الجزائر وحق تقرير مصير شعب الطوارق

الذي يتابع تعنت الجنرالات الجزائريين واستماتتهم في الإساءة للمغرب ومحاولاتهم الهستيرية لفصل أقاليمه الجنوبية بالساقية الحمراء ووادي الذهب عن شماله، يستغرب هذه الجرأة أو على الأصح التهور. وعلى عكس المثل القائل إذا كان بيتك من زجاج فلا ترم الناس بالحجر يلاحظ كل المتتبعين للشأن جيو-سياسي وخاصة الأوضاع بالساحل والصحراء، أن نظام "العسكرتارية" الحاكم بالجزائر بعد الانقلاب على صناديق الاقتراع سنة 1992، يوشك أن يتجرع السم الذي صنعه بيده وحاول أن يسقيه لجاره المغرب دون أدنى مراعاة للحقائق التاريخية والامتداد الجغرافي والوشائج العائلية والعشائرية والاستمرارية في الدولة المغربية لأزيد من اثني عشر قرناً دون انقطاع. بل لم يراع الجنرالات حتى حقوق الجار على جاره ولا حتى الدعم الذي قدمه الشعب المغربي بماله ودمائه في حرب التحرير الجزائرية والتي لازالت تشهد عليها القيادات المتوالية لجبهة التحرير بدءاً من بن بلة وبومدين وصولاً إلى بوتفليقة الذين إما درسوا أو ترعرعوا أو عاشوا بالمغرب واحتضنهم المغاربة وعائلاتهم. ولكن كيف للجنرالات وهذه "القيادات" أن تراعي الجوار والدماء والخبز والملح مع الشعب المغربي، وهي التي لم تراع حتى دماء أبناء الجزائر الذين قتلت منهم فيما اصطلح عليه بالعشرية السوداء فقط، وحسب الإحصاءات الرسمية، ما يزيد عن ربع مليون روح أزهقتها بعد الانقلاب على الانتخابات الديمقراطية ! أبعد هذا يمكن للجنرالات والنظام العسكري في قصر المرادية أن يتحدثوا عن تقرير المصير في صحراء المغرب؟

ولكن التاريخ لا يرحم، ومن حفر حفرة لأخيه سقط فيها كما يقول المثل الدارج، فهاهي عفاريت الانفصال تخرج من قمقمها لتلتهم الأخضر واليابس في الجنوب الجزائري، فالطوارق الذين أعلنوا استقلالهم بشمال مالي، شعب يمتد على أزيد من مليون كلم2 من الأراضي، منها ما هو تحت سيطرة الجنرالات الجزائريين اليوم، في تامنراست والهكار « Hoggar » وتاسيلي  «Tassili »وبرج باجي مختار وغيرها من المناطق بين مالي والجزائر والنيجر في الصحراء الكبرى، والتي تختزن البترول والغاز الذين شكلا وقود النار التي أشعلها النظام العسكري الجزائري ليحرق به المغرب في صحرائه بدل استثمارها في تنمية بلاده. ها هي ألسنة النيران تنقلب وتسير بها رياح الأزواد والطوارق والربيع الإفريقي باتجاه لا تشتهيه الجنرالات، إلى ما أصبح اليوم بفعل الواقع جمهورية الطوارق الكبرى. ليس هذا وحسب، فهناك مطالب شعب أمازيغي آخر في الشمال يطالب بدولة مستقلة للقبائل وعاصمتها تيزي وزو. والمؤسف حقاً أن هذه اللعبة القذرة التي كان يمارسها جنرالات الجزائر لتفتيت وحدة المغرب وتمزيق أراضيه طيلة سبع وثلاثين سنة، لم تكن لعبة مسلية كما كانوا يظنون وخاب ظنهم، فشرارتها تمتد حتى إلى مناطق لم نكن نتوقع، حتى في أسوأ الكوابيس في المنام وليس اليقظة، أنها ستنشطر وتنفصل. فمن منا كان يظن، قبل عام من الآن، أن شرق ليبيا أو جنوبها سيطالب بحكم ذاتي في برقة أو الكفرة أو بنغازي؟ إنها جريمة اقترفها النظام العسكري بالجزائر ضد شعوب المنطقة وأولهم شعب الجزائر الذين قتل منهم أزيد من مائتي ألف ولا يزال أزيد من عشرين ألفاًُ مفقودين ومجهولي المصير، بحسب المنظمات الحقوقية وعائلات المفقودين أو المختطفين، والآلاف شردوا من بيوتهم في المنافي وأصقاع الدنيا من أستراليا إلى كندا، ومائة ألف أخرى كانوا محتجزين في معتقلات الصحراء في العراء معرضين للهيب حرارة الصيف وزمهرير برودة الشتاء.

فهل يحتكم الجنرالات في الجزائر، نزولاً عند ما يدعونه في جنوب المغرب، إلى صناديق تقرير المصير في تامنراست وتيزي وزو لمعرفة إرادة شعب الطوارق وشعب القبائل؟ أم أن حرباً قذرة أخرى سيخوضها النظام العسكري على الطوارق كما خاضها بالوكالة ضد المغرب بواسطة مرتزقة البوليزاريو، ومولها بالملايير من الدولارات التي لو صرفت على الصحراء الكبرى من المحيط إلى البحر الأحمر لحولتها إلى جنة خضراء وطرق سيارة ومدن عامرة! أم سيخوض النظام العسكري حرباً كما خاضها ضد المدنيين الجزائريين العزل الذين لم يقترفوا ذنباً غير اختيارهم لممثليهم وتقريرهم في مصيرهم بالاقتراع المباشر في الانتخابات البرلمانية لسنة 1992 والتي نشرت نتائجها بالجريدة الرسمية الجزائرية نفسها؟ هل يختار الجنرالات في الجزائر الحرب على الطوارق الذين أعلنوا الاستقلال؟ وهل تتحول منطقة الساحل والصحراء إلى تورا بورا و"طوارقستان" أخرى لبضع سنين تتغير فيها كل معالم المنطقة وتشتعل فيها كل الجبهات على امتداد الصحراء الكبرى وتحترق فيها ملايير أخرى من العملات الصعبة من أموال الشعوب وخيراتها؟

أسئلة ستجيبنا عنها التطورات التي تجري على الساحة في بلاد الرجال الزرق أو "التواركا" كما كانوا يسمون دائماً في الذاكرة الشعبية، هؤلاء المقاتلون الأشداء الذين منحوا عبر التاريخ الحماية للقوافل العابرة للصحراء، فهل سيمنحون لشعبهم دولة مستقلة؟

أحمد نورالدين

10/10/2012