لو سئلت أو طلب منّي أحدهم الإدلاء برأيي وموقفي بخصوص التطورات الأخيرة لملف الصحراء، فإنني سوف أعلن أولا تضامني الأكيد والقوي مع موقف الدولة المغربية _بمختلف هياكلها_ الرافض لمشروع القرار الأممي الذي اقترحته دولة الولايات الأمريكية المتحّدة والذي يمسّ في جوهره استقلالية القرار الفعلي للمغرب في تلك المنطقة الغالية من ترابنا. هذا شيء لا ريب فيه بالنسبة إليّ شخصيا خاصة في هذه الظروف الزمنية المتحركة التي نعيش في خضمها. لكن هذا لا يجب أن يمنعنا من الصمت والتغاضي عن أخطاء الدولة المغربية في شخص نظامها وفي شخص مؤسساته في تدبير هذا الملف الحساس. وهي بالمناسبة أخطاء شبيهة بتلك الأخطاء التي تم ارتكابها على مستوى العديد من القضايا الكبرى من قبيل قضايا بناء المؤسسات الديمقراطية في البلاد والحكامة الرشيدة وجودة التعليم واستقلال القضاء وسيادة القانون والاعتناء بمناطق المغرب المهمّشة أو المعروفة باسم المغرب غير النافع وغيرها من القضايا الأساسية في حياة الإنسان المغربي. لتبقى قضية الصحراء هي القضية الأكثر سطوعا والأكثر إثارة للنقاش والمجادلة من ضمن تلك القضايا بحكم أنها تأتي في سياق صراع سياسي تاريخي.

 

فنحن نعلم أن بناء المؤسسات في المغرب، عبر مختلف مراحله، مرّ من كبوات جمّة وإخفاقات مريرة منذ الاستقلال. وها نحن مازلنا نتحدث اليوم عن إخفاقات تنزيل الدستور أو تفعيله بعدما اعتقدنا في فترة عابرة أننا مقبلون على سلك الطريق الصحيح المؤدي إلى نظام تحترم فيه أدنى شروط الديمقراطية. لكننا اكتشفنا مرّة أخرى أن التاريخ يعيد نفسه.

 

مثلما اكتشفنا أن الشعارات التي رفعت بعيد الاستقلال والشعارات التي رفعت في السبعينات من القرن الماضي والشعارات التي رفعت في التسعينات وشعارات 2011 هي نفس الشعارات التي لا تتجسّد على أرض الواقع لأسباب معروفة. وفي كل ظرف من تلك الظروف كانت قضية الصحراء تطفو على السطح بأشكال شتى.

 

لقد استهلكنا منذ الاستقلال مسلسلا طويلا من مظاهر الفشل والارتياب في قضية استرجاع الأقاليم الصحراوية من المستعمر الإسباني فكانت أولى بوادر الفشل هي فقداننا لمنطقة موريطانيا التي أصبحت كالغصّة المرّة في أعناقنا.

 

بادرنا بعدها في لحظة تاريخية خالدة إلى تنظيم المسيرة الخضراء لنكتسب مصداقية نسبية في إمساك زمام الأمور فيما تبقّى من ترابنا لكننا فرّطنا في قلوب فئات مهمّة من أبنائنا في الصحراء.

 

اقترحنا مشروع الحكم الذاتي كمبادرة جديدة لامتلاك حقنا في استقلال أرضنا الصحراوية بعدما أصبحت قضية الصحراء ملفا دوليا تنظر فيه الدول العالمية بأشكال مصلحية متنوعة لكن مبادرتنا بدأت تتآكل اليوم في أروقة المجتمع الدولي لا لشيء سوى لأنهم ينظرون إلينا باستصغار. فنحن دولة تدّعي أنها ديمقراطية وقويّة لكنها في الحقيقة غير ديمقراطية ومواردها ضعيفة.

 

هذا المسلسل الطويل يوضّح بالملموس بأن قضية الصحراء ليست قضية معزولة عن سياق بناء دولة المؤسسات الحديثة والديمقراطية. كما أنها ليست في معزل عن كل القضايا الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق المجتمع. لذلك فمن الواجب علينا أن نكون واعين بهذه المسألة ومدركين لخطورتها وإلا فسيأتي يوم نسمع فيه بأن الأمم المتحدة تطالب من المينورسو تمديد مهمته لمراقبة حقوق الإنسان في كافة الأقاليم المغربية (الشمالية منها والجنوبية)، ولو كان من الأجدر مراقبة تلك الحقوق المفقودة في الجزائر بأقاليمها الجنوبية الشرقية قبل مراقبتها في المغرب.

 

فهل سيستفيد النظام المغربي من الدرس الذي قدمته له الدولة الأمريكية؟ أتمنى ذلك

ياسر الطريبق

 

23/04/2013