الدكتور خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية

إن كتاب "الصحراء المغربية: مسارات الحل الشامل" للأستاذ خالد شيات، من كلية الحقوق بوجدة، يأخذ أهميته من التحليل الأكاطيمي الهادئ، والذي يستحضر كل عناصر التحليل العلمي.

بأسلوب أكاديمي موضوعي، أصدر الدكتور خالد شيات، الأستاذ الباحث بكلية الحقوق، جامعة محمد الأول بوجدة، كتابا تحت عنوان " الصحراء المغربية: مسارات الحل الشامل". وهو كتاب من 133 صفحة من الحجم المتوسط.

لقد أفلح الكاتب أولا في اختيار العنوان، لأنه يحيلنا من البداية على مقاربة شمولية. فهو يضع مسألة الصحراء ضمن المسارات (بالجمع) التي ينبغي معالجتها في إطارها لتحقيق تطلعات كل الأطراف المعنية. ثم نجح ثانيا في عرض هذه المسارات بما يجعل "مستقبل قضية الصحراء ووضعها الطبيعي هو الحل النهائي والشامل في إطار السيادة المغربية". إن الكاتب قد استبعد منذ البداية المقاربة الدبلوماسية المستندة فقط إلى الشرعية الدولية، والمقاربة السياسية وتأثير التجاذب بين أطراف النزاع خاصة المغرب والجزائر، والمقاربة الأمنية أو العسكرية التي حاول من خلالها طرفي النزاع الأساسيين فرض أمر واقع في المنطقة. وبالتالي اعتبر الكاتب أن (تعدد المقاربات هذا أعطى صورا مغلوطة عن قضية الصحراء وكذا إمكانيات حلها في شكل يمكن وصفه أنه تبسيطي ودعائي في غالب الأحيان، وغطى عن الأزمة الحقيقية المتمثلة في العناصر البشرية المتضررة من هذا الوضع، وعلى أهداف أطراف النزاع الحقيقية من التشبث بـ "الوضع القائم"، بل حتى على السياسات المتبعة رسميا من طرف المغرب لحل هذا النزاع، وكأنما كان أطراف النزاع لمدة عقود يحاولون حل النزاع المنعكس على مرآة الواقع بالمناطق الصحراوية بدل حل الواقع ذاته).

لقد طرح الكاتب ثلاث إشكاليات يبتغي الإجابة عنها للوصول إلى خلاصات معينة: فهناك أولا النزاع حول الوصف الذي يمكن إطلاقه على المتواجدين بمخيمات تندوف، فهم محتجزين حسب المقاربة المغربية ونصف "الشعب" الصحراوي حسب مفهوم البوليزاريو. وهناك ثانيا الدبلوماسية التي تمكنت الجزائر من خلالها الترويج لحل في إطار مبدأ تقرير المصير لكن دون أن نعرف هل فعلا هدف الجزائر هو إحلال الشرعية الدولية من خلال تقرير المصير. ثم هناك ثالثا التصور المغربي لحل هذه القضية، وهو في الحقيقة نتيجة تطور تصورات متعددة، لا يُمكن إدخاله في مفهوم الإستراتيجية التي لم يكن المغرب يتوفر عليها طيلة مقاربته لهذه الأزمة منذ بدايتها؛ فقد انتقلت من منطق الحل الأمني أو العسكري المبني على فرض "الأمر الواقع" (المغرب في صحرائه)، إلى الحل الأممي والشرعية الدولية في إطار مبدأ تقرير المصير، وأخيرا على وضع سقف للتنازلات التي لا يُمكن للمغرب القبول بأقل منها، ولكن في إطار نوع من التوافق السياسي الداخلي واعتمادا على توازنات بين القوى الكبرى تحت غطاء الأمم المتحدة. وهنا يتساءل الكاتب: هل يسير المغرب في الاتجاه الصحيح؟

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أبواب، إشكالية اللجوء بتندوف، وإشكالية التدخل الجزائري في قضية الصحراء، وإشكالية التفرد الثقافي للصحراويين بين مسألة الحكم الذاتي والانفصال.

وإذا كان الباب الأول قد استند في البداية إلى تحليل الوضعية القانونية للصحراويين في تندوف من خلال رؤية القانون الدولي وتصور طرفي النزاع، فإنه بعد ذلك تعرض لإمكانيات حل هذه القضية سواء في أطار المرحلة الأممية لحل إشكالية النزاع في الصحراء أو في إطار التسوية القانونية والفعلية بعد التسوية. وقد تطلب ذلك من الدكتور خالد شيات أن يعالج الإسقاطات الإيديولوجية لمسألة اللجوء، والاستغلال السياسي لوضعية الصحراويين كمقترعين، والرؤية القانونية من خلال مخططات التسوية، والإطار العام لمفهوم العودة، وتصور العودة في إطار مشروع الحكم الذاتي.

يقول الكاتب بهذا الخصوص: إن تصور المغرب لعودة صحراويي تندوف في مشروع الحكم الذاتي يوم على ركيزتين، وهما العفو الشامل والإدماج. ففيما يتعلق بالعفو الشامل فإنه يستبعد المتابعة أو التوقيف أو الاعتقال أو أي شكل من أشكال الترهيب. لكن هذا لا يمنع من طرح بعض التساؤلات. فمثلا هل يشمل العفو الشامل العقوبات الحبسية والسجنية الصادرة في حق الصحراويين في مراحل زمنية سابقة أم عفو لاحق فقط أي يشمل الأشخاص بعد عودتهم؟ وهل المقصود بـ "الشامل" العقوبات مهما كان نوعها، أم يُقصد بها الأفراد مهما كانت مكانتهم السياسية أم هما معا؟ ... أما بخصوص مسألة الإدماج، فإن الكاتب اعتبر أن مشروع الحكم الذاتي تحدث عن الإدماج كمفهوم عام، وهو في عرف النزاعات المشابهة يشمل الجوانب التالية: إدماج العناصر العسكرية للبوليزاريو في الجيش النظامي المغربي أو الشرطة أو الدرك؛ وإدماج العناصر السياسية في المشاريع السياسية الجهوية والوطنية بالمشاركة الفعلية؛ والإدماج الاقتصادي بتوفير أدوات العيش اللائق وتوفير الشغل للحاصلين على شهادات تخولهم ذلك؛ ...

أما بخصوص الباب الثاني المتعلق بإشكالية التدخل الجزائري في قضية الصحراء، فقد عمل من خلاله الكاتب على إبراز المظهر الواقعي لهذا التدخل ثم المظهر القانوني. وهكذا، حلل كل ما يتعلق بأصول تواجد الصحراويين في تندوف، والمواقف الجزائرية، ليصل إلى إمكانيات فك الارتباط الجزائري بقضية الصحراء من خلال الهاجس الاستراتيجي الأمني، والهواجس الاقتصادية والسياسية.

ويبقى الباب الثالث المتعلق بإشكالية التفرد الثقافي للصحراويين ومسألة الحكم الذاتي والانفصال، بابا شيقا، يقف الكاتب من خلاله على أن قضية الصحراء هي قضية تميز ثقافي انتقل إلى المستوى السياسي المتمثل في المطالبة بالانفصال. وفي هذا الصدد، يرى أن المتأمل في مسار الأحداث السياسية الدولية في مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي، أو حتى في مراحل تاريخية سابقة أو لاحقة، سيجد أن هناك نماذج انفصالية كثيرة لم تعرف التوتر الذي عرفته قضية الصحراء رغم أنه كلها تقريبا تقوم على تمايز ديني (جنوب الفلبين، أو جنوب تايلاند، أو جنوب السودان، أو كوسوفو، أو إيرلاندا الشمالية...)، أو تمايز اثني واضح (التشيك والسلوفاك، أو مطالب الباسك بإسبانيا...)، عكس أزمة الصحراء التي لا تبدو سوى انعكاسا سياسيا لتمايز ثقافي وليس اثني. وهو ما يفرض الالتزام باحترام هذا التفرد داخل هذه المناطق.

لكل ذلك، فإن مقترح الحكم الذاتي يبقى إطارا عقلانيا يستوجب الإقرار ببعض الجوانب الشكلية والموضوعية. شكليا بجعل مقدمات ترتيب الحكم الذاتي شاملة لكل المكونات السياسية الفاعلة في الإقليم بكل تلوناتها الاجتماعية والسياسية؛ وموضوعيا من خلال جعل مشروع الحكم الذاتي مشروعا ديمقراطيا في فضاء ناضج ديمقراطيا على الصعيد الوطني. وبهذا وحده لن تبدو معه المقاربة الانفصالية إلا كطرح سياسي سلبي غير مساير للعصر.

وفي الخاتمة، يعتقد الدكتور خالد شيات، أن الجزء الأكبر من الحل يبقى هو قطعة الجليد غير الظاهر المتمثل أساسا في رجوع "صحراويي تندوف"، وفك الارتباط مع المصالح الجزائرية. وأن المقترح المغربي لحل القضية ستكون حظوظه آنذاك كبيرة للنجاح ما دام سيكون قد جمع بين البعد الدولي والإقليمي والداخلي. ويعتبر أن فكرة الحكم الذاتي تسير في هذا الاتجاه لو يتم تطعيمها بالتوجه المكثف لإرجاع "صحراويي تندوف" وتطبيع العلاقات مع الجزائر بالارتكاز على المصالح المشتركة ولاسيما الاقتصادية منها.

 

بن يونس المرزوقي

أستاذ باحث بكلية الحقوق بوجدة

 

 

09/01/2013