لم يتوانى المجاهد “محمد لحبيب حبوها”. ولو للحظة واحدة في إشهار راية الجهاد في وجه الاستعمار الذي حاول جاهدا أسبنة المنطقة وتجريدها من هويتها الوطنية المتجدرة، حيث شارك هذا المقاوم بكل بسالة وشجاعة في كثير من العمليات الميدانية والمعارك المضنية من قبيل معارك : “أم العشار” و”مركالة” و”أمكالا”، وكلها معارك كانت تستهدف كل من الوحدات الفرنسية و الاسبانية المرابطة بالصحراء، غير أبهن في ذلك بتفوق هذه الوحدات سواء من الناحية البشرية أو اللوجيستكة، حيث كان الإيمان بالله عزوجل وحب الوطن المحركين الرئيسيين لهذا المقاوم الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل عزة الوطن ووحدته الترابية، وهو الأمر الذي ساهم في أن يحقق هذا الرجل انتصارات تاريخية بمعية بقية زملاءه الذين انخرطوا طواعية في صفوف جيش التحرير، ليلحقوا بالمستعمر ضربات أربكت حساباته التي كان قد وضعها قبل توغله في عمق الصحراء المغربية.

 

ولد المجاهد “محمد لحبيب حبوها” بن “اعبيد بن سيدي إبراهيم بن سيدي محمد”. سنة  1930 م بمنطقة تسمى “لحــذب” بضاحية “بوكراع” جنوب شرق مدينة العيون، من والدته “السالكة منت سيدي محمد بن سيدي المـحفوظ بن بيد الله”، وهو ينتمي إلى قبيلة “الشرفاء الركيبات أولاد الشيخ” والتي عرف أفرادها بكثير من الخصال الحميدة المتمثلة أساسا في الكرم والجود والتفاني في حب الوطن. وقد تربى هذا المقاوم المغوار في وسط عائلي امتاز بالعلم والصلاح والورع حيث كانت من الأولويات التي تصدرت أجندة اهتمامات أفرد عائلته، تعلم وإتقان تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهو المحيط الذي كان له وقعه الكبير على شخصية “محمد لحبيب حبوها” والذي استطاع في ظرف قياسي أن يكسب عطف وود الكثيرين من الذين عاشروه خلال تلك الفترة من الزمن، وهو الأمر الذي لم يكن بمحض الصدفة، بل جاء كنتيجة لما لمسه هؤلاء فيه من خصال حميدة وأخلاق سامية ونبل قل نظيره جعلت محيطه بكل مكوناته يتنبأ له بكثير من الأشياء الحسنة، التي سرعان ما سوف تتضح بوادرها الأولى مع توالي وتعاقب الأيام. إذ سوف تنقلب حياة هذا الرجل رأسا على عقب، بعد أن كان أول المستجيبين لنداء الجهاد ضد الاستعمار الغاشم الذي حاول تجريد المنطقة من هويتها المغربية المتجدرة في محاولة يائسة لإلباسها ثوبا غير ثوبها. هكذا إذن نشط المجاهد “محمد لحبيب حبوها” منذ مطلع الخمسينات في صفوف المقاومة بالأقاليم الجنوبية، حيث شارك في هذا الصدد في العديد من العمليات الميدانية، التي كانت قد أطلقتها المقاومة بالأقاليم الجنوبية من أجل شل حركة المستعمر وإبطال مفعول آلته العسكرية التي كانت مستعدة لالتهام كل ما سوف تجده أمامها. وظل على ذلك الحال متصدرا لصفوف المقاومين حتى ذلك اليوم الذي تم خلاله إصدار أمر يقضي بإلقاء القبض عليه بمعية رفاقه بتاريخ 24 مارس 1955 من طرف الجنرال الفرنسي المسمى  “Demassiet“. بعد تصاعد العمليات التي كانوا يقومون بها بين الفينة والأخرى ضد الوحدات الفرنسية، وهي العمليات التي أسفرت عن تسجيل عدد من الخسائر البشرية والمادية المتلاحقة في صفوف الجيش الفرنسي الشيء الذي كان من اللزام معه ضرورة التدخل لوضع حد لتلك الهجمات التي كانت نتائجها لا تنصب في صالح المخططات الفرنسية الرامية أساسا إلى إحكام سيطرتها على المنطقة مع مراعاة تسجيل أقل الخسائر الممكنة، وهو الأمر الذي أملته الظرفية التي كان يمر منها آنذاك الجيش الفرنسي والتي تحتم عليه عدم المغامرة بفقدان مزيد من الضباط والجنود بعد تنامي حركة المقاومة ضد التواجد الفرنسي بالمنطقة المغاربية وبعض البلدان الإفريقية والتي تم تطعيمها برغبة تلك الشعوب التي كانت تواقة إلى الانعتاق من براثن الاستعمار الغاشم الذي كان يجسد بالنسبة لتلك الشعوب كل ما له علاقة بالظلم والاستغلال في أبشع صوره الممكنة، وفي سنة 1956 كان من مؤطري وفد بيعة الصحراويين للسلطان محمد الخامس طيب الله ثراه بعد عودته من المنفى. وفي نفس السنة كان “محمد لحبيب” ضمن أول المؤسسين لجيش التحرير بالجنوب المغربي ورقما مهما في قيادته حيث شغل منصب قائد الرحى بالمقاطعة الثامنة. وقد جاهد من خلال موقعه ذاك رفقة العديد من الوطنيين المخلصين ضد جحافل الاستعمار الفرنسي والاسباني من خلال العديد من المعارك الحاسمة  كان من أبرزها معركة “أم لعشار” ومعركتي “مركالة” سنتي 1956 و1957. وفي سنة 1958 تم استدعائه من طرف الجنرال “دوكول” بمعية المقاوم الراحل “حمدي ولد السالك ولد باعلي” والمقاوم “الحسين ولد خطاري ولد كركب” حيث تم التفاوض معهم بشأن إقامة كيان مصطنع بالأقاليم الجنوبية، كانت تنوي “فرنسا” و”اسبانيا” تمريره في إطار تسوية بينهما. حيث لم يتوان هؤلاء الوطنيون في إفشال هذا  المخطط الفرنسي الاسباني وأعلنوا صراحة عن تشبثهم بأهداب العرش العلوي المجيد مجددين في هذا السياق تمسكهم بروابط البيعة والوفاء التي طالما ربطت أهل الصحراء بالملوك العلويين وهو الأمر الذي لم تستسغه السلطات الاستعمارية التي كانت تسعى جاهدة إلى ضرب مواثيق البيعة وتحريض عموم الصحراويين من اجل نكث العهد ومباركة كيان لا يوجد إلا في مخايلة الاستعماريين الفرنسي والاسباني. وسوف تؤرخ سنة 1962 لحدث بارز في حياة هذا المقاوم الذي رسم مساره الجهادي بحروف لامعة من ذهب، بعد أن قام جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني بتوشيحه  برتبة ملازم أول اثر عودته من منطقة تيندوف على رأس 750 مقاتل من الذين كانوا يتحينون منذ مدة ليست بالهينة الفرصة السانحة للانعتاق من القيود التي فرضتها عليهم السلطات الجزائرية والتي قيدت حجم حريتهم. وفي سنة 1966 تم انتدبه ضمن أول وفد للدفاع عن قضية الوحدة الترابية بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، وهي المهمة التي لم يدخر جهدا من خلالها في محاولة كسب تأييد واسع للقضية مستعينان في ذلك بقوة العلاقات التي كانت تربطه بعدد من الجهات. وبعد ثمانية سنوات من ذلك التاريخ وبالضبط في سنة  1974 سوف يشكل جبهة التحرير والوحدة والتي سيقود من خلالها عمليات جد جريئة تمثلت أساسا في مهاجمة العديد من المواقع العسكرية الاسبانية بكل من “حوزة” و”جديرية”. وفي سنة 1976 سقط جريحا بمعركة “أمكالا” في إطار ما اصطلح عليه ب”حرب الرمال” التي دارت أطوارها بين المغرب والجزائر والتي لا ينكر عليه أحد الدور البارز الذي كان لعبه في تلك الحرب حيث كانت العناصر الصحراوية المكونة من حوالي  750 جنديا من الذين كانوا قد رفعوا الأعلام المغربية ب”تندوف” كتعبير منهم عن رفضهم التام للطريقة التي كانت تتعامل بها آنذاك السلطات الجزائرية ضد أبناء قبيلة الركيبات وساهموا في ترجيح كفة المغرب خلال تلك الحرب نظرا لما اكتسبوه من خبرة واسعة فيما يخص حرب الصحراء. وفي سنة 1979  تم تعين “محمد لحبيب حبوها” من قبل المغفور له الملك “الحسن الثاني” عاملا على إقليم السمارة وذلك إلى حدود سنة 1983 حيث ساهم من خلال موقعه هذا من الرقي بهذه المدينة التي عانت كثيرا من ويلات الحرب مع البوليساريو على اعتبار موقعها الجغرافي إلا أنها سرعان ما استطعت أن تضمد جراحها وتفتح صفحة جديدة سوف يكون لها وقعها على المستوى التنموي بالمدينة ككل. وخلال سنة 2002 تمت ترقيته لرتبة “كولونيل ماجور” من قبل صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله في إطار الزيارة التي قام بها لإقليم “كلميم” عرفان للتضحيات الجسام الذي قدمها هذا الرجل في الدفاع عن حوزة الوطن ووحدة أراضيه.

هكذا، لم يتواني هذا المقاوم في تقديم أسمى صور الشجاعة والإخلاص للوطن والعرش العلوي المجيد حيث امتازت مواقفه بالصدق والصراحة ما اكسبه مكانة مميزة من لدن الجميع حتى صارت سيرته يضرب بها المثل كواحد من المقاومين الأشاوس الذين استطاع أن يفرضوا أنفسهم على الساحة بحكم ما أبانوا عنه من قدرة وتفاني للوطن والملك.

02/10/2013