مخيمات البوليزاريو : أهم مصدر للتجنيد من طرف القاعدة

تحوّل تنظيم القاعدة، الذي كان من قبل مجرّد مصدر محدود للقلق في شمال إفريقيا، إلى تهديد يُحتمَل أن تكون له تداعيات على أوروبا والولايات المتحدة. فالتحالف الذي نشأ العام 2006 بين القاعدة والجماعة السلفية الجزائرية للتبشير والقتال، ساعد التنظيم على توسيع انتشاره، وهو لايزال يتوسّع الآن على أطراف الحدود غير الخاضعة إلى السيطرة حالياً هناك. ويُذكر أنه في العام 2005 أطلقت الولايات المتحدة مبادرة عسكرية الطابع أساساً ُعرَفت باسم "شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء"، ودعت الجزائر والمغرب وبلدان الساحل الأخرى إلى مكافحة الشبكات الإرهابية المتغلغلة في وسطها، بيد أن هذا المجهود لم يُثمر كثيراً. فعلى الرغم من أنه كان في استطاعة الجزائر والمغرب مواجهة القاعدة عبر شن هجمات منسَّقة، إلا أن مشاعر العداوة الشديدة بينهما بسبب النزاع الدائر في الصحراء الغربية أعاقت جهودهما.

 

هذا النزاع، الذي بدأ شجاراً معقّداً على الأراضي بعد الحقبة الاستعمارية على إثر الانسحاب الإسباني وما أعقبه من ضم المغرب للصحارى الغربية العام 1975، تحوّل إلى صراع متفشٍّ على المناطق المتنازع عليها، وهو لايزال يتوالى فصولاً منذ ثلاثين عاماً. وحالياً، لايزال كل من المغرب وجبهة البوليساريو، وهي حركة متمرّدة منفية في الجزائر والتي تحظى بدعم السلطات هناك، يزعم حقه في ضم تلك المناطق، الأمر الذي جعل هذه المسألة عقبة كأداء في وجه العلاقات بين البلدين.

 

من ناحية أخرى، يكتسب تنظيم القاعدة، الذي جرى توسيعه مؤخّراً تحت اسم جديد هو القاعدة في المغرب الإسلامي، زخماً في المناطق الصحراوية المعزولة والخارجة على القانون في جنوب الجزائر وموريتانيا وشمال مالي والصحارى الغربية. ويجذب هذا التحالف الفضفاض الشبّان الساخطين والثائرين، وهو يموّل نفسه عن طريق تهريب المخدرات وسلع أخرى، علاوة على خطف أشخاص وطلب فدية مقابل الإفراج عنهم. وقد أظهرت تفجيرات الدار البيضاء العام 2003، وتفجيرات القطارات في مدريد العام 2004، ومحاولة تفجير السفارة الأميركية في المغرب العام 2007، والهجمات التي استهدفت في وقت لاحق من ذلك العام الرئيس الجزائري ورئيس وزرائه، أن المخاطر جمة وتزداد تفاقماً بالنسبة إلى المغرب والجزائر على حد سواء.

وفي الواقع، بدأ المجتمع الدولي يفطن إلى أهمية الأمن في شمال إفريقيا. ففي 19 آذار/مارس، حثّ وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس على تدخّل دولي أكبر، ولاسيما من جانب فرنسا والولايات المتحدة، بغية تسوية النزاع القائم حول الصحارى الغربية. وفي كانون الثاني/يناير، عيّن أمين عام الأمم المتحدة الدبلوماسي الأميركي كريستوفر روس في منصب مبعوثه الخاص الجديد في الصحارى الغربية، وهو منصب  شغله سابقاً كل من الدبلوماسي الهولندي بيتر فان والموس ووزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بايكر، اللذان اصطدما بأنماط مألوفة من التعنّت. والواقع أن روس ورث ملفاً لا يُحسَد عليه؛ إذ لاتزال موافقة المغرب على استفتاء يمنح الصحارى الغربية استقلالها مسألة مستبعدة كما كانت دوماً، كما أن جبهة البوليساريو والجزائر لن تقبلا بما هو دون ذلك.

 

حتى الآن، لم تكن اقتراحات الأمم المتحدة مُرضِية، أقله بالنسبة إلى  أحد الأطراف الثلاثة المعنية. فاقتراح الأمم المتحدة، الصادر العام 1991 والذي ينص على إجراء استفتاء حول الاستقلال، سقط مضرّجاً بدمائه حين اختلفت جبهة البوليساريو والمغرب حول مسألة من يجب أن يحصل على حق التصويت في الصحراء الغربية. وفي العام 2001، وقّع المغرب على الصيغة الأولى من خطة بايكر، التي تمنح الصحراء الغربية حكماً ذاتياً في ظل السيادة المغربية، بيد أن جبهة البوليساريو والجزائر رفضتا الخطة كما كان متوقّعاً. ثم في العام 2003، عدّل بايكر الخطة بحيث باتت تنص على الحكم الذاتي إضافة إلى تنظيم استفتاء يشارك فيه كل سكان الصحراء الغربية. لكن، في حين وافقت الجزائر وجبهة البوليساريو على الخطة المعدّلة، وكذلك مجلس الأمن الدولي، إلا أن الاتفاق تداعى على وقع عدم التعاون المغربي. أما الآن، فيعرض المغرب منح  الصحراء الغربية "حكماً ذاتياً أكبر"، لكن من دون أي تفاصيل محددة.

 

وعلى الرغم من توقّع إجراء جولة خامسة من المفاوضات برعاية الأمم المتحدة، إلا أن هذه الأخيرة لاتعد الا بالنذر اليسير من التقدّم الفوري. فقد هدّد قياديون في جبهة البوليساريو، في مقابلة مع إحدى الصحف الجزائرية مؤخّراً، بالعودة إلى المقاومة المسلّحة إذا ماحاول المغرب عرقلة جهود الأمم المتحدة. ومن شأن الإذعان إلى مطالب الجزائر والبوليساريو أن تكون خطوة ممجودة ومعدومة الشعبية إلى حد كبير بين أوساط الوطنيين المغاربة. وبالمثل، يجد المعتدلون الجزائريون أنفسهم في لعبة لايمكنهم الفوز فيها: فالخضوع إلى المطالب المغربية يجعلهم يبدون متواطئين في مشروع استعماري، ناهيك عن جعلهم يبدون خاسرين في لعبة قوى إقليمية. كما أن احتمالات نجاح مبعوث الأمم المتحدة، كريستوفر روس، تبدو بدورها ضئيلة ، مالم يستطع أن يحمل الجزائر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، عبر جعل الصحراء الغربية جزءاً من اتفاق أوسع يتضمّن إعادة فتح الحدود وحتى تعاوناً اقتصادياً.

 

لكن، وعلى الرغم من أن التوصل إلى حل للنزاع في الصحراء الغربية يبدو في الوقت الراهن بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، إلا أن حاجة المجتمع الدولي إلى ضبط الوضع المتدهور بسرعة في الساحل، وماينجم عنه من تهديدات إرهابية، قد تؤدّي في خاتمة المطاف إلى تغيير طبيعة الديناميات هناك. لذلك، يجب على قادة الجزائر، الذين يواجهون أصلاً تشكيكاً في سيادتهم الداخلية، أن يعوا أنه ليس في مصلحتهم أن تكون ثمة دولة فاشلة أخرى على حدودهم؛ كما ينبغي على المغرب أن يُدرك أن تحدّي البوليساريو للمفاهيم التقليدية المتعلقة بوحدة الأراضي قد لايبقى التهديد الأكبر الذي تواجهه الملكية.

 

انتصار فقير مساعدة رئيسة التحرير في نشرة الإصلاح العربي، وكانت سابقاً منسّقة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز المبادرة الخاصة الدولية. 

10/01/2013