المسار الصعب لاتفاقيات الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوربي

أسهمت ظروف جغرافية وأخرى تاريخية في دعم العلاقات المغربية – الأوربية؛ التي بدأت معالمها تبرز منذ بداية الستينيات من القرن المنصرم مع توقيع مجموعة من الاتفاقيات التجارية بين الجانبين وحصول المغرب على مجموعة من المساعدات الأوربية فيما بعد.

 

ومع تطور هذه العلاقات طلب الملك الراحل الحسن الثاني من المجموعة الأوربية في سنة 1987 قبول المغرب ضمن عضويتها؛ ورغم الرفض الأوربي الذي قوبل به هذا الطلب لاعتبارات جغرافية بالأساس؛ فإن ذلك لم يمنع من تطور هذه العلاقات وتعميقها؛ في أعقاب توقيع اتفاقية الشراكة بين الطرفين سنة 1996.

 

في شهر أكتوبر من سنة 2008 حصل المغرب على صفة "الوضع المتميز" في علاقته بالاتحاد وهي وضعية تقلّ من حيث أهميتها عن العضوية وتتجاوز صفة الشريك العادي؛ بصورة أضحى معها الاتحاد الأوربي بمثابة الشريك الاقتصادي الرئيسي للمغرب؛ وذلك بنسبة تجاوزت الثلثين من المعاملات التجارية الخارجية والتي تجاوزت 26 مليار أورو سنة 2008؛ وبخاصة وأن التعاون بين الطرفين همّ الكثير من القطاعات والمجالات الحيوية(سياسية؛ واقتصادية؛ واجتماعية؛ وعلمية؛ وثقافية؛ وبيئية..). . فيما ظلت هناك تحديات أخرى تواجه هذا التعاون؛ سواء تعلق الأمر بقضايا الهجرة السّرية؛ وتهريب المخدرات؛ وقضايا الإرهاب؛ بالإضافة إلى وضعية المهاجرين المغاربة المقيمين بدول الاتحاد..

 

حظي قطاع الصيد البحري باهتمام كبير ضمن التعاون بين الجانين؛ فخلال سنة 1988 وفي أعقاب انضمام إسبانيا والبرتغال إلى الاتحاد الأوربي؛ تمّ إبرام أول اتفاقية للصيد البحري بين الطرفين؛ تقضي بقيام سفن أوربية بالصيد في المياه الإقليمية المغربية؛ وعلى الرغم من حيوية وأهمية هذه الاتفاقية بالنسبة للجانبين معا؛ إلا أن مسار تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع سيشهد مدا وجزرا لارتباطها بعوامل اقتصادية وسياسية وبيئية..

 

بدأت ملامح التوتر في هذا الصدد بين الطرفين المغربي والأوربي؛ في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم؛ عندما تحفّظ المغرب على تجديد هذه الاتفاقية تحت دواعي اقتصادية وبيئية مختلفة مرتبطة بالتخوف من استنزاف مخزونه السمكي؛ مما جعل المفاوضات تنطوي على قدر كبير من الصعوبة؛ قبل تجاوز المشكل سنة 2005 بإبرام اتفاق جديد؛ غير أن هذا الأخير لم يكتب له التنفيذ مرة أخرى بفعل الرفض الذي أبداه البرلمان الأوربي حول الموضوع.. ونتيجة لذلك؛ تأخر إعمال الاتفاقية زهاء سنتين بعد تجاوز الإشكالات المطروحة.

 

وقد جاء هذا الرفض لأسباب عدّة؛ تنوعت بين التحفظ من سريان الاتفاقية على منطقة الصحراء التي اعتبرها بعض أعضاء البرلمان الأوربي منطقة متنازعا عليها؛ وبين التذرع بالتكلفة المالية الكبيرة للاتفاقية؛ وبين من اعتبر أنها ستسهم في استنزاف الثروة السمكية للمغرب.

 

لم تتوقف الانعكاسات السلبية لهذا الرفض على الاقتصادي المغربي فقط؛ بقدر ما تسبّبت للاتحاد الأوربي نفسه في بعض المشاكل المالية؛ ذلك أنه قدمّ مجموعة من التعويضات للصيادين الأسبان ولعدد من الشركات الصناعية المعنية بهذه الاتفاقية لتجاوز الأضرار الكبيرة التي تمخضت عن هذا القرار في ظل الأزمة المالية التي أرخت بظلالها القاتمة على عدد من دول الاتحاد في هذه المرحلة. وبخاصة إسبانيا التي تضررت بشكل كبير من هذا القرار بل كانت من أكبر ضحاياه؛ حيث تصاعدت فيها حدة احتجاجات الصيادين بسبب توقفهم عن الصيد في المياه المغربية..

 

وفي شهر دجنبر من سنة 2011 قام البرلمان الأوربي مرة أخرى بالتصويت ضد هذه الاتفاقية مجددا؛ بفعل التحركات التي قادتها الجزائر وجبهة البوليساريو بعدم إدراج مياه الأقاليم الصحراوية واستثنائها من الاتفاقية؛ وهو ما دفع المغرب إلى رفع سقف شروطه لتجديد الاتفاقية.

 

وخلال المفاوضات التي انطلقت منذ الثامن من شهر نونبر لسنة 2012؛ تم استحضار معطيات علمية بشأن حصيلة عمليات الصيد السابقة في إطار الاتفاقيات المبرمة ووضعية المخزون السمكي الحالي والتطورات القائمة بشأنه..

 

وقد سعى الطرف المغربي إلى بلورة اتفاق يوازن من خلاله بين منح الاستغلال والمحافظة على علاقته المتميزة مع الشريك الأوربي من جهة؛ وعدم استنزاف الثروة السمكية وتحصيل تعويضات عادلة من جهة ثانية.

 

وفي مقابل ذلك؛ ظلّ الطرف الأوربي مصرّا على إدراج بعض الشروط المجحفة والماسّة بسيادة المغرب على الاتفاق؛ وهو ما قابله هذا الأخير بالدعوة إلى رفع التعويض المالي المرتبط بهذا الخصوص بنسبة 70 بالمائة؛ وإلزام أرباب سفن الصيد بتشغيل نسبة من اليد العاملة المغربية في نشاطاتها مع إخضاعها لمراقبة الوزارة المغربية الوصية..

 

وبعد لقاءات مضنية لم تخل في غالبيتها من صعوبات وتحديات؛ وفي ختام الجولة السادسة من هذه المفاوضات المنعقدة يومي 18 و19 يوليو 2013؛ وتزامنا مع زيارة العاهل الإسباني "خوان كارلوس" إلى المغرب ضمن وفد وزاري هام؛ قام الطرفان يوم 24 من نفس الشهر والسنة؛ بالتوقيع على بروتوكول إضافي في هذا الصدد يمتد لأربعة سنوات قادمة؛ الأمر الذي تلقّاه الإسبان بارتياح كبير، ويظلّ إعمال هذا البروتوكول متوقّفا من حيث نفاذه على مصادقة البرلمانين المغربي والأوربي.

 

لقد حرص المغرب على تضمين هذا البروتوكول مجموعة من الشروط التي تسمح بحماية ثرواته السمكية وعدم استنزافها؛ من حيث إلزام الطرف الأوربي بإعمال استشارات علمية تسمح برصد مقدار الثروة السمكية المتوفرة؛ وتحديد الجزء المتاح منها للاستغلال بصورة مستدامة.. حيث تمّ تقليص عدد البواخر المسموح لها بالصيد من 137 في السابق إلى 126 باخرة أغلبها إسبانية.

 

كما نص البروتوكول الذي ينصب على الشواطئ المغربية من مدينة طنجة إلى لكويرة على الحدود الموريتانية؛ على ضرورة استحضار مصالح قطاع الصيد البحري بالمغرب ومصالح المهنيين؛ والمساهمة في تحديث وتطوير هذا القطاع الحيوي، والتأكيد على احترام مقتضيات القانون الدولي في هذا الصدد؛ واستحضار الحكامة الجيدة في تنفيذ بنوده(البروتوكول)؛ فيما تمّ تحديد الدول المعنية بممارسة نشاط الصيد في المياه المغربية بموجب هذا البروتوكول .

 

وألزم هذا الأخير الطرف الأوربي بتقديم 40 مليون أورو للمغرب كل سنة؛ ثلاثة أرباع منها تقدمها اللجنة الأوربية والباقي يتكفل به ملاك بواخر الصيد المعنية؛ فيما ألزم البرتوكول المغرب باستثمار جزء من المداخيل في تنمية الأقاليم الجنوبية؛ وبتخصيص جزء هام من هذه المداخيل أيضا (ما يناهز حوالي 14 مليون أورو) لتطوير وتحديث قطاع الصيد في إطار استراتيجية "أليوتيس" الرامية لإنعاش الاستثمار وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للعاملين في هذا القطاع وتطوير الاستهلاك الوطني للمنتجات البحرية ..

 

على الرغم من وجود بعض الأصوات الأوربية التي ظلّت ترفض تجديد الاتفاق بذرائع مختلفة، فإن استحضار مصالح الطرفين؛ والتعامل بواقعية مع التحولات التي شهدها ملف الصحراء في العقود الأخيرة مع طرح المغرب لمشروع الحكم الذاتي؛ علاوة على الظروف الاقتصادية الصعبة لإسبانيا ولعدد من الدول الأوربية الأخرى بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية؛ علاوة على رغبة المغرب في تطوير مداخيله في ظرفية حبلى بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية؛ كلها عوامل أسهمت بصورة كبيرة في خلق أجواء بنّاءة من التواصل والتفاهم سمحت بتجاوز الكثير من نقط الخلاف؛ والتوصل إلى توقيع البروتوكول.

 

وهو الخيار الذي سيدعمه حتما البرلمان الأوربي؛ بالنظر إلى التطور الكبير الذي شهدته علاقات المغرب مع دول الاتحاد؛ رغم توجه المغرب في السنوات الأخيرة إلى تنويع شركائه.

إدريس لكريني

*مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الازمات

23/08/2013