قد يعيب علينا البعض خوضنا هذا في شأن الجزائر ويرى فيه صب مزيد من الزيت على نار تشتد في الإحتراق من ستينيات القرن الماضي. بعيب كهذا نكون دعاة للفتنة ورعاة لتفرقة بين الإخوة والأشقاء. لهؤلاء أقول: يكفينا خذلانا فقد بلغ السيل الزبى وتجاوز الأمر حدود المعقول والمقبول. يقدموا أرضنا فلا ينالهم منا إلا الجود والكرم وتفتح لهم البيوت فلم يرجعوا يوما خائبين. نرغب ودهم ونستلطفهم وندفع بأمرهم في مواقف شتى حتى سمعت لنا زغاريد بأفراحهم ولم نر لهم جميلا يرد في ماضينا وحاضرنا.

 

بالبارحة، لبينا نداءهم وحاربنا معهم مستعمريهم الفرنسيين، وبالأمس القريب كان لرجالاتهم الوطنيين في بيوتنا المخبأ والمأوى وفي مدارسنا الزاد والمعرفة واليوم هم علينا حاقدون فلا تسع ذاكرتنا المشتركة سوى حكايات الغدر والخديعة وحقد دفين. نعم حاقدون. الحقد هو ما يبرر العداوة الغير المبررة. الحقد فقط هو ما يجعل ملوك وأمراء المرابطين جزائريين. الحقد هو مايجعل القفطان المغربي جزائري الهوى. الحقد هو ما يجعل من جزيرة ليلى المغربية جزيرة إسبانية وزد عن ذلك الكثير.

 

هنا قد يقول البعض: هي لعبة ساسة فما بال عامة الناس بهذا. لهولاء أقول: انظروا تعليقاتهم في عوالم النت لتدركوا باطلا يتجلى حقا مطلقا عند جيراننا في الشرق. أما أنا فدعوني أشارككم ما نظرت في أقلامهم العطشى لتسميم تربة هذه الأرض بمدادها الرخيص.

 

في رسالة وجهها لمشاركين في ندوة إفريقية حول قضية الصحراء بمدينة أبوجا النيجيرية، دعا رئيس الجمهورية الجزائرية، السيد عبد العزيز بوتفليقة، إلى بلورة ما أسماه “آلية لمتابعة ومراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية التي تناضل؛ حسب زعمه؛ من أجل استقلالها منذ 40 سنة”. و إعتبر السيد الرئيس في ذات الرسالة أن “إعادة تأطير صلاحيات بعثة المينورسو سيسمح للأمم المتحدة بلعب الدور المنوط بها على أكمل وجه فيما يتعلق بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ويتمم مهام بعثة المينورسو.”

 

رسالة هي إذاً! نعم رسالة في ظاهرها تحمل إنشغالات جارتنا الشقيقة وزعيمها الهمام بقيم الحق والعدل وفي باطنها مدعاة لظلم الجيران واغتصاب أرضهم والطعن في مقوماتهم. للسيد بوتفليقة نقول: إن لمسلمي العالم روهينجا في الصين؛ تهدم بيوتهم ومساجدهم وتغتصب نساؤهم ليلا نهارا، فلم نسمع لك صوتا تدفع به عنهم ظلم حكام الصين. للسيد نقول: إن للباسك في فرنسا وإسبانيا عرقا ولغة وثقافة وهوية تطمس فلم نقرأ لك رسالة تذكر. للسيد نقول: إن خريطة العالم موشومة ببقاع شتى لازالت شعوبها تطمح متعبة مرهقة في التحرر والإنعتاق فاصدق قولك وهب أرضك كما وهبتها لمرتزقتك في تندوف وادفع بقضاياهم إلى العالم. هل يصدق؟ طبعا لا. فهي مجرد حكاية بخيسة ومقرفة ونحن في ذاكرتهم التزامهم الوحيد.

 

وعلى عادتهم، زاد حماس الإعلاميين الجزائريين فأبدعت أقلامهم في نشر المغالطات وأحيانا التخاريف. ففي مقال له على جريدة أخبار اليوم الجزائرية كتب الصحفي لمجد أن “نظام المخزن المغربي عاد إلى لعبة التهجم والتطاول على الجزائر والرئيس بوتفليقة “واسترسل في الحديث عن أمجاد وبطولات أحفاد الأمير عبد القادر ونسي أوتناسى أن الجغرافيا لازالت تنصف تاريخ المنطقة فتسمي هذه البقاع المغرب وحسبي أن صاحبنا يفهم لغة الهمز واللمز. في السياق ذاته، كتبت الصحفية حدة حزام في مقال لها على جريدة الفجر عنونته “الجزائر وجارنا الملك” أننا “صرنا نمتلك شفرة تفسير التهجمات والتصريحات السافرة ضد بلادنا، إلى درجة لم يعد كلام السياسيين في المغرب يزعجنا ولا حتى يجبرنا على الرد” لتعطي بعضا من رموز هذه الشفرة وترى فيما يقع مجرد محاولة يائسة من الملك “ليحقق مكاسب سياسية على حساب الجار المنهك.”

 

وعلى نغم نفس المعزوفة، إعتبر عبدالسلام سكية، الصحفي بجريدة الشروق، أن “ملك المغرب بدأ يفقد صوابه وأنه أدخل العلاقات الجزائرية المغربية في نفق مظلم.” بأقلام كهذه، يصبح مشكل الصحراء في نظر الجزائريين مشكل ملك وملكية وكأن المغاربة لا يعنيهم في تربتها أمر. للسيدة حزام وللسيد سكية نقول: الصحراء ليست صحراء الملك وليس المغرب بمغربه؛ بل هي أرضنا جميعا حكاما ومحكومين. فعبر تاريخ مديد لازال يمتد من حضارات ما قبل إمارات الأمازيغ إلى يومنا هذا ورمالها من تربة هذا البلد الحبيب. فإن الجزائر اليوم تلعب على أوتار هذا النغم قلنا لها هيهات هيهات…”

 

يتبع…

 

من مجموعة مقالات “الصحراء: رمالها من تربة هذا البلد” حول قضية الصحراء المغربية عبدالله زبير

02/11/2013