لا شك أن كل من يطالع التقارير الواردة عن بعض الجهات الأجنبية التي تصنف نفسها في خانة المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وكذا تلك المقالات المنشورة في بعض المواقع الالكترونية أو الإعلامية الممولة من قبل أطراف معروفة لخدمة مصالح مرتزقة البوليزاريو سيصاب بالذهول وسيطرح تساؤلات عن حقيقة الإصلاحات التي دشنها المغرب منذ سنوات للنهوض بمجال حقوق الإنسان. مناسبة هذا الكلام هو ما رافق مختلف أطوار محاكمة متهمي أحداث اكديم إيزيك أمام المحكمة العسكرية بالرباط من محاولة البعض لتغليط الرأي العام الدولي من خلال محاولة تسييس القضية الجنائية و إعطاء صورة قاتمة عن أوضاع حقوق الإنسان بصفة عامة و عن ظروف وضمانات هذه المحاكمة على وجه الخصوص. 

 

لكن الرأي العام الدولي ليس بالساذج فهو يعرف كيف يميز بين الآراء والمنابر التي تعكس الحقيقة و بين تلك المصنفة في خانة البروباغندا (la propagande) الموجهة لخدمة أجندة خاصة. يضاف إلى كل هذا كون هذا الملف يتعلق بوقائع وأفعال مادية و بالتالي فهو بعيد كل البعد عن ما هو سياسي، و إذا كان هناك من مقارعة فيجب أن تكون قانونية صرفة. 

 

و لإعطاء صورة حقيقية عن محاكمة هؤلاء المتهمين في قضية اكديم إيزيك لا بد من الوقوف لحظة بلحظة عند مختلف أطوار هذه المحاكمة منذ بداية أول جلسة في الأول من فبراير من هذه السنة إلى غاية انتهائها ليلة السبت و الأحد من نفس الشهر. ولهذا الغرض سنعمل على إعطاء صورة واضحة عن كل المتدخلين في هذه المحاكمة من هيئة الحكم و هيئة النيابة العامة و المتهمين و هيئة الدفاع وكذا عن المتابعين لها من ملاحظين دوليين وعائلات المتهمين والضحايا بالإضافة إلى إعطاء لمحة عن الظروف و الأجواء المصاحبة لها. 

 

هيئة الحكم : تتكون هذه الهيئة من رئيس و أربعة مستشارين. وقد سير الرئيس جميع الجلسات بحكمة ورزانة بعيدا عن كل انفعال، وذلك من خلال المرونة التي تعامل بها أثناء استجواب المتهمين من خلال السماح لهم بالتعبير بكل حرية بالرغم من محاولة البعض منهم استفزاز المحكمة. كما تتضح تلك المرونة أيضا من خلال طريقة تعامل الرئيس مع هيئة الدفاع و كذا النيابة العامة، حيث كان منصفا ولم يغلب أي طرف على الآخر. 

 

النيابة العامة : على عكس تلك النظرة التي يعرفها الجميع وطنيا ودوليا عن طبيعة النيابة العامة والمتسمة بطابع التشدد لكونها تمثل الحق العام، فإن النيابة العامة في هذا الملف أظهرت أنها مرنة ونزيهة و معتدلة. فصفة المرونة اتضحت في جميع أطوار المحاكمة من خلال طريقة تعاملها مع المتهمين، كما يظهر ذلك من خلال طلباتها النهائية حيث لم تطالب بعقوبة الإعدام. أما صفة النزاهة فتظهر من طريقة تناولها للملف حيث كانت تدخلاتها دقيقة وتخص الدعوى العمومية فقط. أما صفة الاعتدال فتظهر من خلال طريقة تعاملها مع هيئة الدفاع التي وصلت إلى حد مساندتها في العديد من الطلبات التي تهم المتهمين كتمكين هؤلاء من الراحة والتغذية و تمكينهم من الإسعافات الضرورية. 

 

هيئة الدفاع : شارك في الدفاع عن المتهمين أحد عشر محاميا يمثلون هيئات كل من الرباط والدار البيضاء ومراكش و أكادير. و قد تفاعلت هذه الهئية بشكل إيجابي مع هيئة المحكمة من أجل تيسير سير الجلسات بما يخدم مصلحة المتهمين ويوفر شروط المحاكمة العادلة. وقد بسط محامو المتهمين بكل حرية دفاعاتهم الشكلية وطلباتهم ومستنتجاتهم بما يخدم مصلحة موكليهم. وقد أشاد بعض أعضاء هيئة الدفاع بعد النطق بالحكم للطريقة التي مرت بها المحاكمة وكذا عن تناسب العقوبات مع التهم الموجهة لموكليهم. 

 

المتهمون : إن أهم ما لفت انتباه الحضور، خصوصا المراقبين الدوليين هو دخول وخروج المتهمين من قاعة المحكمة من غير أصفاد و كذلك مكان تواجدهم في المحكمة حيث لم يكونوا وراء القضبان كما هو متعارف على ذلك في بعض الدول. وأمام مرونة هيئة المحكمة فإن بعض المتهمين كانوا يحاولون استفزازها بترديد بعض الشعارات السياسية مع أن الأمر يتعلق بدعوى عمومية مقامة ضدهم جراء اتهامهم بأفعال إجرامية أفضت إلى مقتل 11 شخصا من القوات العمومية. 

 

الملاحظون الدوليون : شهدت هذه المحكمة حضور عدد مهم من الملاحظين الدوليين فاق عددهم المائة من جنسيات مختلفة. وإذا كان بعضهم يتسم بالحياد فإن أقلية منهم أظهرت تحيزها الواضح للطرح الانفصالي، يظهر ذلك جليا من خلال اعتماد أشخاص غير مؤهلين قانونيا مما يجعل تقييمهم لمجريات المحاكمة أمرا مستحيلا. 

 

الأجواء المحيطة بالمحاكمة : مرت المحاكمة في ظروف عادية لا يعكر صفوها سوى بعض الاستفزازات التي تصدر في بعض الأحيان من قبل عائلات المتهمين و أصدقائهم و التي تم التعامل معها من قبل هيئة المحكمة بنوع من الاحترافية عندما تثار داخل المحكمة، أما خارجها فإن القانون يكفل حرية التعبير للجميع. بدورها عائلات الضحايا نظمت وقفات خارج المحكمة للتعبير عن آرائها ومطالبها بمحاكمة عادلة للمتهمين. 

 

وفي الختام فإن أهم خلاصة يمكن استنتاجها من مجريات هذه المحاكمة هو أن المغرب نجح وبشهادة الملاحظين الدوليين ومحامي الدفاع وأظهر للعالم أنه لا فرق بين المحاكمة التي تجري أمام القضاء المدني وتلك التي تجرى أمام القضاء العسكري فشروط المحاكمة العادلة متوفرة في كليهما. 

 

محمد الأمين 

أستاذ القانون بالكلية المتعددة الاختصاصات – تازة

 

18/02/2013