إدريس لكريني

أكد الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية والحياة السياسية بجامعة القاضي عياض بالمغرب، ومدير مجموعة الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات، أن تجسيد الحكامة المحلية داخل الدول المغاربية هو مدخل لدمقرطة العلاقات ما بين هذه الدول ومدخل لتمثيل العلاقات· ويرى أنها قادرة على حل النزاعات والصراعات القائمة داخليا وخارجيا· ويتطرق في هذا الحوار الذي خص به االجزائر نيوزا لعدة قضايا تخص الإتحاد المغاربي والعلاقات الجزائرية المغربية وقضية الصحراء الغربية·

حاوره: مجيد خطار

تشاركون في ملتقى دولي حول المواطنة والحكامة في دول شمال إفريقيا، برأيكم ما هي الأهداف المنتظرة من هذا النوع من الملتقيات؟

أولا، هذا النوع من الملتقيات يكتسي أهمية كبيرة، ويجعل المنطقة مجالا للدراسة والبحث، خصوصا وأن هناك مجموعة من القضايا والاهتمامات والمشاكل المشتركة، فالبحث عن حلول ناجعة لمواجهة مختلف الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة أمر مهمّ جدا. ثانيا، هذه اللقاءات تسمح بتبادل الرؤى ووجهات النظر بخصوص مجموعة من القضايا التي نتقاسمها سواء كانت قضايا التسيير الإداري أو تلك المرتبطة بتجارب سياسية أو مرتبطة ببعض الإكراهات الاجتماعية، وأعتقد بأنه مع الحراك المجتمعي القائم الآن في المنطقة المغاربية لاسيما مع ما حدث في تونس وليبيا وحتى في مصر، من المفروض على الباحث والمفكر تجاوز النظرة السياسية الضيقة والانخراط في العملية، ويقوم بدوره على مستوى التأطير والتعبئة والتنشئة لمواكبة هذه التحولات حتى تكون مدروسة ومبنية على تنظير تصورات علمية تجعل من التحوّل إيجابيا.

إلى أي مدى يمكن للحكامة المحلية أن تساهم في حل النزاعات والصراعات الداخلية القائمة في الدول المغاربية؟

عندما نتحدث عن الحكامة، فنحن نتحدث عن أسلوب للتدبير، يعتمد الشفافية والانفتاح والتشاركية والديمقراطية، فكلما توافرت الحكامة المحلية تستحضر المواطن باعتباره هدفا ووسيلة لهذه الحكامة، ولا أعتقد أن هناك مواطنا داخل الدول المغاربية يرفض التكتل والتواصل، وعندما نتحدث عن ترسيخ وتجديد الحكامة في السياسات العمومية في البلدان المغاربية، هي عبارة عن مدخل لدمقرطة العلاقات ما بين هذه الدول، ومدخل لتمثيل العلاقات وإعطائها بعدا ومدلولا حقيقيا مبنيا على تشابك العلاقات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية وتبادل وجهات النظر إزاء المخاطر التي تواجه هذه البلدان سواء كانت مخاطر أمنية أو سياسية أو اجتماعية... وتجعلنا نناقش المشاكل التي تواجهها المنطقة ونبحث لها عن حلول جماعية وليس فردية، لأنه عندما نتحدث عن الإرهاب والهجرة··· وغيرها من الملفات الحساسة ندرك أن التكتل والإتحاد أصبح ضروريا.

تطرقتم في مداخلتكم إلى موضوع العدالة الانتقالية كمطلب للحراك المجتمعي في الأقطار المغاربية، فهل يمكن تحقيق هذا المطلب في ظل استمرار الأنظمة الحاكمة وممارستها للسياسة التقليدية؟

العدالة الانتقالية تعني الانتقال من وضع إلى آخر، وتنصب على انتقال من وضع مرتبط بالفوضى والفساد والنزاعات والصراعات إلى الاستقلال والحرية والاستقرار والسلم، وكذا الانتقال من وضعية الشمولية والاستبداد إلى وضعية الديمقراطية، والدول التي انتهجت هذا المدخل نجحت في تثبيت أسس دولة القانون والانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية، لكن مسألة العدالة الانتقالية يمكن أن تختلف من مجتمع لآخر وكل بلد حسب مشاكله الداخلية.

المغرب عرف تجربة في مجال العدالة الانتقالية سنة 2004 من خلال هيئة الإصلاح والإنصاف، لكن إلى يومنا هذا لا نزال نسمع بانتهاكات لحقوق الإنسان، بماذا تفسرون ذلك؟

صحيح، المغرب اعتمد العدالة الانتقالية وكانت تجربة فريدة وأعطت ثمارها، هذه النتائج الإيجابية ازدادت مع الحراك المجتمعي القائم، وينبغي أن نقر بمسألة أنه لما انتهت هيئة المصالحة والإنصاف من عملها وقدمت تقريرا مفصلا إلى الملك كان هناك بعض الأهداف التي حققتها خلال ذلك الوقت كتعويض المتضررين من الاعتقالات التعسفية، ولكن هناك مجموعة من التوصيات التي لم تتحقق، وبعضها تحقق مع مرور الوقت، ولا زال الحراك المجتمعي القائم حاليا يطالب بتجسيدها لاسيما مع ميلاد حركة 20 فبراير، حيث تم دسترة مجموعة من التوصيات كتجريم الاعتقال التعسفي والاختفاء.. وأرى أن انتهاك حقوق الإنسان بالمغرب مثل الاعتقالات لم تعد مثلما كانت عليه من قبل خلال سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ويجب أن نقر أن ملفات حقوق الإنسان مفتوحة، فلا يمكن للإجراء أن ينهي المشاكل المرتبطة بهذا الملف، لكن نعترف أن هناك بعض المظاهر في انتهاك حقوق الإنسان تكون أقل حدة ومعزولة. النقطة التي أريد أن أشير إليها هنا هي أن الدول المغاربية، خصوصا ما حدث في تونس وليبيا، أثبتت أن الإطاحة بالنظام ليس هي الهدف، بل هو عبارة عن مرحلة فقط، خصوصا مع الأنظمة الاستبدادية، لكن الأساس هو البناء، أي ما الذي بعد الثورة، فإن لم يكن اتخاذ تدابير فعالة وناجعة يمكن أن نعود للاستبداد من جديد، وأرى أن العدالة الانتقالية تقي الدولة والمجتمع من تكرار التجارب التي عاشتها.

إلى أي مدى يمكن للعدالة الانتقالية بالدول المغاربية أن تحل النزاعات الداخلية، لاسيما عندما نرى نتائج الثورات العربية وخصوصا في ليبيا ومصر؟

العدالة الانتقالية، برأيي، تنطوي على أهمية كبيرة في المنطقة المغاربية خصوصا في ليبيا وتونس، لأنه حتى يتم الاستفادة من التضحيات التي وقعت في الماضي لا ينبغي أن نكرر التجربة السيئة للعراق، بل ينبغي أن يكون هناك نقاشا داخليا ولجنة أو هيئة تسعى إلى طي هذه الصفحات دون انتقام ودون تخوين، أي بموجب القانون، وبالتالي يمكن أن نقول إن تونس أو ليبيا في حالة تطبيقهما للعدالة الانتقالية ستستفيدان كثيرا، ويكون انتقالهما مبنيا على أسس وطيدة، ولن يكون انتقالا هشا مبنيا على وجود مجموعة من الفئات المجتمعية المظلومة داخل المجتمع، فالعدالة الانتقالية من شأنها أن تكرّس مبدأ المصالحة الحقيقية داخل المجتمع، وعندما نقول المصالحة نعني التعريف بالناس الذين تعرضوا للانتهاكات وتعويضهم، ويتقرر إما محاكمة المسؤولين عما حدث أو العفو عنهم.

هل تعتقدون أن عدم تجسيد الدول المغاربية للحكامة المحلية ساهم في عرقلة قيام إتحاد مغاربي متين وحقيقي؟

الحكامة المحلية هي امتداد للممارسة الديمقراطية، يقال ''فاقد الشيء لا يعطيه''، لا يمكن لدول لا تؤمن بالممارسة الديمقراطية أن تحقق الحكامة المحلية، وأرى أن المبالغة في اعتماد التدابير من طرف الأنظمة المركزية في الشؤون العامة مع اختلاف التجارب في الدول المغاربية، حيث عدم وجود مظاهر مرتبطة بالحكامة الجيدة على مستوى تدبير القضايا المجتمعية ينعكس بالسلب على الحكامة المحلية، وأقول إن هذه الأخيرة لا تعني فقط المدخل القانوني أو الدولة، بل يمكن أن ينخرط فيها عدة فعاليات مثل الإعلام والمجتمع المدني والنخبة والمثقفين والأحزاب السياسية والجامعات والمدارس··· لتدعيم الحكامة المحلية من خلال المواكبة والمتابعة والتقييم.

ألا ترون أن وصول الإسلاميين إلى الحكم بالدول المغاربية يهدد تجسيد مطلب الحكامة المحلية؟

ينبغي أن نتجاوز الأحكام المسبقة، لأن الديمقراطية تقتضي احترام إدارة المواطن في اختيار الحزب الذي يرغبه، سواء كان إسلاميا أو ديمقراطيا أو شيوعيا أو استقلاليا.. فلا خوف على الديمقراطية إذا كانت قواعد اللعبة مدروسة وإذا كان الدستور يحدد حقوق كل جهة· وصول الإسلاميين إلى الحكم منطقي ولا يشكل أي خطر على الدولة، ولا حتى على تطبيق الحكامة المحلية، فمثلا فوز حزب العدالة والتنمية في المغرب راجع إلى عدة عوامل، منها نجاح هذا الحزب في تسيير مجموعة من الجماعات المحلية، وأعضائه في البرلمان لم يتورطوا في قضايا فساد، كما أن الحزب اعتمد على ديمقراطية متميزة بداخله وبين أعضائه وقاد معارضة بناءة، كما أن الحزب لم يسبق أن وصل إلى الحكم، والشغب أراد إعطائه الفرصة. شخصيا أرى أنه لا يجب أن نخاف من الإسلاميين، لأن الثورات العربية المطالبة بالديمقراطية والحريات تدفع بكل حزب يصل إلى الحكم للأخذ بعين الاعتبار المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.··

نعود إلى قضية الوحدة المغاربية، الكثيرون يعتبرون قضية الصحراء الغربية تعرقل تحقيق إتحاد مغاربي جدي، ما رأيك؟

كباحث أعتقد أن المرحلة الحالية تتطلب التكتل وطي جميع الملفات العالقة والخلافات القائمة من أجل المراهنة على المستقبل، في ظرفية محلية ودولية فيها حراك مجتمعي يدعو إلى التنمية والديمقراطية والحرية، وهناك تحديات خارجية حساسة على غرار التحديات الاستراتيجية والأمنية وملف الإرهاب، وكذا الموقع الاستراتيجي للدول المغاربية في ظل التهديدات والضغوطات الخارجية، أقول إن هذه التحديات تفرض التوجه نحو الوحدة ولا نكتفي فقط بالعلاقات الفوقية من خلال الترتيبات الدبلوماسية وتمتين علاقات لا تتراجع إلى الخلف، وأركز بالخصوص على العلاقات المغربية الجزائرية، التي يجب أن تعود إلى صوابها وأن يكون هناك نوع من المراهنة على المستقبل· أما القضايا العالقة بما فيها قضية الصحراء الغربية، فيجب أن يتم تجاوزها بطريقة فعالة، وأكيد أن تمتين العلاقات بين البلدين سيدفع صناع القرار للبحث عن حلول واقعية لها. فالمغرب والجزائر لا مشكل بينهما، ونحن نعلم أن ما يجمع الجزائر والمغرب أكبر بكثير مما يفرق بينهما، وعليهما فقط الانخراط في تمتين العلاقات التي ستدعم الإتحاد المغاربي.

لكن كيف يمكن إيجاد حلول للمشاكل العالقة بين المغرب والجزائر في ظل تمسك كل طرف بمواقفه السياسية والدبلوماسية إزاء القضية الصحراوية؟

أول شيء، يجب أن تكون رغبة قوية من كلا البلدين في تجاوز كل الخلافات والملفات العالقة، أرى أنه في ظل المؤشرات والتغيرات التي تشهدها الدول العربية، فإن قضية كسر الحدود بين المغرب والجزائر أصبح أكثر من ضروري، لأن الشعوب واحدة ولا ينبغي على أي كان أن يفرق بينها. فالمغرب طرح مشروع الحكم الذاتي للصحراء الغربية بغض النظر عما تقابله بها جبهة البوليساريو، فهذا المشروع يمكن أن يشكل مدخلا لحق تقرير المصير، لأنه يعي صلاحيات محورية مرتبطة بالحكومة في المنطقة وبالبرلمان وبالإمكانيات المالية والتنموية واستثمار خيارات المنطقة، وكذا السيادة والأمن والعملة··· وهي أمور تقتضي فقط قدرا من الحوار والنقاش، وأنا جد متفائل من إيجاد حلول لهذه القضية، ويجب استحضار مصلحة الشعوب المغاربية ومستقبلها، وهذا يمكّن من بلورة حل واقعي ومتفق عليه يجعلنا نتجاوز كل المشاكل التي تعطل العلاقات والتنمية في المنطقة وتعطل خصوصا قيام إتحاد مغاربي متين وحقيقي ومد جسور التواصل

09/01/2013