يحضر الشاي في الثقافة المغربية حضورا قويا. فالخبز الحافي لا يسهل مأمورية مضغه وهضمه إلا رفيقه الشاي، ومن ثمة ارتبط الإثنان كتوأم وكعنوان كبير للفقر باعتبارهما الوجبة المفضلة، كرها لا اختيارا، على الفقراء. ويزيد حضور الزيت ليتشكل الثالوث الطلابي المقدس: الخبز والزيت والشاي.

 

طقوس الشاي وأدبياته تختلف باختلاف جغرافية وطوبوغرافية وانثروبولوجية خريطة الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. فإذا كان البعض في بعض المناطق يجمعون بين الحبز والشاي كوجبة غذائية فإن الامر يختلف في الصحراء.

 

في جنوب المملكة، يرتبط الشاي بفضاء الصحراء وثقافتها. وللكأس الصحراوي نكهته ورغوته الخاصة التي تشكل جوهر اختلافه الذي تختلف باختلاف طريقة اعداده وطقوسها، حيث تحضر الجيمات الثلاثة (الجمر والجماعة و الجير).

 

أولا، الجمر: إذ لا يعد الشاي شايا إلا إذا تم إعداده على الجمر لا على قنينات الغاز.

 

ثانيا،الجماعة: أي الأشخاص الذين يحضرون جلسات الإنسان الصحراوي ونقاشاته وسمره ولحظات الضيوف والأصدقاء والأقرباء، والتي تزداد حرارتها وحلاوتها بحضور الشاي لأنه يستحيل وينذر أن يجتمع أكثر من شخصين دون أن تكون أواني الشاي ثالثتهما.

 

واخيرا الجيرة وهي الإناء الذي يقدم فيه الحليب للضيوف والذي يكون غالبا حليب الابل.

 

وكثيرا ما يعطي الصحراوي الأهمية للشاي ويختاره عن الأكل لدرجة أن إنسان الصحراء عندما يريد دعوتك إلى وليمة أو مناسبة فهو يخاطبك قائلا: “يالاه نتايو”، أي هيا بنا نعد الشاي، لتفاجأ بأنك مدعو إلى وليمة فخمة رغم أن الدعوة كانت فقط باسم الشاي.

 

يبقى غياب النعناع ميزة خاصة للشاي الصحراوي على غير غرار الشاي الشمالي أو السوسي الذي يعتبر فيه النعناع مادة أولية وعنصرا ضروريا لا يمكن شربه الا منعنعا. وفي هذا الصدد، تحكي إحدى الحكايات التي تقال لحظات إعداد الشاي على سبيل المزح أنه حدث مرة أن التقى صحراوي بصديقه السوسي فأصر السوسي على أن يعد الشاي لصديقه الصحراوي.

 

لكن هذا الأخير فضل أن لا يستعمل السوسي مادة النعناع إلا أن السوسي أبى إلا أن ينعنع شايه قائلا: “أتاي بلا نعناع، بناقص منه كاع”. ابتسم الصحراوي قبل أن يرد على صديقه بنبرة تحمل فكاهة أهل الصحراء قائلا: “أتاي الرفيع، ما يحتاج ربيع”.

 

بقي أخيرا أن نشير إلى أن الشاي المغربي كما هو حال الإنسان المغربي يبقى مغربيا بالطبع و التطبع، بالنعناع أو بدونه، وميزة خاصة للثقافة المغربية في تعدد ابعادها والوانها وتشكلاتها لدرجة أن بعض السياح وعشاق الكأس يسمونه بـ’الويسكي ماروكان’. لكن شتان بين الشاي و’الويسكي’. اسألوا المدمنين. 

 

30/10/2013