حمل “الرويجل حسنا بن صالح” السلاح وهو لم يتجاوز بعد السادس عشرة سنة من عمره، مشهرا فوهة البندقية التي سلمت له غداة انضمامه إلى جيش التحرير سنة 1956 م، في وجه المستعمر الغاشم الذي حاول جاهدا أسبنة المنطقة وتجريدها من هويتها الوطنية المتجدرة. شارك بكل بسالة وشجاعة في العمليات الميدانية التي كانت تستهدف الوحدات الفرنسية والاسبانية المرابطة بالصحراء، ورغم تفوق هذه الأخيرة سواء من الناحية البشرية أو اللوجيستكة إلا أن ذلك لم يمنعه من تحقيق انتصارات باهرة معية  زملائه داخل جيش التحرير، ملحقين بالعدو ضربات موجعة سرعان ما أربكت حساباته التي كان قد رسم معالمها قبل التوغل في عمق الصحراء. حيث بقيت معركة “الدشيرة” خالدة في ذاكرته باعتبارها محطة تاريخية، لقنت المستعمر الإسباني درسا لن ينسى حينما تكبدت عناصره ما يزيد عن 600 قتيل، تساقطوا بالتتابع على وقع رصاصات بنادق المجاهدين الصحراويين، بالإضافة إلى خسائر مادية فادحة. ورغم التطورات التي تلت حل جيش التحرير، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة ما بدأه رفقه الجيش الملكي الذي خاض معه أطوار حرب الرمال، والتي سخر فيها جميع ما اكتسبه من فنون قتالية خلال تجاربه السابقة، قبل أن ينضم بعد ذلك إلى صفوف الأمن الوطني التي عمل من خلالها على السهر على تطبيق مقتضيات القانون، باعتباره دورا لا يقل أهمية عن الأدوار الأخرى التي تقلدها في مسار حياته خدمة لهذا الوطن.

 

 

     ارتبط ذكر مدينة “الداخلة” حاضرة وادي الذهب لكويرة بكثير من الأسماء المجاهدة التي ضحت بالنفيس والغالي من أجل عزة الوطن ووحدة أراضيه. فقد ارتبط تعدد المجاهدين الأشاوس بعظمة الأدوار القتالية التي قاموا بها إبان الفترة الاستعمارية في مختلف المعارك التي زعزعت المخططات الاستعمارية، راسمين من خلال أطوارها حروف أسمائهم بدمائهم التي قدموها طلبا للحرية ،وفي سبيل العزة والكرامة التي لا تقدر لا بمال أو جاه. ومن أبرز هؤلاء المجاهدين “الرويجل حسنا بن صالح بن أحمد”، الرجل الذي يجسد الوطنية في أسمى معانيها. لما لا وهو المقاوم الذي استطاع أن يتحول إلى نموذج يضرب به المثل عند كل محاولة لتسليط الضوء على كثير من الجوانب المشرقة في تاريخ المقاومة المغربية على أرض الصحراء، حيث استطاع أن يسرق الأضواء دون أن تمنعه حداثة سنه من حمل البندقية، ومجابهة أعداء الأمة والوحدة، حيث سوف يلتحق بجيش التحرير، وهو لم يتجاوز بعد سن السادس عشرة سنة من عمره. هو الذي ولد سنة 1940 بمنطقة “السويدات” نواحي الداخلة، وترعرع بها وسط بيئة محافظة للغاية، حيث تلقى تكوينه في الدين وأصوله بداخل “المسيد” على يد فقيه موريتاني يدعى “عبد الوهاب” الذي كان يحرص على تعليم طلبته ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، بالإضافة إلى كثير من الضوابط والقواعد الشرعية التي يستدل بها لمسايرة تبعات الحياة اليومية، فكان الطلبة يوزعون أوقاتهم بين القيام بواجباتهم التعليمية من جهة، ومن جهة ثانية الحرص على مساعدة أهاليهم الذين كان غالبيتهم من البدو الرحل الذين يرتكزون في تدبير قوتهم اليومي على الرعي وبعض الأنشطة الموازية الأخرى ذات العلاقة بالطبيعة الصحراوية للمنطقة، أما النساء فكن يتجندن لتدبير أمور أخرى ذات علاقة بتربية الأبناء والحرص على توفير مستلزماتهم الخاصة، التي تختلف حسب أعمارهم، وكان “الرويجل” خلال فترة طفولته حريصا على مرافقة والده والتعلم منه في كثير من الجوانب مستفيدا من قوة بديهته التي مكنته من معرفة المنطقة من الناحية الجغرافية، بحكم تكرار خرجات الرعي التي كان يشارك فيها والده الذي أبان هو الآخر عن رغبة جامحة في إمداد ابنه بكل ما يلزمه من أمور قد تساعده في المستقبل القريب على تخطي مختلف الصعاب. ولم يكن حينها سكان المنطقة بمعزل عن التحولات التي تعرفها البلاد في الشمال، لا سيما مع توالي الأخذ والرد بين المستعمر والمقاومة، فكان الحماس العنوان الأبرز الذي يؤثث حديث الساكنة التواقة آنذاك إلى محاربة المستعمر الغاشم الذي كان قد وضع الأسس والركائز الممهدة لاستغلال خيرات المنطقة، فما كانت الخطوة التي أقدم عليها المستعمر إلا النقطة التي أفاضت الكأس، لم لا وهي التي سوف توصف بالفعل الأرعن والجبان المجانب للشرعية وقوة التاريخ بعد أن عمد المستعمر إلى نفي رمز الأمة وحامي الوطن “سيدي محمد بن يوسف” إلى خارج أرض الوطن، وتعويضه ب”ابن عرفة” كسلطان للبلاد، حيث انطلقت شرارة غضب عارم غير مسبوقة في تاريخ البلاد، امتدت إلى عمق الصحراء المغربية، موجة الغضب تلك كانت العامل المباشر الذي دفع إلى انخراط مجموعة من شباب المنطقة في جيش التحرير، يتقدمهم “الرويجل” الذي خاض حروبا عديدة ومتعددة ضد المحتل الغاشم، هذا الأخير لم يتوانى ولو للحظة واحدة في إشهار رشاشات أفراد وحداته المختلفة في وجه المقاومين. كما تجندت الطائرات الحربية إلى إمطار رؤوس المقاومين بوابل من القنابل التي جعلت من الصحراء ساحة للقيام بتجاربها الميدانية. بهدف التصدي لعمليات جيش التحرير بالجنوب التي جاءت للمطالبة بضرورة استكمال تحرير الصحراء التي تعد جزءا لا يتجزأ من مجموع تراب المملكة، حيث انطلقت العمليات الميدانية للتحرير في شهر أبريل من عام 1956،ورغم المزايا التي يحظى بها جيش الاحتلال الغاشم إلا أن ذلك لم يمكن وحداته المختلفة من تجنب الضربات الموجعة التي كان يتلقاها بين الفينة والأخرى من لدن عناصر جيش التحرير خلال المواجهات المباشرة التي دارت أطوراها على الأرض، لاسيما أن المجاهدين الصحراويين يعتمدون في تكتيكهم الحربي على عامل مهم للغاية ألا وهو التمكن من سبر أغوار وخبايا أرض الصحراء التي تكنز كثيرا من الأسرار والمفاجآت التي لا يمكن إلا لأهلها ضبطها، وهو ما انعكس لصالح المجاهدين الصحراوين الذين خاضوا معارك طاحنة، محققين عبرها نتائج باهرة، أربكت حسابات المستعمر، رغم عدم وجود أي تكافؤ بين الجانبين في العديد من الأمور. خصوصا حينما يتعلق الأمر بحرب مفتوحة تدور أطوراها بين جيش نظامي عتيد بوسائل لوجيستكية حديثة، ومجموعة من المجاهدين الذين لا يملكون سوى معدات تقليدية، حيث أن المنطق يرجح كفة جيش الاستعمار الذي يمتلك ما يكفي من المقومات العصرية  سواء من الناحية البشرية أو اللوجيستكية التي تؤهله لاجتياح المنطقة في ظرف زمني قياسي، لكن هناك أمورا أخرى لا يملكها أفراد الجيش الاستعماري ألا وهي العزيمة والتضحية التي منطلقها حب الوطن والتمسك بأهداب العرش العلوي الذي كان العامل المحرك ل “الرويجيل” ورفقائه الذين ظلوا يعتمدون في تحركاتهم على الهجومات الخاطفة وعنصر المفاجأة ما جعل أمر تعقبهم شبه مستحيل. خصوصا وأنهم تزودوا ببعض الأسلحة خلال تجمعهم بمدينة كلميم التي اتخذها جيش التحرير في مطلع شهر ماي من سنة 1956 كمركز رئيسي  لقيادة العمليات التي سوف تجري أطوراها بمختلف مناطق الصحراء، وهي الفترة المتزامنة مع الإعلان عن تأسيس الجيش الملكي والأمن الوطني الذي سوف يتلحق به كثير من العناصر المحسوبين على جيش التحرير بالشمال. لقد كان “الرويجل” وبقية المقاومين عازمين كل العزم على طرد المستعمر الغاشم من أرض الصحراء المغربية. فوعده قائد الجيش آنذاك خلال تجمعهم بكلميم أنه بعد عودته من القتال سوف يكتب له تلك “الرباعية” التي كان يوجه فوهاتها في صدور المستعمرين، فتصاعدت العمليات ضد المواقع العسكرية الفرنسية والإسبانية من خلال القيام بمجموعة من العمليات العسكرية الناجحة من قبيل، “زمول”، “عيونأغمان”، “لمسيد الأبيض”، “بوجدور”، “كلتة زمور”، “الدشيرة”، “العركوب”، “الداخلة”، “كليب الجذيان”،“البير لحلو”، “اجديرية”، “اكرارت”، “أهل براهمة”، “طريق الصدرة” وغيرها والتي سوف تظل خالدة في ذاكرة “الرويجل” ورفقائه من المجاهدين الصحراويين، غير أن معركة الدشيرة بقيت المعركة الأكثر استحواذا على ذاكرة الرجل، والتي جرت أطوارها في 13 من دجنبر سنة 1957، بالمقربة من مدينة “العيون”، والتي تكبد فيها الجيش الإسباني خسائر فادحة تعدت 600 جندي، أبان خلالها المجاهدون الصحراويون عن علو كعبهم فيما يخص إتقان فنون القتال حيث بدأ الجنود الإسبان يتساقطون واحدا تلو الأخر حتى فرغت ساحة المعركة، وخلفت تلك المعركة أصداء واسعة، أثرت على معنويات العدو، وفي المقابل زادت من مكانة المجاهدين الصحراويين ،الذين أدركوا بأنه بات بإمكانهم تحقيق مزيد من الانتصارات الأخرى، فلم يعودوا يخشون ذلك التفوق العسكري ولا كل ذلك العتاد الذي سخر لهم من أجل إحباط عمليات المقاومة، توالت العمليات تلو العمليات وجاءت لحظة طرح السلاح التي رفض الرويجل ورفقاءه الامتثال لها، إلا بحضور عاهل البلاد المغفور له “محمد الخامس” طيب الله ثراه، حيث كان رده على الأمر بأن الصحراويين حاربوا من أجل الملك محمد الخامس، ولن يطرحوا السلاح إلا بأمر شخصي منه، “فهو ملكنا ونحن جنوده” كانت تلك آخر عبارة أدلوا بها خلال تلك اللحظة التي تلقوا فيها الخبر بضرورة تركهم للسلاح، ورغم انتهاء العمليات بعد توالي كثير من الأحداث حاملة معها مجموعة من التطورات إلا أنه أحس بأنه لم يتمم بعد  إنجاز المهمة الملقاة على عاتقه من أجل الدفاع عن عزة الوطن ووحدته الترابية، وهو الأمر الذي دفع به إلى الانخراط في صفوف القوات المسلحة الملكية سنة 1960، والتي ظل يؤدي بداخلها نفس الدور الذي كان يقوم به لما كان عنصرا نشيطا بداخل جيش التحرير، فرغم تعدد المسميات إلا أن الهدف الأسمى واحد، وحينما يتعلق الأمر بالوطن، فإن كل شيء يهون بعد ذلك، حيث سوف يتصدر الصفوف الأولى لعناصر قواتنا المسلحة التي خاضت بكل بسالة حرب الرمال سنة 1963 ضد الجارة الجزائر التي لم يراعي حكامها ذلك الارتباط الوثيق بين الشعبين المغربي والجزائري، ولا كل تلك المواقف النبيلة التي أبان عنها المغرب خلال مختلف الأزمات التي تعرضت لها الجزائر إبان الفترة الاستعمارية، هكذا، استفاد “الرويجل” من تجاربه السابقة حينما خاض هذه الحرب. وإذا كانت الأقدار قد حكمت عليه في نهاية المطاف بأن يغادر سلك القوات المسلحة الملكية سنة بعد اندلاع تلك الحرب، بعد أن قضى أربع سنوات بداخل الجيش الملكي ، فإن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في خدمة الوطن، وهذه المرة من خلال انضمامه بسلك الأمن الوطني، حيث سوف يشغل منصب مفتش شرطة ممتاز متجولا بعدد من الأقاليم ك”فاس” و”الدار البيضاء” و”كلميم” وانتهاء “بالداخلة” التي سوف يتجند من خلالها على السهر على تطبيق القانون وملاحقة كل المخالفين ، حتى صار مثالا للانضباط والسلوك الحسن بين زملائه، حيث احتفظ بنفس ما كان يقوم به بداخل الجيش من انضباط وتطبيق كامل للأوامر ما أكسبه مكانة متميزة من لدن مسؤوليه الذين تكررت تنويهاتهم به، ما انعكس بشكل ايجابي على مساره المهني، وبعد بلوغه سن التقاعد سوف يغادر سلك الأمن الوطني  بعد مسار حافل مليء بكثير من الأحداث المهمة التي ستبقى لا محال خالدة في ذاكرته، قادته إلى ثلاثة أجهزة شكلت مقوما أساسيا من مقومات السيادة الوطنية من جيش التحرير إلى الجيش الملكي وصولا إلى الأمن الوطني، متقلدا خلال هذا المسار العديد من الأوسمة كوسام المسيرة الخضراء سنة 1975 ووسام آخر سنة 1979 ووسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الأولى في شهر مارس من سنة 1995، وهي الأوسمة التي يعتبرها أبناؤه مدعاة للاعتزاز بوالدهم الذي صاروا ينظرون إليه بكثير من الفخر لم لا وهو الذي صنع مساره كمجاهد بحروف مضيئة ستبقى كل المعارك البطولية التي خاضها شاهدة على شجاعته وتفانيه في خدمة الوطن.

02/10/2013