لا أرى أن يتغير في يوم من الأيام الأمر الواقع الذي فرضه التاريخ و الجغرافيا، فموقع المغرب الاستراتيجي الذي حباه الله به قد جلب عليه مجموعة من المتربصين و المقتنصين للجوائز و لن نكون متحيزين إذا قلنا الحاسدين. و الإهتمام بتفاصيل جغرافيتنا و تاريخنا يمثل مادة دسمة لمن تعوزه الجرأة في الإعتراف بالأفضال التي للمغرب و المغاربة على الجيران الأقربين و الأبعدين، و من ثم الحث على محاولة الفهم العميق للإرتباط الوثيق بين الفعل التاريخي و العامل الجغرافي. فالمغرب عرف وحدة المرجعية الروحية و السياسية في الآن ذاته و هو ما جعله لا يعرف أزمة المعتقد أو المذهب و هذا ما أهَّلَهُ للاحتفاظ بوحدته الجغرافية و استقلاله السياسي إلا من فترات ضعف في السلطة نتج عنه اضطراب استغلته القوى الاستعمارية الأوروبية في فرض سياستها و سطوتها لمدة من الزمن.

عرفت العلاقات بين منطقة السودان الغربي و دولة المغرب تطورا كبيرا وازدهارا على مر العصور وفي مختلف المجالات،تلك العلاقات لم تعترف بالحواجز الطبيعية فكان الاختلاط الفكري والسياسي والثقافي والديني و البشري بين شمال الصحراء و جنوبها. و اعتبرت التجارة كمحدد أساسي في هذه العلاقات بين المنطقتين عبر الصحراء و ذلك بصياغة ارتباطات وثيقة بين السلطة المركزية و الأقاليم المكونة لجسم المغرب و منها الصحراء. هذه التجارة التي كانت تعتمد على القوافل و طرق عابرة لمنطقة الصحراء كان لابد للسلطة المهيمنة حسب السلالة الحاكمة أن تؤَمِّنَ تلك الطرق أثناء عبور القوافل ذلك الطريق الطويل والشاق للصحراء ،التأمين كان يخص نقط التزود بالمياه فندرة المياه وبعد المسافات كان من أخطر المشاكل التي كانت تواجهها القوافل التجارية و هذه مسؤولية اضطلعت بها السلطة المركزية بتفويضها للممثل الرسمي حسب الصفة و المرتبة و القبيلة التي تمر بها تلك القوافل. هذه العلاقات التجارية بين المغرب و ما كان يسمى بلاد السودان الغربي عبر صحرائه،خلقت جوا من التفاعل الحضاري و الثقافي خدم الدولة المغربية و صهر أواصر و روابط قوية دينية و اجتماعية و سياسية و قانونية بين أطرافه الإستراتيجية. كان الإنتاج الحرفي المغربي يُصَدَّرُ إلى بلاد السودان الغربي التي اعتبرت سوقا تقليديا لتلك الصادرات ،و تعتبر الأقمشة في مقدمة هذه الصادرات، أما الخيول المغربية خلال القرنين 15م و16م، فقد كان لها طابعا خاصا بفضل الإقبال الكبير الذي لقيته من الملوك الأسكيين و البرنويين.زد على هذا أن صادرات المغرب نحو تلك البلاد شملت كذلك سلعا أخرى مستوردة لاسيما من أوربا فكان المغاربة يقومون بدور الوسيط التجاري بين أوربا و تلك البلدان.وبالرجوع إلى المراجع التاريخية نجد أن الجغرافي و المؤرخ أبو العباس اليعقوبي المتوفى حوالي 284هـ/897م يصف طريق القوافل من سجلماسة إلي السودان ويقدر المسافة بخمسين يوما،مما يجعلنا نؤكد أن طريق مواصلات التبادل التجاري بين المنطقتين تعود إلي أوائل القرن الثاني الهجري.بحيث عمل اليعقوبي في كتابه "كتاب التاريخ" أو " تاريخ اليعقوبي" على الوصف لطريق كان قبلا ، أي قبل أن يكتب كتابه في القرن الثالث الهجري،هذا الارتباط بين المنطقتين عبر تلك الطرق التجارية نتج عنه استقرار بعض المسلمين لمدة طويلة في بلاد السودان الغربي ومصاهرة أهلها،وبالتالي انتشار الإسلام السني بين السكان المحليين. من هنا نستنتج أن البناء الفكري والأخلاقي و الديني لمجتمع السودان الغربي هو انعكاس لطبيعة العلاقات الاقتصادية و التجارية التي ربطها المغاربة مع سكان تلك المناطق،و هذا أدْعَى إلى النظر في تاريخ ترسيخ و تمتين روابط لم تكن وليدة القرن العشرين كما يدعي خصوم المغرب و من يمشي في ركبهم.و تركيزنا هنا على التجارة عبر الصحراء له دوافعه الجيواستراتيجية التي بُنِيَتْ قديما،و نستقرء بها التاريخ في تفنيد الدعاوى المناهضة لحق سياسي و اقتصادي و تاريخي لم يغتصبه المغرب عبر مسار تاريخه الطويل، و ملاحظتنا في هذا السياق هي انه ليس ذنبنا نحن المغاربة عندما تهملون قراءة التاريخ أو تحاولنا نسفه .فإثر قيام دولة المرابطين التي نجحت في توحيد المغرب الأقصى ومد نفوذها إلي بلاد الأندلس ازداد ازدهار التجارة عبر الصحراء،هذه الدولة وفرت جميع الوسائل و الجهود والخدمات من أجل تجاوز الأخطار التي كانت تواجهها القوافل التجارية وتدليل الصعاب تسهيلا لعملية العبور وتشجيعا للنشاط التجاري، و لم يكن ليتم هذا الأمر لولا قيامهم بتوحيد قبائل الصحراء التي سكنت في المنطقة الممتدة بين جنوب بلاد المغرب وبلاد السودان الغربي.

زيادة في التأكيد عل الروابط العميقة بين شمال المغرب الأقصى و جنوبه وصولا إلى السودان الغربي وجب التركيز هنا على انتشار الإسلام في تلك البقاع بفضل الحلقة التجارية الرابطة و الجامعة بين المنطقتين إذ الإسلام هناك إسلام سُنِّي على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه المشهور بوسطيته واعتداله، وعلى العقيدة التوحيدية السَّلفية إلى عصر المرابطين و العقيدة الأشعرية ابتداء من عصر الموحِّدين إلى عهد الدولة العلوية الآن، و هذه الاستمرارية العقدية توازيها استمرارية سياسية و اقتصادية ووحدة قائمة على هذا المستوى تنفي الادعاءات القائلة بانفصال تام بين أوصال الدولة المغربية و مناطقها.عندما نتحدث عن الإسلام كعقيدة و تشريع لابد من الإشارة إلى رحلات العلماء والفقهاء و المتصوفة الكبارالذين كانت مهمتهم تعليمية و قضائية و إفتائية ،مهمات لها حضورها الخطير في تأسيس نظام سياسي و قانوني متناغم مع عاصمة دولة المركز. قد سجلت كتب تاريخية و فقهية نوازل وجب استحضارها تأكيدا على متانة الروابط بين المركز في مراكش أو فاس أو الرباط أو مكناس كعواصم تاريخية للدولة المغربية عبر تاريخها و بلاد السودان الغربي مرورا بالصحراء كجزء أصيل من المغرب، و نسوق كمثال نازلة وردت عند أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي أجاب عنها أبو الحسـن علي بن محمد بن خلف المَعَافِرِي القروي القابسي المالكي , صاحب "المُلَخَّص " المتوفي سنة 403هـ/1012م ،وجاء فيها "أن رجلا توفي في بلد السودان من غير وصية، فقام رجل فأخذ مفتاح مخزنه فتبين أنه غير مأمون، وفي البلد رجل مسلم ولاه ملك البلد النظر بين المسلمين، ورضي به المسلمون لأنفسهم، فرفع إليه الجماعة أمر هذا الميت، فأمر بأخذ المفتاح وعين رجلا من جماعته لبيع التركة فباع واجتهد وأتي بما صح له من الثمن إلي الناظر، فاعترض وارث الميت، ورفع هذا الأمر إلى القابسي ،فأكد أن الناظر كان يؤدي ما يجب عليه القيام به في حكم الشرع وأن تصرفه في هذه القضية كان مناسبا تماما وأن البائع الذي عينه الناظر قد أدي واجبه". إن هذه النازلة و غيرها كثير تسجل الحضور القوي للمسلمين المغاربة في السودان الغربي هذا الإمتداد الجغرافي و هذه المكانة تؤسس للفكرة الأساسية القائلة بأن وجود المغاربة لم يقتصر على الحيز الجغرافي الذي يحاول البعض حصره فيه،فالإرتباطات السياسية و العقدية و القانونية و التجارية بين المغرب و الصحراء تفوق كل مخططات التحجيم و تقطيع الأواصر.فالعمق الاستراتيجي للمغرب عبر صحرائه اتجاه منطقة السودان الغربي ضل يشكل للبعض ،جيرانا كانوا أو منافسين أو مستعمرين، خطرا عليهم على المدى البعيد و المتوسط.

لهذا لم يهدأ لهم بال في التضييق على المملكة المغربية و محاولة اقتطاع أجنحتها و محاصرتها من الشمال باحتلال مدينتي سبتة و مليلية و غربا من خلال الجزر الموجودة بالمحيط و جنوبا باختلاق كيان انفصالي و شرقا أيضا بمحاولات دائبة في الاستفزازات و المناورات المتنوعة. فالمواقف والتصورات التي يكونها البعض عن تاريخنا وواقعنا تغفل حقائق تاريخية و بشرية صبغت الصورة الجغرافية للمغرب بألوان زاهية يحاول البعض تلطيخها بألوان قاتمة لتمرير أجندات أو التنفيس عن أزماته عبر تصديرها ،و عندما يحاول المغرب قيادة و شعبا الحديث عن تاريخه و مسيراته التنموية و استكمال ما بدأه السلف في البحث عن الحرية و الإنعتاق من الجهل و التخلف و المرض و الفقر ،يحاول الخصوم تسفيه أحلامنا و ترويض بعض أبناء وطننا لإعاقة طريقنا.و عندما ترى كل هذا التطور الحضاري والعمراني الذي حققته الأقاليم الصحراوية تتساءل أليس هذه الأعمال من صنع المغاربة و بفضل سواعدهم و استكمالا طبيعيا لما بدأه الأولون ممن ناضل و كافح لأجل شرفه و عرضه و ترابه، و عندما تسأل أي مغربي يقول لك لن أنسى ذرة من تراب هذه الأرض أو حرفاً من حروفها و لن أنسى كل من سكب دمه من أجلها لأسباب وطنية وتاريخية وأيضا لأسباب لاتزال سراً من أسرار هذا الشعب و هذه البلاد منذ زمن بعيد جدا.

محمد بن امحمد العلوي

 

27/02/2013