يبدو أن إسبانيا أدركت أن ضمان أمنها وأمن مواطنيها وقاطنيها لم يعد مسؤولية الحكومات والإدارات العمومية لوحدها بل إن المسؤولية باتت تطال الجميع، ويبدو أن هذا التحول في ماهية حول من يُناطُ به واجب الالتزام بالحفاظ على أمن المواطنين من كيان الدولة عبر مرفقها التقليدي المكلف بذلك إلى إشراك المواطنين، أملته مجموعة من المتغيرات الدولية المتسارعة والأزمة الاقتصادية وتحول موازين وسلطة الاقتصاد من الغرب إلى آسيا.

 

وهكذا فالتهديدات والمخاطر الأفقية وعبر الوطنية تستلزم لضمان وحماية الأمن مضاعفة وتوسيع التنسيق الدولي والداخلي ومساهمة الجميع إلى جانب الأجهزة الأمنية التقليدية المكلفة بالأمن، في وقت أصبح فية الفرق بين الأمن الداخلي والخارجي متماهيا، وأتبث التحدي والتهديد أن السياسات الوطنية في مجال الأمن غير كافية، ومن الضروري اعتماد مقاربة تشمل كافة الأبعاد الوطنية والدولية للاستجابة لأي خطر داهم ومهدد.

 

وعلى هذا الأساس فإن الحكومة الإسبانية السابقة بقيادة خوسي لويس ساباتيرو صادقت سنة 2011 على النسخة الأولى من الاستراتيجية الأمنية الاسبانية، حيث عمدت إلى حصر وتخيل كافة المظاهر والصيغ المختلفة للتهديد والخطر المحدق بإسبانيا وتعريفها بأدوات وخيوط الاستجابة وتحديد آليات التنسيق والتعاون بين مختلف الادارات ومرافق الدولة، والكل يشمل بتعبير الاستراتيجية المواطنين والشركاء والحلفاء.

 

ويستفاد من الاستراتيجيتين أن إسبانيا تربط أمنها وأمن أوروبا كاملة بأمن الضفة الجنوبية للمتوسط، فبوأت المنطقة المغاربية ذات أولوية خاصة اعتبارا للقرب الجغرافي ولأسباب تاريخية وإنسانية، وهي الأسباب التي انطلقت منها الخطة الاستراتيجية الأمنية لتقديم توصيات بدعم الديمقراطية ودولة الحق والقانون في المنطقة المغاربية وتقوية نموذج اقتصادي واجتماعي ديناميكي، ومراقبة الهجرة ومحاربة الإرهاب والمخذرات وضمان مصادر الطاقة وتدعيم حل تفاوضي عادل ونهائي لقضية الصحراء طبقا لمجلس الأمن من أجل خلق فضاء إقليمي من شأنه أن يشكل قاعدة خلفية لأمن إسبانيا وأوروبا كاملة.

 

وإذا كانت الاستراتيجية الأولى والثانية لم تتحدث بشكل صريح عن المغرب خلافا لما ذهب إليه السيد إدريس جعبوك صاحب مقال بالفرنسية على صفحة الجريدة الالكترونية" يا بلادي" تحت عنوان "المغرب تهديد حقيقي وفقا للمجلس الوطني للأمن" ونتساءل عن مصدر معلوماته؟ والذي لا يعدو أن يكون حتما نقلا لربما دون قصد التحريف عن مصادر عدائية للمغرب، فإنه بالمقابل أشارت إلى المنطقة المغاربية وأنذرت من تداعيات الربيع العربي على المنطقة في ما أسفر عنه من عدم الاستقرار الاقليمي، وجددت وأعادت التذكير بموقف إسبانيا من نزاع الصحراء في أنها تدعم البحث عن" حل سياسي عادل ودائم ومقبول من لدن الطرفين" بينما الخطة الاستراتيجية الأولى تحدثت عن "حل تفاوضي عادل ونهائي لقضية الصحراء طبقا لمنظمة الأمم المتحدة" وهي الكلمات الواردة حصرا في الخطتين ترجمناها ونقلناها بأمانة و دون تصرف، ليبقى الجديد الذي أتت به الاستراتيجية الجديدة هي التأكيد على دعم إسبانيا للحل السياسي في نزاع الصحراء والذي يتماهى كثيرا مع دعوات الانفصال الكاتالونية باعتبار أنها لا تشكل بدورها خطرا على الأمن الوطني الإسباني.

 

فمن يغوص ويتعمق في كنه السياسة الإسبانية ويلم ويمتلك أدوات البحث والتنقيب ليطلع على جوهر أسرار إداراتها وساساتها ويرصد اتجاهاتها، فإنه لن يتيه في كشف الظواهر والبؤر والمناطق والصراعات والنزاعات والمشاكل التي تخلق الهوس والريبة والقلق لإسبانيا، وبسرعة سيطلع أن موقف- إسبانيا بصفتها عضو ضمن مجموعة الدول الأصدقاء العشر - الأخير والصريح برفض التوصية الأمريكية بتوسيع مهمة المينورسو في الصحراء لتشمل مراقبة حقوق الانسان، هو موقف يعكس تطابق واتحاد رؤى ووجهات نظر الأحزاب الاسبانية حول نزاع الصحراء، على الأقل الأحزاب الكبرى، الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، التي تتداول فيما بينها مقاليد الحكومة ورئاستها و تتولى تناوبا تدبير الشأن العام الاسباني وإدارة سياستها الخارجية.

 

فذلك الموقف المعبر عنه جهارا ولأول مرة دون حرج ولا إبهام ولا غموض، وبغض النظر عن انسجامه وتطابقه التام مع كون موقف إسبانيا ليس بغريب، لأن اسبانيا نفسها هي الدولة المستعمرة للاقليم وأنهت احتلالها له بإرجاعه للمغرب المسلوب منه وفقا لميثاق الأمم المتحدة، وهو من الأسانيد الواردة في ديباجة وثيقة اتفاق مدريد. فإنه من جهة أخرى نتاج وتتويج للتفكير والفكرة التي كونها وانتهى وخلص إليها الأسبان مفادها أن نزاع الصحراء لا يشكل أي تهديد أو خطر على أمنها ولا على أمن أوروبا. وهذا الاستنتاج، في الحقيقة ولئن بدا متناقضا مع التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة حول الحالة في الصحراء في ما ذهبت إليه الفقرة 64 عند الحديث عن التحديات الأمنية في المنطقة ووصفها بغير القابلة للتنبؤ بحكم طبيعتها، وأوصى باليقظة وأصبغها بذات أهمية حاسمة، فإن الموقف الإسباني ليس نابعا من فراغ، وانما خلاصة نالت إجماع تحاليل الخبراء وساسة واستراتيجيي إسبانيا وثقتهم، تبعا لما سطره المجلس الاسباني للأمن في الخطة الاستراتيجية الأمنية الاسبانية السابقة بتاريخ 2011، والأولى من نوعها في تاريخ اسبانيا، وهو السبق الذي دشنته الحكومة الاشتراكية في عهد ساباتيرو، لتليها الخطة الأمنية الثانية والحالية، التي صادق عليها الحزب الشعبي بتاريخ 30ماي 2013 سنتين فقط بعد الأولى -بالرغم من الاشارة إلى مدة الأولى في خمس سنوات- وبتوافق مع الحزب الاشتراكي. إذ أن الخطتين وفي إطار حصرهما للأسباب المحلية أو الاقليمية والدولية التي صنفتاها ضمن قائمة الوساوس والقلاقل أو الظواهر والأخطار المهددة لأمن إسبانيا لا يظهر منها نزاع الصحراء.

صبري الحو*

*محام بمكناس وخبير في القانون الدولي

04/06/2013