كشفت مسودة مشروع القرار الأمريكي، الموزعة على أعضاء مجلس الأمن الدائمين وأصدقاء الصحراء ،بتوسيع مهمة البعثة الأممية المكلفة بمراقبة الإستفتاء المينورسو لتشمل مراقبة حقوق النسان نية أمريكا في تغيير موقفها إزاء القضية أو محاولة منها لفرض رأي أو تحقيق مكاسب أو مجرد عقاب .فكان لزاما قبل مناولة أسبابه النظر في تأصيل وتكييف مسودة المشروع من وجهة القانون الدولي ومن بعده الانتقال إلى البحث في الآثار التي قد تنجم عن الاستمرار في طرح وإقرار المشروع والخيارات التي يملكها المغرب لتجاوز التحدي الجديد الذي يمس بإحدى ثوابته الدستورية.

مشروع القرار من وجهة القانون الدولي:

أظهر المحللون والصحفيون والسياسيون والجمعيات الحقوقية المغربية منذ اللحظة الأولى لوصول علمهم بمسودة المشروع التي طرحتها سفيرة ومندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن سوزان رايس حماسا قل نظيره في تناول ودراسة وتحليل الحدث من جوانبه وزواياه المختلفة، كما أبانوا عن جرأة وشجاعة كبيرين في التعبير عن الرفض الشعبي والسياسي والمدني له.

إلا أن التعبيير الصريح بالرفض ولئن جسد حصانة الجبهة الداخلية لحصول شبه إجماع وطني شعبي وسياسي ومدني حول القضية، باستثناء موقفي رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الانسان و موقف حزب النهج الديمقراطي المغربي. فإن علاقة مشروع القرار الأمريكي بحقوق الانسان، جعلت من مسوغاة المناهضة والرفض المغربي تلقى صعوبات كبيرة لنيل ثقة وقناعة المجتمع والجمهور الدولي، بالرغم افتقار مسودة مشروع القرار الأمريكي إلى إطار وقاعدة في القانون الدولي تسمح به وتبيحه. وهو التأصيل الذي آليت على نفسي القيام به والخوض فيه، لأهميته من جهة ولكون استنادنا عليه في مناهضتنا للمبادرة يمنح لنا أريحية وامتيازا وتقدما في الدفاع والرفض أكثر من ما يحرجنا مناهضة محاولة لاقرار آلية دولية لمراقبة حقوق الانسان بادعاءات مجردة.

وهكذا، ورغم التطور والتحول الجوهري في مفهوم سيادة الدول كسلطة الذي دشنه تقرير" عالم أكثر أمنا " الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة التاسعة والخمسين، دجنبر 2004 وإقراره في القمة العالمية لسنة 2005 لصالح مفهوم جديد السيادة كمسؤولية عن طريق توسيع مفهوم التدخل المرادف لقيام مسؤولية دولية جماعية لحماية المدنيين من الانتهاكات. والذي يجعل من التزام الدولة الوطنية مزدوجة، من جهة التزامها بحماية رفاهية مواطنيها في نفس الوقت الذي يجعل مسؤولية والتزام الدولة وممثليها المجتمع الدولي من خلال مجلس الأمن.

فإن تأكيد احترام حقوق الإنسان كمبدأ أساسي في العلاقات الدولية، وإعلان مسوؤلية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في حماية مواطنيها من : الإبادة، وجرائم الحرب، والتظهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية وقيام مسؤولية المجتمع الدولي في التدخل الانساني و الحماية من خلال مجلس الأمن، رهين بطبيعة الانتهاكات وارتباطها حصرا بالجرائم الأربعة وبعد التتبث من عدم قدرة الدولة الوطنية على توفير تلك الحماية أو على الأقل لا ترغب في تفعيلها وأدائها لتلك المسؤولية، وهي كلها أسباب وحجج غير قائمة في الحالة المغربية.

فمن جهة، فالإدعاءات بخرق حقوق الإنسان المثارة تكذبها اعترافات واقرارات جهات مختلفة من العالم من رِؤساء دول ومنظمات وجمعيات وغيرها، التي شهدت بتحسن ظروف حقوق الانسان في المغرب واستمرار العمل والالتزام بتطورها والنهوض بها، وهنا تجدر الاشارة إلى آخر تقرير سنوي الذي تصدره الخارجية الأمريكية، المعنون تقرير البلدان للخارجية الأمريكية اعن سنتي 2009 و2011 حول ممارسات حقوق الانسان الخاص بالمغرب وبالضبط بالصحراء، حيث تضمن إعتراف أمريكي بمحاولات من داخل الحكومة للتقليل من حالات الافلات من العقاب.

وبلإضافة إلى إقرار المجتمع الدولي و تضمنته تقارير الخارجية الأمريكية بما فيه الاصدار الأخير بوثيرة تطور حقوق الانسان في المغرب. فإن تلك الشهادة تضمنها كذلك تقرير منظمة روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الانسان عن سنة 2011 بعد زيارتها للصحراء فبقدر ما تضمن توصية " بمراقبة دولية محايدة ومستمرة مع آلية تضمن مساءلة أجهزة الدولة" فإنه أشار بالمقابل إلى تحسين ظروف حقوق الانسان في المغرب و بمجهودات المغرب في ميدان النهوض بها، وهو تأكيد وإقرار يؤكد من جهة حصول رغبة وإرادة حقيقية بإتيان المغرب لالتزامه الداخلي بحماية أمن ورفاهية مواطنيه وتعزيز حقوقهم وحرياتهم وتولي فعلي لآليات الحماية الوطنية لذلك الواجب وتلك المهمة. كلها أسباب تجعل المسودة الأمريكية ذات طبيعة تدخلية في سيادة المغرب و دون قيام لمبررات مسؤولية الحماية والتدخل المقننة في القانون الدولي وبالضبط في القمة العالمية لسنة 2005.

ومن جهة أخرى وعلى فرض قيام وحدوث خروقات أو انتهاكات لحقوق الانسان داخل اقليم الصحراء جدلا، مع إقرارنا المسبق على الفرق بين الجدل والحقيقة، والتسليم بما تضمنته التقارير الأكثر قتامة، فهي مخالفات من درجة لا تختلف عن تلك التي تقع في كافة بلدان العالم بما فيه الدول الغربية. بل إن الانتهاكات اللصيقة بأمريكا في كوانتانامو وسجن أبوغريب والعراق وأفغانستان وقوانين الأدلة السريةو..و..و...أكثر فظاعة وبطشا بحقوق الانسان، من مجرد اتهام المغرب باستعمال القوة ضد محتجين على إثر قتل لأفراد القوة العمومية واستفزازها، واقدام المغرب على محاكمة الفاعلين في محاكمة توفرت فيها بشهادة مراقبين دوليين ضمانات المحاكمة العادلة، ولا يؤثر في تلك الملاحظة والنتيجة إجراء المحاكمة في محكمة عسكرية، فالأخيرة ليست ابتكار و انفراد ولا استثناء مغربي. بالرغم من ما نعيبه شخصيا عليها في ما يرتبط باصدار الأحكام فيها الذييعتمد في تقدير قناعة هيئة الحكم بنظام وقاعدة نعم لا بدلا من التعليل والحيثيات.

وهي وفي جميع الأحوال وفي طبيعتها ودرجتها غير ذات صلة ولا ارتباط بالجرائم الأربع المذكورة حصرا في تقرير نتائج مؤتمر القمة العالمية لسنة 2005. والتي من شأن قيامها وحدوثها السماح باستعمال مجلس الأمن لصلاحيته في مسؤولية التدخل للحماية.

يبقى أن اشير وأنا بصدد بسط شروط قيام مبدأ المسؤولية في الحماية المنوطة بمجلس الأمن وفي حالات محددة وعلى إثر ارتكاب ممنهج لجرائم حصرية وحصول غياب مقصود ينم عن عدم رغبة السلطات الوطنية لدولة ما في إعمال الحماية وتفعيل مبدأ عدم الافلات من العقاب، أن أولى التطبيقات العملية لمبدأ المسؤولية تعود لسنة 2006 بصدور القرار عدد 1675، حول حماية المدنيين في الصراعات المسلحة بإيعاز من أنجلتر، ثم القرار عدد 1706 حول الوضع في دارفور كما اتخذه مجلس الأمن في ما بعد وبالضبط سنة 2011 مبررا لحماية المدنيين في ليبيا بصدور القرارين 1970و1973. دون أن تحضى وتستفيد الحالة السورية منه لارتباط التماس وطلب تفعيل المبدأ أو الاعتراض عليه بمصالح الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن والمالكة لحق النقض والفيتو. وهي المصالح ذاتها التي تفسر بواعث مسودة المشروع الأمريكي ليبقى استجلاؤها والكشف عنها ضالة المحللين.

أسباب مسودة المشروع الأمريكي:

ولئن كان منتظرا أن تظهر الخارجية الأمريكية الجديدة بعضا من التغيير يمس بالمتحول في علاقاتها وأوجه تدخلها الخارجي من شأنه أن ينذر او يبشر المجتمع الدولي بطبيعة ودرجة وحزم الإدارة الجديدة. فإن مشروع التوصية المقدمة لتوسيع أهلية المينورسو لتطال مراقبة حقوق الانسان في الصحراء، جعل الجميع في المغرب ينظر بنظرة المستغرب المريب إلى ما جنحت إليه الإدارة الأمريكية من سماح لنفسها وبإرادة منفردة وفي غياب توافق ولا استشارة الحلول والتدخل على الأقل في شؤونه الداخلية والمس بسيادته و الذي يعد في نفس الوقت محاولة لتحقير مؤسساته وآلياته الوطنية المهتمة بتعزير وضمان حقوق الانسان والنهوض بها.

ولا شك أن ما أقدمت إلية الإدارة الأمريكية ليس وليد لحظة تولي جون كيري لحقيبة الخارجية بل نتاج عمل ممنهج وذؤوب منذ 2006 و 2008 و20090و2010و 2011، حيث أظهرت لهجة ولغة تقارير مجموعة من الجمعيات الحقوقية الأمريكية وتقارير الخارجية الأمريكية باهتمام كبير بالمغرب بشكل حق لنا معه التصريح بحقيقة تنامي قوة المجتمع المدني الأمريكي، الذي بدى وكأنه قوة ضغط حقيقية لها تأثير في عمليات صنع القرار السياسي الأمريكي، أو على الأقل بهكذا مبرر أرادت أمريكا إظهار موجبات تحولها الجذري في طريقة تعاملها مع ملف الصحراء.

وهكذا فقد اهتمت منظمات حقوقية أمريكية وغير أمريكية، منها منظمة هيومن رايت ووتش بملف الصحراء وكان نتاج تحقيقاتها وأعمالها أن أصدرت تقارير منها تقرير 2008 إضافة إلى البلاغات والندوات الصحفية، آخرها قيام منظمة حقوقية امريكية منظمة روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الانسان بزيارة ميدانية خصيصا للصحراء ومخيمات تندوف سنة 2011. حيث أعدت تقريرا ملغوما غير ذي قيمة صدقية وثبوتية لاستناده على الرواية والسماع، لما تضمنه التقرير نفسه من اعتراف بذلك، وليس على عمليات الرصد والمتابعة الميدانية للأحداث، وهو صميم العمل الحقيقي للنشطاء والمدافعين عن حقوق الانسان، الشي الذي يعطي الشرعية للريب والمراء إزاء عملها وتحركها ويؤكد فرضية أم ما وراء الأكمة ما وراءها، وللإشارة فهي منظمة ذات نفوذ امتداد في الحزب الديمقراطي الأمريكي الحاكم، حيث يحافظ المسؤولين الأمريكيين منهم الرئيس أوباما وجون كيري وزير الخارجية بمسافة ضيقة معها، دون أن يدرك المغرب في وقته وحينه أن دسائس ممنهجة تحاك ضد سيادته.

وقد كان الأمريكيون دوما مصدر متاعب المغرب في تدبيره وإدارته لملف الصحراء وتكفي الاشارة إلى المبعوث الشخصي السابق للأمين العام الأمريكي جيمس بيكر، الذي سحب المغرب منه الثقة وانتهئ بتقديم الاستقالة ثم المبعوث الحالي الأمريكي أيضا كريستوفر روس الذي يحاول إظهارالمغرب بالمتسبب في انحسار وتعطل عمليات المفاوضات في انحياز سافر منه لفائدة الجزائر والبوليساريو بعد ما كشفت عنه الرسالة السرية التي نشرتها وسائل الاعلام الاسبانية وبالضبط جريدة البايس، وحاول تطبيق ما سماه بالنهج المبتكرة وكأنه يتجاوز طرفي النزاع ليحل محلهما في حين أن مهمته هي الإشراف وإدارة المفاوضات ومساعدة الأطراف في البحث عن حل سياسي يتفقا عليه.

وهي كلها أسباب جرت عليه غضب المغرب الذي أعلن عن عدم قبول التعامل معه، إلا أنه سرعان ما عاد المغرب لربما مرغما إلى التعامل معه. بل بدى روس أكثر تحررا من العقال المرتبطة بالتزام مراعاة سيادة الدولة المغربية، فتركت له حرية التحرك في البر و التحليق في الجو ولقاء من شاء ومتى شاء حتى اعتقدنا أنه مقيم عام في المغرب، وفي وهم وخطأ وسوء تقدير منا أن من شأن تمكينه من هامش أكبر من حرية التصرف والحركة أن يغير من ايمانه وعقيدته المرهونة لفائدة أجندة جزائرية وضد المغرب، لكن دون جدوى ليتبين للمغرب أنه تعجل في القبول بالسماح باستئناف العمل معه وليث المغرب تشبث بقرار رفضه.

وقد حق لنا استنتاج أن الادارة الأمريكية في صراع دؤوب ومستمر مع قوى وأشباح أخرى حول تثبيت موقع قدم في المغرب أو نيل مصلحة فيه وهي مرتابة وغير مستريحة ولا مطمئنة إلى مرتبتها وما ستجنيه من مكاسب ومنافع في المغرب أو مع المغرب. وقد يفسر موقفها أيضا بوجود قوة جذب إقليمية تؤثر وتشوش في توجهها ولربما توفر مصلحة أكثر أو أن الموعود له بها قد يحقق لها الكثير. أو أن تناقضا ما حصل في مصالح المغرب وأمريكا يجب الكشف عنه بسرعة درءا لمزيد من الأضرار في الموقف المغربي. بالرغم من الحوار الاستراتيجي المدشن سبتمبر 2012.

آثار الموقف الأمريكي: العقاب أم محاولة زحزحة المبادرة المغربية ؟

لا مراء أن التصرف الأمريكي الجديد وبغض النظر عن أسبابه أهو نتاج أومؤشر لبوادر سياسة أمريكية جديدة في المنطقة؟ أو مجرد عقاب لجرأة المغرب بسحب الثقة عن المبعوث الشخصي للأمين العام الأمريكي كريستوفر روس؟ ومن قبله جيمس بيكر؟ ستكون له تداعيات سلبية على درجة صمود الديبلوماسية المغربية في المفاوضات المقبلة حول البحث عن حل السياسي لنزاع الصحراء، والتي أعتبرها وأقدرها شخصيا السبب الخفي لهذه المبادرة الأمريكية الجديدة. وستسمعون قريبا أن كريستوفر روس دعى إلى جولة جديدة من المفاوضات لاختبار نجاعة هذه الخطوة الأمريكية، تذكرو هذا جيدا؟؟؟

فبعد أن يئس كريستوفر روس عن زحزحة المغرب للقبول بمناقشة شيء آخر خارج نطاق وإطار المبادرة المغربية بمنح الاقليم حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية، والتي لاقت تقديرا دوليا وأمميا بأن أصبغت رسميا بكونها ذات المصداقية والجدية. فإن روس ما فتئ يحاول القفز عليها وتجاوزها، وتفطن إلى أن ذلك لن يتم سوى بتقليص درجة الاهتمام الدولي بها والعمل على اخفاء اشعاعها ونهج سياسة اخفاتها والعمل على أفولها لصالح الاستفتاء. فعدد وضاعف من جولات المفاوضات وحاول اظهار المغرب أنه المتسبب في عدم تقدمها، كما حاول تجريب ما سماه "بالنهج المبتكرة"، والتي وصفتها مجموعة من الدول منها اسبانيا وفرنسا بأنها اهتمام منه بأمور ثانوية، وهي في كنهها وجوهرها ورغما عن أنها ثانوية فهي تكتيكات لضرب المبادرة المغرب في صميمها وتحويل الاهتمام الدولي بها، و من تم الحاق اكبر قدر من الأذى والاضرار بالموقف المغربي. فما هي الاحتمالات التي يملكها المغرب في مواجهة مشروع هذا القرار؟

الحلول الممكنة التي يملكها المغرب:

تتراوح وتدور وتختلف الحلول التي يملكها المغرب في مواجهة التحدي الجديد بين مرحلتي ما قبل تقديم المشروع و مرحلة تقديمه الفعلي ومرحلة إقرارالمشروع والمصادقة عليه من قبل مجلس الأمن. وهكذا وفي محاولة من الديبلوماسية المغربية السيطرة على الوضع وتطويقه خلال مرحلتي ما قبل التقديم وتقديمه فإنها كثفت من اتصالاتها وسفرها إلى الدول دائمة العضوية ومالكة حق النقض منها روسيا، الصين، بريطانيا وفرنسا لحشد دعمها والحصول منها على ضمان بالرفض إن قدم المشروع الأمريكي، وبموازاته فالمغرب في محاولات لربط اتصال بصاحبة المشروع أمريكا مباشرة أوعن طريق الوسيط السعودي والفرنسي واللوبي بل أصدقاء المغرب داخل أمريكا والإدارة الأمريكية لعله ينجح في ثني أمريكا عن تقديم المشروع من أصله، أو تعديله لفائدة أفكار أو صيغة لا تعني شيئا في نهاية المطاف.

أما الحل الثالث وهو الأكثر قتامة وتشاؤما وهو تقديم المشروع والتصويت والمصادقة عليه بالرغم من عدم قانونيته وفق ما أسلفنا أثناء نظرنا في تأصيله في القانون الدولي ورفض المغرب التعامل معه وما قد يجر عليه ذلك من امكانية الانتقال للنظر في النزاع تحت مادة أخرى المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة.

والتي لن تتم وعلى فرض المصاقة على المشروع ورفض المغرب التعامل معه، فإن ذلك الانتقال يحتاج إلى قرار آخر من مجلس الأمن، ولا شك أن القرار الثاني لن تتردد فرنسا في نقضه ومعارضته. فالمغرب قد لا يضمن الفيتو في المرحلة الأولى لأنه محرج للحكومة الاشتراكية الفرنسية وسيضمنه لا محالة لو تطورت الأمور نحو الأسوأ في القرار الثاني.

بينما الفرضية الرابعة والأخيرة فهي مرتبطة باحتمال تقديم الادارة الأمريكية للمشروع ومصاقة مجلس الأمن عليه وقبول المغرب الإذعان للتعامل معه، وتناسل استفزازات جناح الانفصال لسلطات المغرب الأمنية وتناسل التقارير الملغومة أثناء تقييم الآلية المفروضة والمقرة سلبا لقدر استجابة السلطات المغربية لتحديات الحفاظ على حقوق وحريات المواطنين، بما فيهم حقوق وحريات الجناح الوحدوي ذو شبه أغلبية مطلقة. وقد يتطور الأمر إلى سابق ما تم شرحه في معرض البحث والحديث في سيناريوهات الفرضية الثالثة لكن بدرجة ضرر أكبر، لأن أعداء المغرب سيحشدون المجتمع الدولي بناء على تقارير ميدانية مغلوطة عن واقع حقوق الانسان في الاقليم

لتكون باحة المغرب المفضلة للمناورة هي عدم تقديم المشروع من أصله أو استصدار ضمان من دول ذات حق الاعتراض والفيتو لتفعيله، وفي أقصى الحالات وفي حالة تقديمه والمصادقة عليه، فإن رفض التعامل معه أهون من قبول التعامل لقطع الطريق أمام محاولات احتمال إقامة الدليل والحجة الحتمية والمريبة والمزورة عليه بارتكابه خروقات لحقوق الانسان، إذ ذاك قد لا ينفع معه صديق ولا حبيب.

وخلاصة القول، فإن انكفاء الديبلوماسية المغربية وانطوائها على نفسها وغيابها في المراكز والساحة الحقوقية الدولية وفي أحسن الأحوال اعتمادها على أطر ضعيفة نتاج علاقات المحسوبية والزبونية وعدم دعم وانشاء ديبلوماسية مدنية موازية تضمن الحضور اليومي والمكثف في كافة الدول، لاسماع الصوت والموقف المغربي وتفضيل نهج سياسة المكان الفارغ، إضافة إلى اتكال المغرب المستمر على الغير لخدمة قضاياه، كلها أسباب تظافرت مع غيرها من الأسباب لولادة هذه اللحظة العسيرة والتي لن تكون الأخيرة وعلى كثرة فرص واحتمالات تجاوزها الآنية.

لذا، فإن المغرب مدعو للعمل الجاد يمتد إلى العمق في الإصلاح والتغيير في وجه وطريقة وعمل ووجه الديبلوماسية المغربية القيمين وحده للدفاع عن قضايا المغرب المصيرية واقناع المجتمع الدولي بأهمية مقترح المغرب بمنح اقليم وضعا متميزا بحكم ذاتي موسع تحت السيادة المغرب، لا لشيء سوى بالإقناع بأن ذلك سيوفر مزيدا من الأمن للمنطقة برمتها وإن التحذير بالملموس أن انشاء دويلة بالجنوب وتمزيق المغرب يشكل خطرا ليس على المغرب وحيدا بل على كافة الاستراتيجيات الأمنية للدول الأوروبية وحتى الأمريكية، بعد أن أدركت الجزائر أن البوليساريو قنبلة تهددها وتحاول تصديرها إلى المغرب.
 صبري الحو*

*محامي وخبير في القانون الدولي

22/04/2013