في عشاء رسمي بمناسبة الدورة الأخيرة لاجتماعات اللجنة الأوروبية لمحاربة العنصرية بالمجلس الأوروبي برسم سنة 2012 شاءت الصدف أن أقتسم المائدة مع بعض سفراء دول البلقان في المجلس لمذكور، وما أن عرف أحد السفراء أنني مغربي حتى انخرط معي في النقاش حول ملفات النزاع في العالم العربي بداية بفلسطين ومرورا بسوريا وانتهى بنا المطاف نتحدث عن ملف الصحراء في علاقته بما دعاه السفير بالسياسات الخارجية للوحدة الأوروبية. ملاحظات الدبلوماسي الأوروبي جعلتني أفكر مليا في مدى فهمنا حقيقة للأوروبيين في علاقاتهم بنا وبمصالحهم مقابل فهمهم لنا في علاقاتنا بهم وبمصالحنا، وارتأيت بالمناسبة أن أنقل هذه الخلاصات.

 

من مسلمات السياسة الخارجية الأوروبية أنها غير موحدة ويطغى عليها الانقسام. وقليلة هي المواضيع التي عرفت فيها السياسة الخارجية لدول الوحدة الأوروبية انسجاما واصطفافا يتماشى مع طموحات الوحدة.

 

المتابع لأهم القضايا التي تشغل السياسة الخارجية للدول الكبرى سيلاحظ بوضوح عزلة السيدة ليدي أشتون نائبة رئيس الاتحاد الأوروبي والممثلة العليا لسياسته الخارجية، وغالبا ما تبدو تائهة بين تصريحات ومواقف الكبار من دول الوحدة كألمانيا وفرنسا وبريطانيا، كما تبدو ومنذ تكليفها سنة 2010 بما يشبه حقيبة الخارجية للإتحاد الأوروبي وكأنها تقود باخرة بدون شراع وبدون هدف، ورغم أن الممثلية العليا للسياسة الخارجية تتوفر على 3000 ديبلوماسي من العيار الثقيل والكفاءات العليا لكن غياب القرار السياسي الموحد والصلاحيات الكافية لاتخاد المبادرات يجعل من عملها ترفا إضافيا تستأنس به دول الوحدة وتتفنن بعضها في معاكسته أو الوقوف في الصف المقابل له.

 

الدول الكبرى والمؤثرة تعرف أنها يجب أن تتعامل في سياستها الخارجية اتجاه شركائها في الوحدة الأوروبية مع دول الوحدة القوية ومع كل دولة على انفراد قبل أن تتعامل مع البقية بحذر وعلى ضوء توافقتها مع الأولى، وفقط تتعامل مع الحكومة الأوروبية ومؤسسات الوحدة في قضايا قليلة اصبحت بقوة الواقع موحدة كما هو الشأن بالنسبة لسياسة المنافسة والمعاملات المالية وبعض القضايا المتعلقة بالأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والارهاب والملف النووي الإيراني.

 

تعرف الخارجية الأمريكية والروسية والصينية واسرائيل وبعض دول الخليج أن موضوع السلم والحرب والاتفاقيات الاستراتيجية يجب تدبيرها مع دول الوحدة الأوروبية على انفراد ومع القوية منها بداية بألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا بشكل أقل قبل أن تخوض في أي حوار مع الاتحاد الأوروبي كطرف منسجم وموحد.

 

من أبرز الأمثلة على تيهان السيدة أشتون وتضارب المواقف بين شركاء الوحدة الأوروبية والأكثر راهنية نجد الملف الفلسطيني الذي كشف أثناء التصويت على طلب عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة بصفة ملاحظ أو مراقب حيث عجزت الممثلة العليا للسياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي في توحيد موقف أوروبي بشأن التصويت وكانت النتيجة أن اختلفت أصوات دول الوحدة وبالخصوص الدول الكبرى كألمانيا وفرنسا وبريطانيا بين التصويت بالإيجاب والرفض أو الامتناع عن التصويت، هذا بالاضافة إلى المواقف المتضاربة من العدوان الاسرائيلي الأخير على غزة.

 

والملف الثاني الذي تواجهه الخارجية الأوروبية بانقسام واضح وبتضارب في مستوى الدعم يتعلق بسوريا التي ذهبت الخارجية الفرنسية بعيدا في دعمها للمعارضة السورية وتتهمها روسيا بتسليح الجيش السوري الحر والميليشيات المسلحة بعتاد متطور يُهدد بقلب معادلة الصراع على الأرض في حين تحتاط دول أخرى كألمانيا وإيطاليا في تقديم الدعم للمعارضة والرفع من مستوى الاعتراف بالمعارضة وبحدة أقل بريطانيا التي رفعت من دعمها تدريجيا.

 

وأقرب نمودج لغياب سياسة خارجية موحدة وتضارب المواقف بين دول الاتحاد الأوروبي نجد ملف الصحراء الغربية التي تقف فيه فرنسا في مقدمة الداعمين للمغرب مقابل دول أخرى تدعم أطروحة الجزائر وتُعلن دعمها العلني للجمهورية الصحراوية وأخرى تتأرجح بين الموقفين وغالبا ما تنحاز إلى موقف وسط يدعو إلى حل عبر المفاوضات أو العودة إلى الاستفتاء. وعلى خلاف الملفات السابقة التي تتقاطع فيها سياسة الدول القوية في الاتحاد الأوروبي مع سياسة المفوضية الأوروبية بقيادة الوزيرة أشتون وحضورها الموازي في مناطق النزاعات من فلسطين وإسرائيل ولبنان وإيران وغيرها نجد هذه الأخيرة شبه غائبة في ملف الصحراء باستثناء اضطرارها للجواب على أسئلة البرلمان الأوروبي في تعاطيه مع هذا الملف والذي غالبا ما يكون من موقع الأغلبية الداعمة للأطروحة الجزائرية الداعية للإنفصال بفعل لوبي جزائري صحراوي قوي.

 

المُقلق أن تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية على دول الوحدة الأوروبية وعلى تطور الاتحاد الاوروبي وتقدمه نحو الاندماج الفدرالي يلعب لصالح أطروحة الانفصال التي تجعل منها الجزائر ورقة مقايضة قوية مقابل امتيازات في مجال الطاقة والغاز والاستثمار والتي غالبا ما تعجز العروض المغربية على منافستها.

 

بالمقابل يتمتع المغرب بحضور بشري قوي في دول الوحدة الأوروبية ممثلا بجالية كبيرة ونشيطة سياسيا لكنها خاضعة في أغلبها لتوجيه رسمي بليد غالبا ما يجعل من تحركاتها لصالح الموقف المغربي مبررا للمزيد من الدعم والمساندة للأطروحة الانفصالية.

 

بعد تقرير المبعوث الخاص للأمم المتحدة كريستوفر روس الذي أشار فيه لما يُفيد بفشل المفاوضات وأن " الملف مثير للقلق الشديد" و إلى خطورة المرحلة المقبلة في ضوء الوضع البالغ التوتر في منطقة الساحل الإفريقي، تكون الجزائر قد حققت نصرا سياسيا باستهلاك المفاوضات وإقناع الرأي العام الدولي بأن الحل في العودة للإستفتاء. في المقابل يبقى أمام المغرب وحلفائه التمسك بالمفاوضات على أن تتوسع إلى مشاركة دول معنية في مقدمتها الجزائر وإسبانيا وهو الأمر الذي يتطلب ثورة في الدبلوماسية المغربية أو انتظار مفاجآت مُحتملة قد لا تكون سارة بالنسبة للمغرب.

عبدالحميد البجوقي

 

05/12/2012