ارتبطت السياسة الخارجية و مجال العلاقات الدولية عند الولايات المتحدة الأمريكية بالحفاظ على المصلحة القومية العليا اعتمادا على الإمكانات والموارد المالية الهائلة، و القيم والمعتقدات الإيديولوجية، و القوة العسكرية، فالولايات المتحدة تنشر نفوذها التجاري في أنحاء الأرض اعتمادا على هذه المرتكزات.و في رؤيتنا لأبعاد الأزمة الأخيرة بين المملكة المغربية و أمريكا بخصوص مسودة الخارجية الأمريكية التي توصي بتوسيع مجال اشتغال المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء المغربية،نجد أن الولايات المتحدة الأمرىكىة تخطط لإقامة قاعدة أمنية استخباراتىة عبر الصحراء المغربية و ذلك لسببين:

 

- أولا: لمراقبة القاعدة بالمغرب الإسلامي و مراقبة السلاح الليبي و شبكة القاعدة التي تعمل الآن من القرن الإفريقي إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء.

 

- ثانيا: مسألة اعتبار النفط الأفريقي مصلحة استراتيجية أمريكية و هذا يتطلب منها تأمينه استخباراتيا و عسكريا بخلق قواعد في الصحراء تراقب و تساعد على حماية مصادره و تدفقه ،و هذا ما نفهمه من خلال التحركات الأمريكية في دارفور بتأسيس إقليم مفصول عن جغرافية السودان وخلق كيان مستقل.

 

بالعودة إلى موقف الجزائر من قضية الصحراء نقف عند المسيرة الخضراء الذي تعامل معها المغرب كنضال داخل بلاده من اجل تحرير جزء منها،نجد هنا أن المسؤولين الجزائريين كانوا قد طالبوا من الولايات المتحدة أن تعمل على منع هذه المسيرة أو عرقلتها،لكن بحسابات أمريكا البرغماتية اعتبرت تصرفا كهذا إضرارا بمصالحها مع المغرب،على الرغم من أن الجزائر كانت وسيطا نشيطا بين أمريكا و الدول التي تتبنى الخيار الاشتراكي و هذا كان مدخلا لمناوشة المملكة .

 

نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع المنطقة و قضية الصحراء بالخصوص تقدم الرؤية البرغماتية كعملية واضحة لتأمين و المحافظة على مصالحها الثابتة، والتي لا تتغير بتغير الظروف الدولية،و في مقدمتها مسألة النفط، على الرغم من أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كانت سببا تحت تأثير جناح يميني شديد التطرف على تغيير نهجها البرغماتي واستبداله بآخر ينطلق من رؤية إيديولوجية و عقائدية واضحة و التي على إثرها احتلت العراق و أفغانستان، و على هذا الأساس لابد من بناء تصوراتنا الجديدة إزاء ما تقدم بتفهم واضح للمتغير الاستراتيجي بدل الركون إلى اللعب على أوراق تكتيكية تغلب عليها اللحظة بدل الاستمرارية .

 

فواقع العلاقات الدولية ليست حالة جامدة لكنه واقع يتميز بالتغير و الديناميكية و تمايزات في حالات تضارب مصالح الدول و سعيها إلى الحفاظ على أوضاعها و تأمين تلك المصالح حسب ما تمتلكه من قدرات وإمكانات وموارد متاحة، في الوقت الذي تتغير فيه تلك الإمكانات و القدرات بشكل حاسم لدى طرف من أطراف التفاعل فهذا يتطلب منها العمل على إعادة التوازن من جديد عبر تفعيل سياسات واستراتيجيات جديدة تتناسب مع البيئة العالمية الراهنة التي تتسم بقدر هائل من عدم الاستقرار، و هنا يحسن بنا تنويع البدائل الدبلوماسية و خلق دوائر ضغط دولية على مستويات متعددة باستغلال البدائل التكنولوجية الحديثة و اختراق الاتحاد الإفريقي و تعزيز دور المملكة بشكل أقوى في أمريكا اللاتينية و الدول التي كانت مكونة للاتحاد السوفياتي سابقا .

 

عندما نلجأ إلى تحليل البيئة المحيطة بالمملكة المغربية سياسيا و اقتصاديا و أمنيا من أجل التعرف على الفرص المتاحة والتهديدات التي تواجه المشروع التنموي والديمقراطي و الوحدوي المغربي، نجد أن تحليل نقاط الضعف والقوة ضرورة ملحة من أجل التعرف على كيفية التوصل إلى إستراتيجيات التحرك المستقبلية.في هذا الصدد لابد من استحضار مصالح الولايات المتحدة الأمريكية النفطية التي بنيت على عناصر وأبعاد مركبة تتداخل فيها مصالح الشركات النفطية الكبرى و الأرباح الكبيرة التي تجنيها و الذي يتطلب إستراتيجية تضمن استمرار تدفق النفط بالخصوص الإفريقي و من خلاله يتم التحكم والسيطرة على النظام الدولي،بمباركة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي في السياسة الخارجية و الممسك بزمام صناعات النفط والسلاح والإعلام والرأسمال،في هذا المضمار أصدر نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني تقريراً في العام 2001 حول السياسة القومية الأمريكية بالنسبة للطاقة جاء فيه أن «إفريقيا ستكون أحد المصادر الأمريكية المتنامية بسرعة من النفط والغاز».

 

الصحراء المغربية بما تحمله من ثروات بقدر ما ستكون فرصة تنموية للبلاد بقدر ما شكلت نقطة ارتكاز للتدخل الأمريكي و الأوروبي و الجوار ،و لابد من أن نتذكر من خلال الوثائق المسربة ما وصف به الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عندما كان وزيرا لخارجية بلاده عام 1975 في لقائه مع هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية حيث وصف الصحراء المغربية في سبعينيات القرن الماضي بالكويت،و ذلك للاحتياطات المهمة من النفط و الغاز و المعادن التي تختزنه،محاولة بوتفليقة إغراء أمريكا بالصحراء بمحاولة السيطرة المباشرة عليها لم تفتر إلى حد الآن،و ذلك بإدخال عامل حقوق الإنسان بشكل مُلِح في معادلة الصراع و تسييسه على الرغم من أن المغرب عرف حركة مهمة في اتجاه التعامل الايجابي مع هذا المبدأ المهم و تفعيله بشكل مطرد.

 

إن المشكلات الأمنية الملحة في المنطقة و ما تمثله من وزن أمني و اقتصادي متقدم بالنسبة للاهتمام الأمريكي الاستراتيجي يظهر بشكل جلي مع وثيقة الأمن القومي الأمريكي الأولى التي صدرت في 20 سبتمبر 2002 و الثانية الصادرة في 16 مارس عام 2006 حيث تم نقل الاهتمام بأفريقيا إلى مواقع متقدمة في الإستراتيجية الأمريكية حيث تنص الوثيقة الأخيرة على أن "تكتسب أفريقيا أهمية جغرافية – إستراتيجية متزايدة وتشكل أولوية في جدول أعمال الإدارة الأمريكية"، الوثيقتين معا يضعان خريطة المنطقة و المغرب بشكل خاص بما يتوافق مع المصلحة الأمريكية البحتة.و عندما نعود مرة أخرى إلى تلك المسودة المقدمة من الخارجية الأمريكية نجدها في هذا السياق تتماشى مع حركة تفاعلاتها الدولية و موقفها هذا يمكن وصفه ب"التغيرالتكيفي" Adjustment Change الذي ينسحب فقط على التغير في مستوى الاهتمام الموجه إلى قضية (الصحراء ذات الارتباطات المعقدة مع متدخلين إقليميين و دوليين) ما مع بقاء أهداف السياسة وأدواتها تجاه التعاطي مع تلك القضية كما هي من دون المساس بها أو تغييرها.

 

إذن تعقيدات المنطقة تتفاعل فيها التهديدات و الفرص في آن واحد إذ نجد:

 

أولا:تهديدات الإرهاب الذي أصبح متفاعلا مع التطورات التكنولوجية و وسائل الحرب الجديدة و المتطورة و مستوى التجنيد و العقيدة الايديولوجية التي يبني عليها تفكيره في التجنيد و التعبئة،و هنا نجد البانتغون يبدع ما أطلق عليه الحرب"اللامتماثلة"Asymétrique و"الحرب الإستباقية الخاطفة" و "حروب الظل" وأُصطلح على تسميته بالإستراتيجية الدفاعية الأميركية الجديدة كنقطة مفصلية في تاريخ العسكرية الأميركية متكيّفة مع واقع جيو-استراتيجي متقلّب و خطير وتستجيب للتحوّلات الجوهرية في طبيعة الحروب ومسرحها وأدواتها،إضافة إلى خارطة تهديدات لم يسبق ان عرفها العالم تتوالد داخل مناخ أمني وفضاء سيبيري غاية في التعقيد.و هذا ما أطلق عليه وزير الدفاع السابق ليون بانيتا بالـ"التحوّل التاريخي إلى المستقبل"،أو"الحروب الذكية".

 

ثانيا: لا يخفى ما للنفط الإفريقي من أهمية و فرصة استراتيجية في هذا الخضم تعمل على جلب الاستثمار و التنمية،حيث أعلن والتر كانستينر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية في فبراير 2002م أن "النفط الإفريقي أصبح مصلحة استراتيجية قومية لأمريكا"، وكذلك صرح رئيس اللجنة الفرعية التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بأنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م يجب التعامل في موضوع البترول الإفريقي على أنه "أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي"، كما أعلن الرئيس بوش في خطابه عن حالة الاتحاد عام 2006 عزم الولايات المتحدة الاستغناء عن 75% من الواردات النفطية من الشرق الأوسط والحصول عليها من مصادر بديلة بحلول العام 2025م.

 

إن معادلة النفط + الأسواق الخارجية = ازدهار التجارة الخارجية الأمريكية عبر تاريخها، الأمر الذي دفع إلى الاهتمام بالعلاقات الدولية و بروز الحاجة إلى تشكيل سياسة خارجية أمريكية متمايزة على الصعيد الدولي حيث ضغطت الجماعات الأمريكية ذات المصالح لفتح أسواق خارجية اتجاه مجالها الإستراتيجي المتمثل في المحيطين الهادي والأطلسي، و النتيجة تنامي القوة الصناعية و العسكرية الأمريكية والتجارة الخارجية مما حدد الدور الأمريكي في العالم و الذي استمر بشكل متنامي إلى الآن بتدخلاته في بعض المناطق بشكل برغماتي لا مجال للعامل الأخلاقي في تبرير تدخله.

 

عندما نركز نظرنا التحليلي على الواقع القائم في جنوب المملكة المغربية نجد أن فرص نقاط القوة تتمثل في:

 

الموقف الشعبي و الرسمي من قضية الوحدة الترابية و المملكة تحاول من تعزيز هذا المربع بصورة أساسية لأن أمامها فرصًا سانحة، ولديها نقاط قوة ولهذا فإنه يجب أن تكون تذهب في اتجاه تعظيم استغلال الفرص وتعظيم استخدام نقاط القوة التي تتمتع بها داخليا، وما أحسن هذه الظروف التي تنطلق من مركز قوة من خلال تعزيز التلاحم و التآزر و الاتجاه ناحية الاهتمام بالمواطن المغربي ماديا و معنويا و ذلك بالزيادة في تفعيل استراتيجيات النهوض بالديمقراطية و التعليم و الصحة و محاربة الهشاشة، و ذلك من اجل توظيفها كموارد داخلية قوية يمكن استعمالها في استغلال الفرص المحيطة بالمملكة وذلك لمواجهة التهديدات الخارجية.

 

كنتيجة أساسية لا يمكن صنع مجتمع مستنسخ عن تجارب أخرى بظروف و خبرات أخرى،إذ سنحصل آنذاك على مسخ يأكل بنهم كبير بلا شبع كل شيء أصيل في مجتمعنا ذا الهوية المتعددة و التاريخ الغني و الجغرافيا المتنوعة،و هنا ضرورة التعامل البرغماتي للدبلوماسية المغربية سواء الرسمية أو الموازية مع الوحدات الدولية التي تتعامل معها أو تستهدفها سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و تنويع التحالفات،و هذا من أجل محاصرة الوحدات المضادة لإفشال أو تحجيم الاستراتيجيات والسياسات المناهضة التي تستهدف المملكة و كذلك قراءة ذكية لمدى تأثير تلك الوحدات المضادة وتحالفاتها على أهداف وغايات الدولة المغربية واستراتيجياتها

محمد بن امحمد العلوي

 

27/04/2013