لقد أكد الملك محمد السادس أن المغرب مع الشرعية و لا تنقصه الشجاعة و لا الجرأة في الدفاع عنها أينما كانت و مهما كانت الظروف و الملابسات،و ذلك في خطابه الموجه للقمة العادية الثانية و الأربعين لرؤساء الدول والحكومات في منظمة المجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية المنعقدة المعروفة ب "ايكواس" في ياموسكرو عاصمة ساحل العاج بتاريخ 27 و28 فبراير 2013 و التي كان جدول اجتماعها مرتكزا على مشكل مالي. إن قيم التسامح و الدفاع عن القضايا العادلة ليست شيئا طارئا عن ثقافة المملكة المغربية ، و في تاريخها دائما ما عقدت العزم على لعب الأدوار المنوطة بها على اختلاف السلالات التي حكمتها إلى حدود العلويين الآن. و لا يخفى موقف الملك المتميز مما يحدث في سوريا و الدعم المادي و المعنوي الذي حظيت به تلك العائلات التي شردها نظام استبدادي و مجرم،وانخراط المملكة المغربية في الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حل سياسي يكفل وقف دوامة العنف ويحقق التطلعات المشروعة للشعب السوري في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية لبلاده و هذا ما دأبت عليه في تداعيات مشكل مالي الخطير. إن طبيعة منظمة الايكواس اقتصادية في أساسها لكن بعد ظهور مستجدات ومشكلات أمنية و سياسية خطيرة في المنطقة كان من الضروري إدراجها كقضايا مهمة و استراتيجية في جدول أعمالها، و ما فتئ المغرب يلعب دوره في الدفاع عن القارة الإفريقية ضد الأعمال المهددة لأمنها و تعاونه الفعال على المستوى الثنائي والإقليمي و الدولي في هذا الإطار، و هذا ما دفع المغرب إلى الوقوف في وجه كل المناورات الإرهابية التي ضربت دولة مالي.و توجه الملك محمد السادس الدبلوماسي في هذا المسار يعزز تواجد المغرب في العمق الإفريقي رغم مواقف بعض الأطراف المناوئة و التي دأبت على الدفاع عن أطروحات البوليساريو الانفصالية، ومن ثم محاولاتهم الحثيثة في عرقلة محاولات المملكة في السير اتجاه استكمال وحدتها الترابية،و تماشيا مع مبادئ المغرب في الدفاع عن السلم و الأمن العالميين ارتكز خطاب الملك محمد السادس للمجموعة الاقتصاديةلدول إفريقيا الغربية على النقط التالية:

 

-1- الدفاع عن فلسفة المغرب في مساعدة البلدان التي تمر بمحنة أو كارثة و ما يحدث بمالي يدخل من جهة ضمن هذا السياق الإنساني، و اعتبار المصلحة الاقتصادية و الثقافية الثنائية من جهة ثانية.إذ تعتبر علاقات المملكة المغربية مع دولة مالي ضاربة في التاريخ دينيا و تجاريا و ثقافيا و اجتماعيا و هذا ما دفع الملك إلى تأكيده على دعم للشعب المالي بكل قوة، في هذه المرحلة التي وصفها بأنها بالغة الحساسية وشديدة الاضطراب من تاريخه .المتوسط الخمس ومع الاتحاد الأوروبي.

 

 

-2- ما يحدث في مالي أمنيا و استراتيجيا مرتبط عضويا بأمن المنطقة و من ضمنها المملكة و اعتمادا على التفكير المستقبلي و النظرة العلمية كان منطقيا أن يعمل المغرب على ربط الاتصالات على المستوى الدولي بحكم موقعه في مجلس الأمن و علاقاته الثنائية مع المجموعة الأوروبية و الولايات المتحدة الأمريكية و دول صديقة من اجل القيام بالتحركات اللازمة للتعريف بالأخطار التي تواجهها منطقة الساحل و الصحراء و منها الأعمال الإرهابية المتعددة و التهريب على أشكاله.

3-- على المستوى الدولي لا يمكن إهمال دبلوماسية الموقف المغربي المبنية حسب عقيدته على استتباب السلم والأمن في المنطقة ضمن ما يمكن تسميته بقراءة الأوضاع المتوقعة في أزمة الساحل ومالي، وتواجد المملكة الفعلي داخل المنتظم الدولي و دفاعه المستميت على رؤيته الأمنية. مؤكدا أن المغرب سيظل حريصا على اعتبار الوضع الأمني في مالي٬ الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع القائم في المنطقة برمتها٬ يندرج ضمن أولويات دبلوماسيته٬ سواء داخل المنتظم الأممي أو في أي سياق آخر.

-4- بتناغمه مع مبادئه استمر المغرب في دعم كافة السيناريوهات التي تحترم الوحدة الترابية لمالي بدعم المصالحة الوطنية والانفتاح على كافة الحساسيات التي تعمل على تطوير هذا الاتجاه الوطني بإعمال الأدوات السياسية و المشروعة دون الاعتماد على العنف و

الإرهاب الفكري و الجسدي،و استثمار كل التجارب الدولية في مجال العدالة الانتقالية للوصول إلى تدعيم حقوق الإنسان من اجل تجاوز آثار الحرب الأهلية و بناء مجتمع أكثر ديمقراطية لمستقبل آمن لدولة مالي الموحدة شعبا و جغرافية و الحفاظ على امن المنطقة ككل . -5- تضامن المملكة مع سيادة دولة مالي يستمد دوافعه من روابط تاريخية و قيم التسامح التي تؤمن بها،و المستمدة من الإسلام السني المعتدل الذي يتنافى مع سلوكيات دخيلة على الإسلام الحقيقي و المعتمدة على إرهاب فكري و عدوان جسدي.واعتماد المملكة على ترسانة من قيم الحوار و التسامح المبني على الإسلام الوسطي وجدت نفسها في موقف المدافع عن عدالة قضية مالي في توحيد بلادها و مساعدتها في محاربة كل مظاهر التطرف والإرهاب والانفصال.

-6- تركيز المملكة في تعاونها مع المجتمع الدولي لتقديم العون لمالي في إعادة البناء الاجتماعي و اللحمة الوطنية وإصلاح مؤسسات الدولة العامة المسلحة مثل الشرطة وقوى الأمن والجيش و تدعيم نموذج النظام الديمقراطي في الحكم حتى لا يتنامى خطر الإرهاب و الانفصال و تمتد تداعياته إلى دول المنطقة.

-7-التركيز على قصور بعض القوى الإقليمية في استشراف واقع ما حدث في مالي، و التردد الذي حدث من بعض الدول في إتيان مقاربة شاملة و غير مبنية على نمط انتقائي و قاصر مبني على حالة من الإرتياب السياسي و عدم الثقة و الخوف الكبير من القوى السياسة الإقليمية و الناتج عن موروثات النظام الشمولى.فالواقع الذي تشكل بعد انهيار حكومة باماكو كان يجب التعامل معه بردود استراتيجية بعيدة عن نظرة ضيقة لا تقرأ الواقع البانورامي للمنطقة المعقد و القابل للاشتعال، و الذي يتطلب وجهة نظر أساسية تتماشى مع فكرة البحث ضمن الحقائق والخطوط العريضة للتغيرات الجيوستراتيجية في إطار توافقي بين الأطراف المتدخلة تاريخيا و جغرافيا مع دولة مالي. باعتماد خطة جريئة و متوافقة تحديدا مع الحفاظ على وحدة الأرض و البشر،بلا تحيز أو تغيير في الأبعاد والتشكيلات البنيوية للمجتمعات المشكلة للمنطقة بلا استنساخ لنماذج جَرَّتْ الويلات على شعوبها.و اعتماد ترجمة حقيقية لعقيدة أمنية مركزية تعتمد التعاون مما يوفر نقطة انطلاق جيدة لفهم الميدان في ضوء الأدوار الجديدة الناشئة في المنطقة و العالم.

-8- الحلول التي نادت بها المملكة المغربية على طول تاريخها الحديث و القديم كانت مبنية على التعاون و تقديم مصالح الجماعة الإقليمية و الدولية في إطار المشروعية و الحفاظ على الوحدة الترابية و الهوية الوطنية،و يمكن اعتبار الأزمة بدولة مالي كانت لها مقدمات تجلت في التشردمات السياسية، والخلافات العسكرية، و التحالفات المحلية والنزعات العرقيةو المصالح الضيقة و اللامشروعة. لتكون نتائجها تَحَكُّم جماعات مسلحة ذات عقيدة متطرفة بعيدة عن ديانة الإسلام السمح الذي كان غالبا في المنطقة و مستمرا في تناغم و انسجام بين المكونات المتنوعة. هذا ما دفع بالمغرب إلى جانب المجموعة الإفريقية إلى الوقوف لجانب دولة مالي، و اعتماد منهجية شمولية و تلَمُّسُ العدل في مقاربتها للرد على التحديات داخل رقعة الساحل و الصحراء و ضمن أولويتها دولة مالي.و ذلك من اجل التغلب على كل ما يعيق إعادة اللحمة لهذه البقعة اجتماعيا و سياسيا و دينيا و ثقافيا و ذلك لما تشكله من بعد امني يشمل المنطقة ككل و العالم.

-9- بحث المملكة الدائم على بعث إطار الاتحاد المغاربي كنموذج متقدم في التضامن و العمل المستقبلي ضد أي فعل يعرض الأمن القومي لكل البلدان المشكلة للاتحاد للخطر.و في مقدمة التضامن تركيز المغرب على استثمار العامل الاقتصادي من اجل ببناء علاقات إقليمية منتجة ومستقبلية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا و إقامة حوار جاد و عملي معها وذلك لما يجمع بين شعوبها و ما تواجهه من تحديات جمة تتطلب جهودا كبيرة تخدم التنمية المستدامة و الأمن الجماعي، كما هو الحال في تطوير الحوار مع دول غرب البحر المتوسط الخمس ومع الاتحاد الأوروبي.

محمد بن امحمد العلوي

09/03/2013