يشو       فإنه جميل ولذيذ[11]

وفي الأخير أشير إلى أن هذه الازدواجية الشعرية بينما هو حساني وما هو أمازيغي تعد ظاهرة فريدة ووحيدة في المسيرة الشعرية والأدبية المغربية تميز بها شعراء الشعر الحساني الصحراوي وأسهموا من خلالها بدور ثقافي هام ومدوا بها جسور التواصل بين الصحراء وسوس وباقي المناطق الشمالية في وحدة تامة وكاملة ومنسجمة مما يعكس وحدة الفكر والثقافة والإبداع.

[1] - " شعر الصحراء"،عباس الجراري،مجلة دعوة الحق،العدد 273،السنة 30،يناير 1989،ص 122.

[2]- " السجال العلمي بين سوس والصحراء من خلال رحلة الولاتي" محمد الحاتمي،كتاب " سوس والصحراء المغربية تواصل ثقافي وحضاري" ص،122، الطبعة الأولى 1419هـ / 1999م مطبعة النجاح الجديدة،الدارالبيضاء.

[3] - "ديوان الشيخ مربيه ربه"،جمع وتحقيق وتقديم،الدكتور ماءالعينين النعمة علي،منشورات وزارة الثقافة،2007م،مطبعة المناهل،الرباط الجزء الثاني،ص،517.

[4] - أوراق ماءالعينين علي بن الشيخ مربيه ربه،مخطوطة، مكتبة الأستاذ ماءالعينين علي بن الشيخ مربيه ربه، تيزنيت.

[5] - رواية شفوية.

[6] - ديوان الشيخ مربيه ربه،الجزء الثاني،ص،602.

 

[7] - رواية شفوية

[8] -  المرجع نفسه

[9] - المرجع نفسه

[10] - المرجع نفسه

[11] - المرجع نفسه

ملجة وادي درعة العدد : 18/ 2012 - إصدار مركز النخيل للتوثيق جمعية النخيل للثقافة والفن والتربية كلميم باب الصحراء المغرب

 

 د- ماء العينين النعمة علي

 

07/11/2013