أثناء الاستماع إلى مُداخلات رؤساء الدول والحكومات إبان إنعقاد أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم الثلاثاء الماضي،  و في خطاب له بالمناسبة قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما ”إن الولايات المتحدة  أكثر تصميما من أي وقت مضى على مكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا والشرق الأوسط” (منطقة مينا). هدف  يظهر كأولوية جديدة لأعظم قوة في العالم. و أضاف الرئيس قائلا: “الولايات المتحدة على استعداد لاستخدام كل عناصر القوة لدينا، بما في ذلك القوة العسكرية، لتأمين هذه المصالح الأساسية في المنطقة”.

 الرئيس أوباما صرح بوضوح أن انتشار الأسلحة الكيميائية في الشرق الأوسط، والتسابق على الأسلحة النووية، أو هي جزء من قائمة طويلة من الأدوات التي لن يتم التسامح معها من قبل الولايات المتحدة. وقد صاغ أوباما رغبة بلاده في “رؤية منطقة (مينا) أكثر ازدهارا وسلاما”، وخلص الرئيس الأمريكي: “نحن لنا اعتقادا راسخا أنه من مصلحتنا أن نرى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسالمة ومزدهرة، وسوف نستمر في تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان و نعمل على سياسة الأسواق المفتوحة. “وعلى هذا النحو، أعلنت أمريكا توفير مبلغ إضافي قدره ثلاثة مائة و أربعون مليون دولار على مليار الدولارات التي سبق أن خُصِّصت لهذا الغرض.

من ناحية أخرى فرنسا من خلال رئيسها فرانسوا هولاند، الذي  أصرَّ على حضور حفل تنصيب الرئيس المالي الجديد ”كيتا” في دلالة على هيمنة الفرنسيين ورغبة منهم  في توسيع أطماعهم في المنطقة. الحفل شهد حضوركلٌّ  من الزعيم التونسي منصف المرزوقي إلى جانب الملك محمد السادس، العاهل الذي أكد على أن المملكة المغربية “تعتزم تحمل مسؤوليتها التاريخية  وفقا لمبادئ الأخوة الراسخة، وغيرالقابلة للتغيير تقليدا لأواصرالتعاون مع الأمم الشقيقة جنوب الصحراء الكبرى  وأبرز الملك إرادة المغرِب قائلا ” أنا شخصيا أكرس اهتماما خاصا لهذا العنصر الرئيسي للعلاقات الخارجية للمغرب، وأسعى لتعزيزه قدر الإمكان “.

جدير بالذكر أن مالي عرفت مؤخرا حربا أهلية طاحنة تدخلت على إثرها بعض القوى العُظمى بِزعامة فرنسا، هذه الأخيرة التي ساعدت على التخلص والقضاء على الجماعات الإسلامية المُقاتِلة جنب الحركة الوطنية لتحرير أزواد ضد الحكومة المالية. ففي إحدى مقالات الصحفية المالية فاطمة الأنصاري فحركة أزواد التي سبق وأن ناشدت المغرب قُبيل الثورة، وأضافت الكاتِبة قائلة على المغرب  أن يفهم بان الوضع في مالي لن يعود إلى ما كان عليه من قبل وان استقلال أزواد واقع حقيقي الآن، ويجب أن يعترف بجمهورية أزواد فورا وربط علاقات وطيدة معها ومساعدتها على كسب الاعتراف الدولي وفي بناء الإدارة والجيش والاقتصاد ليكون للمغرب نفوذ كبير في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تعتبر كحزام فاصل بين أفريفيا السوداء وإفريقيا الشمالية. وخصوصا أن الحركة الأزوادية التي أصبحت تؤمن بإنتصارها وتحريرها  الوشيك  لا تعترف بما يُسمى ب”الجمهورية الصحراوية” وأنها تُساند الطرح المغربي ولها علاقات وطيدة مع العديد من الأحزاب والحركات الأمازيغية المغربية. وإذا تقاعس المغرب عن دعم استقلال أزواد فقد تحتويها الجزائر وتصبح داعما أساسيا لجبهة البوليساريو. وسيصبح المغرب معزول في منطقة غالبية دولها تساند  البوليساريو.

النزاع الذي دام أكثر من تلاثين عاما بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو يجسد للقضايا الجيوسياسية المطروحة في المنطقة المغاربية و لصراعٍ هو الآن في طريق مسدود. إلا أن القيود المفروضة  لإحتواء النزاع ومنع استئناف الحرب من شأنها أن تُدخل المغرب العربي في صراعات مجمدة على عكس حربٍ باردة وبالتالي تغيّر دلالة الصراع مع مرور الوقت  و بِتغيُّرالعالم. هذا التغير الذي امتد مع التاريخ المُعاصِرمن مرحلة إنهاء الإستعمار إلى مرحلة التوثرات الناتجة عن العولمة، ومِن الحرب الباردة إلى الحرب على الإرهاب، ومن المواجهة بين كتلتين معارضتين  إلى فلسفة الأمن والتعاون الإقليمي. ولكن حتى الآن ظلت مشكلة غير قابلة للحل.

 أما القادة المغاربيين فهم يقومون بإستغلال الصراع بسياسات يُمليها عليهم ضعف وهشاشة المشهد السياسي بِبلدانهم.

إن الطريقة التي يُسيَّر بها النزاع قد أسفرت عن مُنافسة دبلوماسية واستراتيجية  شرسةٍ  بين المغرب والجزائر الهدف مِنها الهيمنة الإقليمية وبالتالي لعب دور الرابط أو الوسيط الجهوي مع الغرب.

الغرب من خِلال فرنسا واسبانيا والولايات المتحدة حريصون على عدم اتخاذ جانب مع أي من البلدين المعنيين مباشرة في أزمة الصحراء الغربية، لأن هذه الدول لا ترغب في تأجيج التوترات القائمة. انهم لا يريدون فرض أي قيود على المغرب فيما يتعلق بالصحراء الغربية وحريصون على الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من الجزائر والمغرب، حفاظا منهم على أمن واستقرار المنطقة، التي ينظر إليها على أنها أولوية قصوى وبالتالي منح الأسبقية للصراع ”المتوقف”و الأقل أهمية. فمع توسع الاتحاد الأوروبي شرقا إلا أن مستقبل المناطق الأورو-متوسطية وأهميتها لا تتوفرعلى ضمان الحماية. حتى مدريد، الذي اعتمد سابقا موقفا محايدا تجاه المطالبات المغربية، تحاول الآن التقارب مع البلد من خلال اقتراح إجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين ( المغرب و البوليساريو).  أما الولايات المتحدة  فتبقى مصلحتها في منع الصحراء والساحل الأطلسي (من الشاطئ الشمالي حتى خليج غينيا) من أن تصبح منطقة رمادية وملاذا آمنا للإرهابيين الإسلاميين، مثل أفغانستان وباكستان. في الوقت نفسه، و كما أشار إلي ذلك الباحث المغربي مناراسليمي في إحدى تعليقاته الوا ردة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فالدور المحايد الذي تصر الولايات المتحدة على الحفاظ عليه يدل أيضا على اختلاف طبيعة تحالفاتها مع جانبي الصراع.

 إن التحالفات الإقليمية الجديدة التي نتجت عن إلتزام الدول المغاربية  بقضايا الأمن والشؤون الاقتصادية واعتمادها على ما يمكن أن يُسمى ب «الثنائية العمودية» أدى إلى إعادة تعريف منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​كبؤرة المصالح الاستراتيجية لا غير. بإعتبار حدودها العابرة للصحراء ولأن عملية التكامل بين الشمال والجنوب حوَّلت حدودها جنوبا بإعتبار الحدود الجنوبية للمنطقة الأورومتوسطية هي الآن ضمن منطقة الساحل، هذه الأخيرة التي تنعم بِبحر من السوائل، وبِرمال متحركة، الشيء الذي يُشكِّل صعوبة أمام الدول المغاربية  في السيطرة على المنطقة، على الرغم من الدبلوماسية الأفريقية النشطة، السُؤال الذي يُعيد نفسه من المُستفيد من  مشكلة  ظلت حتى الآن غير قابلة للحل؟

بقلم الحسين خبيد

الباحث في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية

29/09/2013