كما جرت بِذالك العادة، خرج بعض زعماء الأحزاب السياسية المغربية بتصريحات رنانة تشجب نية الإدارة الأمريكية تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن يقضي بإنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء. قد ينتاب الإنسان غير المتتبع للحياة السياسية المغربية شعور بالإعجاب والاحترام تجاه هؤلاء الزعماء السياسيين، بالنظر للهجة القوية التي استعملوها في التأكيد على مشروعية الموقف المغربي من القضية الوطنية.

 

كمتتبع للحياة السياسية المغربية ولموضوع الصحراء المغربية، أشعر بالأسف والإحباط لمَّا أرى أن الأحزاب السياسية تتحرك فقط عندما يكون المغرب في موقف دفاعي بخصوص قضيتنا الوطنية الأولى. وهنا على المرء أن يتساءل أين كان هؤلاء الزعماء الذين تحولوا فجأة إلى وطنيين يدافعون عن الوحدة الترابية للبلاد ومصالحها العليا. لماذا لم يقوموا بمبادرات جدية طوال السنة وطوال السنين الماضية للعب دور في التعريف بالقضية الوطنية على الصعيد الدولي والدفاع عن الحق المشروع للمغرب في حماية سلامة أراضيه ووحدته الترابية؟

 

لَو كَان الأُمناء العامون لهذه الأحزاب زعماء سياسيين حقيقيين، بما للكلمة من معنى، لما كان المغرب في الوضع الذي يوجد فيه في الوقت الدقيق الذي تمر به قضية الصحراء المغربية. لو كانوا زعماء حقيقيين يدافعون عن الصالح العام وهمهم الوحيد هو حماية مصالح البلاد العليا وحماية مصالح المواطنين، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولقاموا بمساءلة الحكومة بشكل جدي ومنتظم عن كل الخطوات التي تقوم بها في هذا الملف، ولقاموا بمراقبة كل كبيرة وصغيرة، بالإضافة إلى تقديم مقترحات حول السبل الناجعة لجعل الاستراتيجية الدبلوماسية أكثر نجاعةً.

 

غير أنه للأسف الشديد، غالبية الزعماء السياسيين لا يعملون على الرقي بالبلاد والعباد والسهر على حماية مصالحها، بل يجعلون من اللعبة السياسية وسيلة لتحقيق أهداف ومصالح ذاتية ضيقة. كيف يمكن أن تكون الأمور غير ذلك ونحن نعاني من تواجد سياسيين وصلوا إلى أعلى هرم السلم السياسي في بعض الأحزاب في الوقت الذي يعلم الجميع أن لهم تاريخ حافل بالشبهات وأن ليس لهم أي تكوين أكاديمي أو معرفي يؤهلهم لقيادة حزب سياسي كبير، بل والرغبة في ترؤس الحكومة.

 

كما أكدت على ذلك في العديد من كتاباتي وحواراتي في السابق، الضعف الذي يعانيه المغرب على مستوى الرأي الدولي خاصةً في الدول الاسكندنافية ودول أمريكا اللاتينية لا يرجع فقط إلى عدم نجاعة الاستراتيجية الدبلوماسية في السابق وإلى حد الآن، بل مرده كذلك إلى الغياب الكلي للدبلوماسية البرلمانية. فعلى سبيل المثال لو كان للمغرب زعماء سياسيين يساريين يقومون بالدور المطلوب منهم، لما تقوت صورة البوليساريو في دول مثل السويد والنرويج والدنمارك وفنزويلا وباراغواي والإكوادور والسلفادور ونيكاراغوا، ناهيك عن كوبا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية. فعوض أن يقوم زعماء الأحزاب السياسية اليسارية بالتقرب من الأحزاب السياسية للدول المذكورة قصد التعريف بالقضية الوطنية وتقديم براهين تؤكد قوة الموقف المغربي، تختار كثير من مكونات نخبتنا السياسية التناحر فيما بينها في قبة البرلمان والاكتفاء بالتأكيد على مغربية الصحراء كلما تواجد المغرب في موقف دفاعي في هذا الموضوع.

 

كمغاربة علينا أن نؤمن أن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يمكننا أن ننتظر أي مساهمة تذكر من قبة البرلمان في الدفع بموقف المغرب بخصوص الصحراء إلى الأمام وتقوية موقفه على الصعيد الدولي. فكيف يمكن لبرلمان يقوم فيه البعض بالاستمتاع بلعب الورق أو الخلود إلى النوم أن يقدم أي شيء في هذا المجال؟

 

أكاد أجزم أنه في حال قام شخص ببحث وسأل البرلمانيين الموجودين في قبة البرلمان عن الحجج التي تجعلهم يقولون أن الصحراء المغربية، فلن يكون بوسع الكثيرين منهم القول أكثر من أن الصحراء مغربية وأن المغرب في صحراءه وأن لا أحد يمكنه تغيير الوضع بشكل لا يخدم الموقف المغربي. كما أكاد أجزم أن الأغلبية غير مطلعين على تطورات الملف في أروقة الأمم المتحدة منذ فجر استقلال المغرب مروراً ببداية الستينيات وأواسط السبعينيات إلى الوقت الحاضر. فالتصريحات التي قدمها بعض الزعماء السياسيين يوم الاثنين تبرهن عن معرفتهم السطحية لهذا الموضوع، وعن مدى جعلهم بالوسائل والسبل التي يجب استعمالها من أجل إقناع الرأي العام الدولي بأحقية الموقف المغربي.

 

ما يحتاجه المغرب ليس زعماء سياسيين يقومون بتقديم تصريحات رنانة لا تسمن ولا تغني من جوع وليس لها أي وقع على مسار القضية الوطنية، بل زعماء سياسيين لهم نظرة ثاقبة للرهان الاستراتيجي لقضية الصحراء وأهميتها في الحفاظ على التوازن السياسي في شمال افريقيا ومنطقة الساحل والحفاظ على استقرارها وأمنها. ما يحتاجه المغرب هي نخبة سياسية تقوم بتقديم مقترحات وحلول وأفكار مبتكرة للتعاطي بأكثر فعالية مع هذه القضية وتحقيق تقدم في تقوية الموقف المغربي لدى الرأي العام الدولي وفي مختلف المحافل الدولية.

 

فعوض الاكتفاء بالشجب كما عودونا على ذلك، ما يحتاجه المغرب في هذا الظرفية بالذات هو تقديم مقترحات أو حلول لإخراج المغرب من المأزق الذي يوجد فيه الآن والتعلم من الأخطاء التي ارتكبت والتي جعلت أحد حلفاء المغرب يقدم على خطوة غير مسبوقة، فالتصريحات التي خرجت بها هذه الشخصيات السياسية تبرهن عن عدم قدرتها عن تقديم الإضافة وعدم أهليتها لقيادة المغرب إلى بر الأمان.

 

فما يجهله هؤلاء السياسيين هو أن نسبة كبيرة من الرأي العام الدولي تؤيد أطروحة البوليساريو وأن هذا التأكيد ليس نتيجة مشروعية موقف الانفصاليين، بل بسبب عدم اضطلاع الغالبية العظمى من النخبة السياسية في البلاد بدورها في دحض ادعاءات البوليساريو والقيام بحملات تعريفية ودعائية مضادة للتعريف بالموقف المغربي وتوضيح الرؤية للرأي العام الدولي. ففي الوقت الذي تقوم فيه الدبلوماسية المغربية بالتعريق والدفاع عن موقف المغرب على المستوى الرسمي سواء على الصعيد الثنائي أو المتعدد الأطراف، فينبغي أن يكون للبرلمان دور تكميلي من خلال ربط علاقات تواصل مع برلمانات دول أخرى، خاصةً الدول التي يعاني فيها المغرب من عجز كبير على مستوى الرأي العام.

 

وفي هذا الصدد، أود أن أوجه رسالة أخوية إلى زعماء هؤلاء الأحزاب السياسية المغربية وأعضاء البرلمان أطلب منهم أن يقوموا بمراجعة أوراقهم والاضطلاع بالدور المنوط بهم كنواب للأمة لما يخدم المصالح العليا للبلاد. وفي حال تعذر عليكم القيام بذلك بسبب عدم الاطلاع على خبايا الموضوع والسبل والمقترحات الناجعة لتقوية موقف المغرب على المستوى الدولي، فأرجوكم أن تحترموا مشاعر المغاربة، وأن تستمروا في نفس الصمت والسبات العميق الذي عهدناه فيكم في السابق.

د. سمير بنيس*

 

* مختص في قضية الصحراء والعلاقات المغربية الإسبانية

17/04/2013