الثروات الطبيعية ونزاع الصحراء المغربية (الجزء الثاني)

المتتبع لشأن قضية الصحراء المغربية سيتذكر،بكل تأكيد، كيف دخلت الجارة الجزائر و الحليف التاريخي لما يسمى بجبهة البوليزاريو على الخط السري لتأجيج مسألة استغلال الثروات الطبيعية لصالح الجبهة المزعومة. لم يكن الأمر بالصعب على الجزائر التي تتمركز على أراضيها كبريات الشركات العالمية لإستخراج النفط و الغاز أن تدبر لزعماء الجبهة أمر الإعلان عن جولة أولى من العروض لمنح تراخيص التنقيب عن النفط. ففي مارس من العام 2006، وقعت الجمهورية المزعومة على ثماني إتفاقات نفطية وغازية في لندن مع تسع شركات بريطانية قدمت أحسن العروض وفقا لإعلان منافسة دولية كانت الجمهورية المزعومة قد كشفت عنه سابقا في ماي 2005 في لندن.

لم تكن هذه المرة الأولى التي توقع فيها جبهة البوليزاريو عقودا للتنقيب عن النفط بالأراضي والمياه الجنوبية للمغرب، فقد سبق وأن وقعت عقدا في ماي 2002 مع الشركة الأنجلوأسترالية “فيزيون غاز أند أويل” للقيام بدراسات مسحية لتقييم إمكانيات تواجد النفط على السواحل (أوف شور OFF SHORE) وقامت هذه الشركة بدراسة مدمجة لكل المعطيات الجيولوجية والجيوفيزيائية حول المياه الجنوبية للمغرب حتى المياه العميقة جدا.

وبناءا على هذه الدراسة التي أنجزتها الشركة المذكورة على حسابها طبعا ،حسب ما جاء في بيان المكلف بملف النفط لدى الجبهة ،تم تحديد القيمة الإقتصادية أوف شور المياه الإقليمية الجنوبية للمغرب و جمع قاعدة بيانات تقنية وتجارية لتكون أساس اتساع الهوة في النزاع المفتعل. فلا يخفى على أقل عارف بدنيا المال والأعمال أن مثل هذه الشركات العابرة للقارات لا تحرك آلياتها و كبار مهندسيها و تقنييها بدون مقابل. والمقابل غالبا ما تتكلف بأدائه الجزائر التي تطمح أن يكون لها نصيب من ثروات الصحراء إذا ما صارت سيادتها للجبهة يوما ما.

وتقع معظم المناطق المعروضة للتراخيص في حوض العيون حيث جرت عمليات إستكشافية واسعة في نهاية الخمسينات وبداية الستينات خلال الإستعمار الإسباني للصحراء المغربية وأثبتت وجود مقطع رسوبي بسمك 6000 متر وكل المكونات التي تؤشر على وجود نفط.

أما الصيغة القانونية التي اعتمدتها البوليساريو فتقوم على إتفاق ضمانات يغطي الفترة الفاصلة بين توقيع العقد وتاريخ تحقيق انفصال الصحراء عن المغرب. وهذه الصيغة هي التي لاقت إستحسان الشركات النفطية. ولا يخفى الأمر عن ذي عقل أن يتسائل كيف ومن أين لمجموعة من قاطني مخيمات على الأراضي الجزائرية، يعيشون على مساعدات المنظمات الأجنبية ،أن يقدموا ضمانات لمثل هاته الشركات العابرة للقارات؟ لم لا تكون هاته الضمانات، مثلا، تمديد الجزائر لعقود استغلال آبار النفط والغاز الجزائريين لفائدة الشركات المعنية؟ ألن تتهافت كبريات الشركات العالمية للتوقيع على عقود حتى مع الشيطان نفسه من أجل الفوز بمثل هذه الصفقة؟

بالتأكيد عرفت منطقة الصحراء المغربية تهافتا استكشافيا ملحوظا مع مطلع الألفية الجديدة و مرجع ذلك لعدد من الأسباب المتابينة. لكن يبقى هاجس الشركات البترولية العالمية في البحث عن مناطق واعدة بالإستغلال البترولي أبرز ما يشعل فتيل المزاحمة العالمية في المنطقة. كما أن العشرية الثانية للقرن تنبئ بارتفاع أسعار المواد الطاقية سيما في ظل مؤشرات واعدة بانتعاش الأسواق العالمية واسترجاع الإقتصادات الأوروبية لعافيتها في السنوات القليلة القادمة.

في الختام، يجدر التنويه بالموقف الرسمي للمملكة المغربية تجاه مسألة الثرواث الطبيعية بما فيها الصيد البحري والمواد المعدنية و الطاقية، فقد تضمن مقترح الحكم الذاتي في الصحراء آليات معقلنة لإستفادة المنطقة من عائدات ثروات المغرب الجنوبية في إطار جهوية موسعة كباقي جهات المملكة.
محمد منصوري