نقل بان كي مون مراقبة الشق العسكري في قضية الصحراء، والمينورسو تحديدا إلى مساعده لشؤون حفظ السلام هيرفي لادسو التزاما منه بما تقرر مع العاهل المغربي، في مكالمة هاتفية نشر مضامينها القصر الملكي.

كما هو معروف، دفع الخلاف بين كريستوفر روس والرباط إلى سحب المغرب لثقته في المبعوث الشخصي لأمين العام للأمم المتحدة قبل أن يتراجع عن قراره لضغوط أمريكية، مما جعل كريستوفر روس جزءا من المسار الأممي إلى جانب كل من رئيس بعثة المينورسو ولادسو، ولم يقرر المغرب بعد قبول استئناف المفاوضات لإطلاق جولة روس في المنطقة، وعندما التقى بان كي مون بن كيران لم يظهر رئيس الحكومة للمسؤول الدولي، أي إشارة إيجابية في سعي المنتظم الأممي إلى اقتصار مهمة كريستوفر روس على المفاوضات، والشق السياسي من النزاع فقط.

لقد انتظرت الأمم المتحدة ردا إيجابيا من الرباط على خطوة بان كي مون للعمل على تسريع العودة إلى المفاوضات، بعد الاستجابة لتخوفات المغرب من شخص روس، ورفع درجات المراقبة المهنية والعسكرية للإقليم، بطريقة ملموسة ( حسب تقرير دولي ).

وفي لقاء بن كيران مون الأخير ما يشير أن رئيس الحكومة المغربي بعيد عن الملف، وأن الحوار مع الملك وحده كفيل بإطلاق دينامية التفاوض، لكن الرباط التي انتظرت انطلاقة الحوار الاستراتيجي مع واشنطن، لن تعود إلى متابعة جولات مانهاست الرسمية وغير الرسمية دون "تنسيق مع أمريكا".

وفي انتظار ذلك، يمكن تعطيل انطلاق "جولة روس" بمبررات منطقية، وإن في زمن قصير لأن الشق الأمريكي من الحوار مع المغرب لن يكون عائقا أمام مقاربة أمريكا لحل قضية الصحراء من خلال كريستوفر روس.

وقد يصير المغرب مضغوطا أكثر في الأسابيع القادمة، لأن الخلاف كما قال يوسف العمراني ليس مع شخص روس، إنما مع مقاربة أمريكا، ولن يذوب هذا الخلاف سوى على مائدة الحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة، لكن خارجية كلينتون لا ترغب بالمرة في تعطيل "جهود الأمم المتحدة في الصحراء" لأن تسريع الحل جزء من استراتيجية أوباما، والمغرب قد يؤجل أي انطلاقة لجولة روس إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

والوضع بين تدقيق عقارب الساعة المغربية على ثلاث أحداث: القمة المغاربية المتوقعة في تونس، زيارة هولاند إلى الجزائر والانتخابات الأمريكية، قبل أي قرار بخصوص جولة روس، والتزامات للأمم المتحدة يريد بان كي مون أن يعزلها عن الظرفيات، لأن البحث على حل نهائي في الصحراء يجب أن ينتقل إلى مرحلة أخرى من الإدارة والحسم الاستراتيجي.

قد يذهب فهم بعض الخبراء إلى نتيجة مفادها: أن انطلاق الحوار الاستراتيجي بين أمريكا والمغرب يذيب "تسريع الحل"، ويزيد من التنسيق حول مراحله بين واشنطن والرباط. لكن تقارير أخرى تشير إلى رغبة أوباما في دعم خطة روس لإيجاد الحل في الصحراء، وأن الحوار الاستراتيجي مع المغرب لتسهيل عمل الأمم المتحدة.

ولقاء بن كيران مع بان كي مون ( ب ب ) لم يكن مثيرا، وكشف سيطرة الملك على القرار في الصحراء كاملا، ولا دخل للحكومة في تحديد أي أولويات في علاقتها مع الأمم المتحدة وعندما حاصر مون بن كيران، أثار رئيس الحكومة إحصاء اللاجئين في مخيمات تندوف.

ووصلت المحادثات حسب تقارير موثوقة إلى طرح صفقة تروم نقل مراقبة حقوق الانسان في الصحراء إلى المينورسو في مقابل إحصاء اللاجئين والانتقال الحر للصحراويين بين المخيمات والإقليم عبر مسارات تؤمنها القوات الأممية، بما يمكن اللاجئين من العودة.

ولا تستبعد البوليساريو السماح للاجئين بالعودة على الأرض دون حمل الأوراق الإدارية المغربية، والاحتفاظ بأوراق اللجوء التي تسلمها المفوضية السامية للاجئين، أو أوراق دخول وخروج من المينورسو. وهذه الاقتراحات "التقنية والتفصيلية" لم تعد مقبولة من المغرب بعد انتقاده لكريستوفر روس لما دعاه: اهتماما كبيرا بالخطوات الصغيرة، في وقت ترغب فيه أمريكا إلى جانب المغاربة الدخول في تطبيق الحكم الذاتي، وستكون هذه الخطوة كبيرة اتجاه تسريع الحل، لتمثيلها نصف ما أراده جيمس بيكر.

ويظهر أن زيارة "لادسو" إلى بعثة المينورسو أربكت المنطقة من ثلاث زوايا:

أولا، استمع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة وعاين ودعم كل المطالب العسكرية لأفراد المينورسو، وهو ما اعتبره البعض "إجراء غير مسبوق" لأن إشراف "لادسو" المباشر على بعثة الأمم المتحدة في الصحراء تطور أعاد القراءة الحرفية لوقف إطلاق النار إلى الواجهة. وهذه القراءة سببت خلاف الرباط وروس في وقت سابق.

ولا يمكن للرباط أن تعطي أي إشارة اتجاه جولة كريستوفر روس دون تقييم زيارة "لادسو" المحترفة والشديدة الحساسية في آن واحد.

والمفاجئ أن نرى نصف زيارة روس قد انتهت قبل بدايتها، وهذا يعطي انتباها واسعا ومكشوفا على الحل السياسي، رغم أن طرفي النزاع لا يرغبان في أي نقاش جدي حول الحكم الذاتي الموسع أو الاستفتاء، وهما المقترحان الموضوعان للحل، كل طرف يشدد على نظرته "الثابتة".

ثانيا، أن تقارير "لادسو" لا تقبل الطعن، وسيكون أي انتقاد مغربي لها غير مبرر، بعد انتقاد كريستوفر روس.

أن مجلس الأمن سيطلع على تقريرين منفصلين عسكري ستكون له التزاماته، وآخر سياسي لروس يضع المغرب في المأزق، إن لم يتجاوب مع مقاربته.

والسكوت عن زيارة روس وعدم تحديد موعد لها، قبل وضوح الرؤية يكشف أن المغرب لا يبحث بالضرورة عن خطأ ما للمبعوث الشخصي، لأن أي قرار بزيارة تندوف والجزائر العاصمة ونواكشوط دون الرباط، سيكون خطأ، كذلك سيشهد أي تأخير في جولة روس تحميل المسؤولية لأطراف مدنية، كما يزيد فصل المسؤولية السياسية عن المسؤولية العسكرية تكريسا لقوة "المينورسو" من حيث ما لا تتوقعه المملكة.

وتربح أمريكا أمرين: قبول المغرب بدخول الحكم الذاتي حيز التطبيق، والأمم المتحدة ترفع من حجم قواتها وتعدادها وأسلوبها ب "طريقة ميدانية" ومحترفة، وسنرى مستقبلا كيف تحمي المينورسو سلطات الحكم الذاتي وتوسعها عمليا على الأرض، وبالتالي، يتحول الوضع في الصحراء إلى: حكم ذاتي بمقاربة أمريكية وبحماية قوات حفظ السلام الأممية، في معادلة شديدة الوضوح.

وانطلاقا من تقارير لادسو، يظهر أن المينورسو انتقلت إلى مرحلة أخرى لم يسجلها المتابعون منذ وقف إطلاق النار، حيث تراخى عمل القوات الأممية في الإقليم بسبب إدارة البعثة للاستفتاء، لكن القوات الرابضة على جانبي الجدار الرملي ليست "كالسابق في العدد والعدة والمراقبة والمتابعة".

ثالثا، يعتبر لادسو الوضع في الصحراء "الغربية" بنفس الخطورة التي تمثلها مليشيات حزب الله، وبالتالي، فإن الحفاظ على السلم في هذه المنطقة، يتطلب الزيادة في التسليح والعدد على جانبي المواجهة، وتقوية المراقبة في المنطقة العازلة ونقل المينورسو إلى مواجهة "العمليات الخاصة"، وفتح تحقيقات مستقلة في حال اختراق إرهابيين للحدود، ويفرض شروطا أخرى تؤكد على: محاربة قوات الأمم المتحدة لمن يستهدفها من العناصر الإرهابية، وتشارك في التحقيقات بهذا الخصوص.

وقد رأت البوليساريو والجزائر إشراك البعثة الأممية داخل المخيمات في تحقيقات من هذا النوع، حفاظا على وقف إطلاق النار مع المغرب، لأن المملكة يمكن أن يستهدفها إرهابيون، ويعتبر المغرب البوليساريو منظمة إرهابية، وبالتالي يمكن إشعال الحرب عن طريق عناصر متطرفة.

ويمكن في هذه اللحظة أن تتولى قوات المينورسو كقوات حفظ للسلام:

التحقيقات في محاولات المتطرفين خرق وقف إطلاق النار، تماما كما في جنوب لبنان.

الوصول إلى المشاركة أو إطلاق تحقيقات أو عمليات في حق إرهابيين محتملين، يرغبون في تفجير الوضع.

ومن هذه الزاوية تكون الأمم المتحدة قد منعت احتمالات الحرب عن طريق الخطأ في المنطقة، كما ستشارك بطريقة مباشرة في تأمين سلطة ذاتية في الصحراء في حال إقرار حكم ذاتي موسع.

ولا ينفي المتابعون لأشغال اللجنة الرابعة للأمم المتحدة أن يكون تدخل المبعوث الشخصي الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة أريك جانسن بهدف دعم مخطط الحكم الذاتي الذي قررت أمريكا أن يدخل حيز التنفيذ، لأن البوليساريو قبلته في اجتماع سري نظمه شخصيا في جنيف عام 1996، و"ربما لم تستطع أن تقرر وحدها" قبول هذا الاقتراح الآن حسب تعبيره وتجدر الإشارة إلى قبول المنظمة لقرار مجلس الأمن 1495، والذي يتضمن حسب ما يسمى خطة بيكر، حكما ذاتيا واستفتاء لتقرير المصير.

وتتحمل أمريكا في نظر أكثر من مراقب التصويت بإجماع على خطة جيمس بيكر وتحويلها إلى قرار من قرارات مجلس الأمن لأنها تشكل "مرجعية المفاوضات".

والأكيد أن واشنطن تدعم نشر تفاصيل جديدة تشكل نقلة في "تسريع الحل"، لأن الحكم الذاتي قرار أحادي الجانب، ولا يمكن عودة المغرب إلى المفاوضات باسمه وقد تقرر مع أمريكا الدخول في تطبيقه على الأرض.

من جانب آخر، لا يمكن التفاوض على "شئ آخر" خارج الحكم الذاتي، على الشعب المغربي، وعلى المستوى الرسمي.

وبالتالي، فتأجيل جولة روس، وضغوط الأمم المتحدة بعد لقاء بن كيران بان كي مون في ستراسبورغ على استئناف المفاوضات بين البوليساريو والمغرب، تقديرات سياسية صعبة، مما يستوجب تعزيز الحوار الأمريكي الأممي المغربي، لأننا أمام حوار استراتيجي بين واشنطن والرباط سيكون حاسما في قضايا الصحراء وغيرها، وأمام التزام مغربي اتجاه الأمم المتحدة يستوجب على الرباط مواصلة التفاوض مع الجبهة.

وفي كل الأحوال، فإن المنطقة تحتاج إلى حوار أمريكي أممي مغربي قبل الحوار المغربي مع الجبهة، لذلك، فتأجيل كل شئ إلى ما بعد القمة المغاربية في تونس قرار منطقي، لكنه يكسر قاعدة متفق عليها بين بوتفليقة والملك محمد السادس، وتقضي بوضع الملف بيد الأمم المتحدة ولا يمكن مناقشته خارجها.

وسيرتكز تعزيز هذه النظرة الجزائرية بعد قمة تونس على دعم كبير لبان كي مون ومساعيه لاستئناف مفاوضات الجبهة والمملكة، كما سيكون لقاء هولاند والرئيس الجزائري مدعاة لتعزيز عمل الأمم المتحدة لحل مشكل الصحراء، وبعد هذين الحدثين، سيكون المغرب مضطرا إلى "استئناف" مسلسل مانهاست خصوصا وأن الولايات المتحدة فضلت دعم جهود بان كي مون، و"أن يكون الحوار الاستراتيجي بين المغرب وأمريكا داعما لمسلسل المفاوضات بين المغرب والبوليساريو، ولرؤية روس".

وفي الخلاصة، كسب المغرب بعض التوازن بعد قبوله عودة روس إلى مهمته وإطلاق الحوار الاستراتيجي بينه وبين أمريكا، لكن تحويل الوضع إلى صالحه، ليس واضحا، بعد نقل الشق العسكري ( وكل ما يتعلق بالمينورسو ) إلى مساعد الأمين العام هيرفي لادسو، والمفاوضات من غير مبادرة الحكم الذاتي مع كريستوفر روس، ووضع خارطة طريق لتطبيقه على طاولة الحوار الاستراتيجي مع أمريكا، وكل طرف يرغب في تحقيق نقط تقدم، لا يمكن معها سوى الوصول بالمغرب إلى تنازلات مؤلمة ؟ فهل يمكن دفعها. 

عبد الحميد العوني

14/11/2012