إدريس لكريني- أستاذ الحياة السياسية؛ في كلية الحقوق بمراكش

يرتبط ظهور المجتمع المدني بتطور الفكر السياسي الغربي؛ وهو مجموعة من المؤسسات والفعاليات التي تتأسس بناء على رغبة طوعية ومشتركة؛ حيث ينضم إليها أفراد المجتمع بصفة اختيارية؛ إيمانا بمقدرتهم على حماية مصالحهم والتعبير عنها، وبدورها كوسيط بينهم من جهة؛ والدولة بمؤسساتها وأجهزتها الرسمية من جهة ثانية.

ومن مقومات هذه الفعاليات هناك: الطوعية في التأسيس؛ والتنظيم على مستوى التدبير؛ والاستقلال عن الدولة، واستهداف خدمة الصالح العام وعدم السعي للوصول إلى السلطة ثم تبني الأسلوب السلمي في وسائل عملها.

وقد أضحى المجتمع المدني في العقود الثلاث الأخيرة من ضمن المكونات الرئيسية لأي مجتمع ديمقراطي، حيث أصبح يستأثر بمهام وأدوار حيوية في علاقتها بتعبئة الإمكانيات والطاقات لخدمة المجتمع، والمساهمة الفعالة في تحقيق التنمية، بالإضافة إلى المساهمة  في التنشئة الاجتماعية وإرساء روح المواطنة والتطوع والتعايش داخل المجتمع وإتاحة الفرص أمام الأفراد لإبراز قدراتهم وإمكانياتهم في مختلف المجالات والميادين..

وبالعودة إلى المغرب؛ فقد سمحت التغيرات الدولية المرتبطة بترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بتطوير وانتشار هذه الفعاليات.. التي أظهرت من جانبها كفاءتها وجديتها في مقاربة مختلف المجالات والقضايا. 

 ووعيا بأهمية هذا المكون في تدبير الشؤون المحلية والوطنية باعتباره قوة اقتراحية؛ وبنجاعة انخراطه في تحقيق التنمية؛ شهد المغرب في سنوات التسعينيات تزايدا مطردا في عدد الجمعيات؛ حيث فاق عددها 30000 جمعية تعنى بمختلف المجالات والاهتمامات (ثقافية، رياضية، فنية، تنموية، تربوية، اجتماعية، حقوقية، مهنية..).

وقد كان لمنطقة الصحراء نصيبها من هذا التطور والتزايد في الأدوار الطلائعية للمجتمع المدني؛ حيث شهدت بروز مجموعة من الجمعيات المتباينة في اهتماماتها وأنشطتها.

وقد كانت الدولة فيما مضى تشجع الأعيان على حساب فعاليات المجتمع المدني؛ وتضع مختلف القيود على تأسيس الجمعيات، مما فوت على هذه الأخيرة فرصة المساهمة باقتراحاتها وتوصياتها في تدبير مختلف القضايا المحلية والوطنية التي من بينها قضية الصحراء. وضمن هذا السياق؛ طالبت جمعيات حقوقية وطنية السلطات المغربية في العديد من المناسبات؛ برفع القيود عن تأسيس وتحرك بعض هذه الهيئات بالمنطقة.

غير أن الأمر تغير بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة؛ بعدما تأكد الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه فعاليات المجتمع المدني كشريك مفترض في التنمية والتأطير داخليا؛ وداعما خلفيا للدبلوماسية المغربية في الخارج من خلال ما يمكن أن يضطلع به على مستوى نسج علاقات مع مثيلاتها هناك؛ أو عبر عقد لقاءات لتبادل الآراء بصدد القضية وتوضيح الطرح المغربي والدفاع عنه.

وهو ما تأكد خلال التطورات الأخيرة على مستوى تدبير الملف؛ ففي الوقت الذي نجح الخصوم في استثمار الإمكانيات التي تتمتع بها فعاليات المجتمع المدني في الترويج لطروحاتهم وتعزيز مواقفهم؛ تبين وجود قصور على مستوى الانفتاح على هذه فعاليات بصورة فعالة تدعم صانع القرار الخارجي المغربي ضمن دبلوماسية موازية فاعلة.

ورغم ضيق الهامش المتاح لمختلف فعاليات المجتمع المدني ضمن سياق تدبير هذا الملف الحيوي؛ فقد أثبت جدارته وأهميته في دعم القضية في كثير من المناسبات؛ ففي إطار مد جسور التواصل والتعاون وتعزيز الصلات بين مختلف أرجاء المغرب ومكوناته الاجتماعية، ومن أجل فتح حوار بناء لشرح مواقف المغرب، في أفق إقناع الخصوم؛ أعلنت فعاليات حزبية وجمعوية عن تنظيم قافلة "صلة الرحم" وذلك تحت شعار: "شعب واحد ومصير مشترك"؛ انطلقت من مدينة وجدة يوم 21 أكتوبر 2005 مرورا بأكبر المدن المغربية كمكناس ومراكش..؛ قبل أن تصل إلى مدينة الداخلة يوم 29 أكتوبر 2005؛ حيث تميزت هذه الرحلة بتنظيم عدد من المهرجانات والندوات واللقاءات التواصلية حول الوحدة الترابية للمغرب.

وضمن بعض المبادرات الوازنة أيضا؛ برزت كثير من المواقع والمدونات والمنتديات الإلكترونية التي تفضح الممارسات اللاإنسانية التي يتعرض لها المحتجزون في مخيمات تندوف وغيرها، كما بادرت بعض الجمعيات إلى تنظيم مجموعة من الندوات في المغرب والخارج تصب في هذا الصدد.

ومنذ أن طرحت القضية؛ وعلى امتداد سنوات تطور الملف؛ كان حضور الباحثين الأكاديميين والمثقفين المغاربة مهما؛ من خلال اجتهاداتهم وتحليلاتهم التي قدموها في هذا الشأن(مقالات، دراسات، كتب، أبحاث ميدانية، إحصاءات، أطاريح ورسائل جامعية، ندوات مواكبة لتطورات القضية..)، والتي تتضمن اقتراحات وتوصيات وحلول يمكن أن تفيد صناع القرار وتعزز مواقفهم إذا ما تم استثمارها بشكل جيد في هذا الصدد..

وإضافة إلى ذلك؛ تساهم العديد من الجمعيات الحقوقية الوطنية من خلال فروعها في الأقاليم الجنوبية؛ في الوقوف على مختلف المشاكل والحاجات الاجتماعية للساكنة؛ قبل إصدار توصيات وتقارير بشأنها، بالشكل الذي ينعكس إيجابا باتجاه بلورة سياسة استراتيجية للدولة تمكنها من الاستفادة من بعض الهفوات والأخطاء؛ ناهيك عن إسهامها في تعزيز المواقف الدبلوماسية للمغرب من خلال الوقوف على التضييقات والخروقات التي تطال الصحراويين في مخيمات تندوف وفضحها محليا ودوليا.

ويساهم الإعلام العمومي والحزبي والمستقل بشكل ملحوظ في مواكبة ملف الصحراء من خلال التغطية المستمرة لتطوراته ومستجداته وتقديمها للرأي العام الوطني، والمساهمة في شرح مواقف المغرب ودحض طروحات الخصوم.

وبعض طرح المغرب لمبادرته الخاصة بالحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية والذي تشير الفقرة السادسة والعشرون منه على أنه: "تتوفر جهة الحكم الذاتي للصحراء على مجلس اقتصادي واجتماعي يتشكل من ممثلي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية والجمعوية ومن شخصيات ذات كفاءة عالية"، تبين أن المراهنة على المجتمع المدني في إغناء النقاش حولها والترويج لها في أفق تطبيقها بشكل فاعل؛ تظل رابحة.

فالمجلس الاستشاري الملكي لشؤون الصحراء الذي يضم في تشكيلته مختلف التنظيمات والأطياف القبلية والسياسية.. الصحراوية من مقاومين وأعضاء جيش التحرير وأعضاء منظمات وأحزاب محلية تاريخية وممثلي هيئات المجتمع المدني وأعضاء سابقين في قيادة البوليساريو وشيوخ القبائل ومنتخبين في البرلمان والمجالس المحلية والإقليمية لعب دورا هاما في الترويج لهذا المشروع على نطاق واسع.

أما الأحزاب السياسية التي دأبت التأكيد على الوحدة الترابية، فقد أشادت بأهمية هذه المبادرة؛ وقامت العديد منها بفتح نقاشات مكثفة عبر صحفها وبرامجها أو من خلال تنظيم لقاءات فكرية وجماهيرية في هذا الشأن، وهو ما أسهم في إغناء وإثراء هذه المبادرة قبيل طرحها أمام الأمم المتحدة.

فيما انخرطت مجموعة من الفعاليات الجمعوية المحلية والوطنية بقوة في الترويج للمقترح المغربي والدفاع عن مصداقيته؛ سواء في الداخل أو الخارج؛ وشهدت مختلف الجامعات المغربية تنظيم ندوات ولقاءات لمقاربة ومناقشة هذا المقترح من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدستورية وما يحيط بها من إشكالات..

كما استثمرت بعض الفعاليات المدنية علاقاتها مع مثيلاتها بالخارج؛ مما سمح بحصد مواقف التأييد الدولي للمقترح المغربي سواء على الصعيد الحكومي أو على المستوى غير الحكومي؛ وفي هذا الإطار؛ عبرت مجموعة من فعاليات المجتمع المدني بجزيرة صقلية في جنوب إيطاليا بتاريخ 09- 05- 2007 عن اقتناعها الأكيد بأن المقترح المغربي الخاص بمنح سكان الصحراء حكما ذاتيا؛ تشكل "فرصة ديمقراطية لإيجاد حل سلمي للنزاع؛ بالنظر إلى كونها تعتبر أساسا على درب تحقيق الأمن والاستقرار بمجموع المنطقة"؛ كما ناشدت الأرضية "هيئات ومكونات المجتمع المدني بجزيرة صقلية لمواصلة دعمها للحوار والتفاوض التي أطلقتها المبادرة المغربية".

وخلال ندوة في موضوع: "مبادرة الحكم الذاتي وآفاق الحل في الصحراء" التي أشرفت على تنظيمها بنواكشوط جمعية الصداقة الموريتانية – المغربية في بداية شهر غشت 2007؛ وذلك بتعاون مع أكثر من 60 فعالية من جمعيات المجتمع المدني الموريتاني؛ دعت أيضا مجموعة من المنظمات والفعاليات الموريتانية من مفكرين ومثقفين وباحثين ونقابيين وقادة أحزاب سياسية..؛ إلى تبني هذه المبادرة كأرضية أساسية ووحيدة لمفاوضات الحل النهائي لمشكلة الصحراء؛ وطالبت المجتمع الدولي بالأخذ بعين الاعتبار مواقف كل الجهات الداعمة للمقترح المغربي الهادف إلى منح الحكم الذاتي الموسع في الصحراء.

وقد سار على درب هذا الدعم عدد من الفعاليات المحلية كجمعية فك الحصار عن المحتجزين بمخيمات تندوف..، وفي الخارج أيضا مثل الشبكة الليبرالية الإفريقية التي عبرت عن دعمها للمبادرة المغربية خلال اجتماعها في جوهانسبورغ ما بين 2 و6 مايو 2007، وحركة الإصلاح الدولية خلال لقاء نظمته في بروكسيل ببلجيكا بتاريخ 05-05-2007؛ وتجمع "السلام من أجل الصحراء"، الذي أحدث في إسبانيا؛ والفيدرالية الدولية من أجل الحكم الذاتي للصحراء والمنتدى الكناري الصحراوي" (فوكازا) في لاس بالماس.. هذا بالإضافة إلى عدد من المنابر الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة والكتاب والباحثين في مختلف أرجاء العالم؛ الذين ثمنوا هذه الخطوة باعتبارها تشكل مدخلا حقيقيا لتسوية هذا النزاع الذي عمر طويلا.

 وعلى العموم؛ تظل فعالية المجتمع المدني المحلي في تعزيز الموقف المغربي إزاء قضية الصحراء مشروطة بتوافر مجموعة من العناصر، تبدأ بفتح مجال أوسع أمام هذه الهيئات للمشاركة في تدبير الملف والاستفادة من خبراتها وآرائها في هذا الشأن؛ وانخراط الإعلام بكل أشكاله في الترويج لأفكارها وأنشطتها؛ ثم احترام مقترحاتها وتوفير الإمكانيات المادية والتقنية اللازمة التطوير أدائها والكفيلة بإكسابها مزيدا من التجارب والخبرات الاحترافية.

إدريس لكريني- أستاذ الحياة السياسية؛ في كلية الحقوق بمراكش

 

09/01/2013