من خلال متابعتي لأغلب التحليلات المنتشرة خصوصا في الإعلام المغربي بشأن (صدمة) المسودة الأمريكية لتوسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة,سواء من المتتبعين للملف أو بعض السياسيين الوطنيين يتضح لي بأن أغلبها بالغ في العاطفية و في التحليلات السطحية.
ولذالك قررت أن أحاول فهم الموقف الأمريكي من خلال زاوية براغماتية , إذ أن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدم على أي خطوات في مجال الديبلوماسية الخارجية من دون حساب عواقبها ألف مرة .. الأمرالذي لا ينطبق للأسف على ديبلوماسيتنا التي تتخبط منذ عشرات السنيين في العشوائية و المقاربات التي أكل عليها الدهر وشرب .
إن الجانب الوحيد الذي يكون قد تفاجأ فعليا بالتغير الأمريكي هو الجانب المغربي , أما رد الفعل المغربي فإني أجزم أنه لم يفاجأ الأمريكيينلأنهم يعرفون وزن و حجم قضية الصحراء  بالنسبة للشعب المغربي.
إن الهدف الوحيد الظاهر من هاته المبادرة الأمريكية المعروف أنها مرفوضة سلفا من قبل المغاربة هو حلحلة الوضع القائم في المنطقة بما يخدم مصالح جميع الأطراف (أمريكا و الجزائر و البوليساريو) باستثناءالمغرب الذي سيكون متضررا وحيدا.
ولفهم أسباب الموقف الأمريكي يجب علينا وضع سيناريو استشرافي لما سيترتب عن هذا الموقف:
إن إقرار مجلس الامن لمشروع قرار توسيع صلاحيات بعثة الامم المتحدة في الصحراء (المينورسو) طبعا في حالة عدم تدخل أي من القوى العظمى من خلال حق الفيتو, سواء تعلق الامر بفرنسا (مهد حقوق الانسان) و التي قد تجد حرجا أمام المنظمات الحقوقية من خلال التصويت ضد إدراج آلية مراقبة حقوق الإنسان على الأقل من خلال المبدأ , أو حتى التصويت من طرف الصين و روسيا اللتان ليستا حليفتين للمغرب و لا يٌعرف كيف ستتعاملان مع الوضع ..هذا الإقرار سيجعل المغرب يرد بكل قوة _وهو على كل حال موقف منتظر و متوقع بل مرغوب أمريكيا_ و من التبعات الطبيعية لهذا القرار هو وقف كل أشكال التعاون مع المينورسوأو حتى طردها من الصحراء.
إن طرد المينورسو من طرف المغرب سيعني عمليا انتهاء زمن (لا حرب ولا سلم) و انتهاءاتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين و الدخول من جديد في دوامة الحرب و هو ما يخدم مصالح الجزائر التي لطالما حاولت استفزاز و جر المغرب من جديد الى استئناف القتال خصوصا بعد انتهائها من ازمة العشرية السوداء.. الجزائر التي ما زالت تسير على النهج (البومديني) الداعي الى جعل الجزائر قوة إقليمية وحيدة في شمال إفريقيا و التي ما زالت تنظر الى المغرب كعائق واحد ووحيد خصوصا بعد سقوط نظام القذافي الذي وان كان في تحالف نظري مع الجزائر إلا انه حليف لا يؤمن جانبه, ان تجدد الحرب بالنسبة للجزائر ستعني ضرب استقرار الجار اللذوذ المغرب, اضافة الى تكلفة الحرب الاقتصادية و البشرية  التي ستؤثر لا محالة على الوضعية الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية الداخلية في المغرب مع ما سيترتب عنه عجلة التنمية البشرية ودخول المغرب في ازمة خطيرة.
من جهة أخرى فإن مرحلة (لا سلم و لا حرب) جعلت أجيال من البوليساريو الذين تربوا على أيديولوجية تكن العداء لكل ما هو مغربي في ظل بروبكانداُممنهجة, جعلتهم من دون أي أفق في ظل وقف إطلاق النار , وعدم بروز حلول في المستقبل مما جعل الكثير من هؤلاء الشباب يتوجهون إلى حلولأخرى أهمها التهريب و الانضمام لجماعات إرهابية في منطقة الساحل و الصحراء بشهادة منظمات دولية, ولعل تواتر تقارير أجنبية تشير الى ذالك خصوصا في ظل الأزمة في مالي و العملية الأخيرة في المنشأة النفطية جنوب الجزائر جعلت هاته الاخيرة تستشعر خطورة القنبلة الموقوتة الموجودة على أراضيها وضرورة تنفيس الاحتقان الموجود في المخيمات من خلال إرسالهم لقتال المغرب بدل استهدافها, فهي بالتالي ترسل إلينا جمرة حارقة بدل ان تحترق أصابعها من طول امساكها.
إن قيادة البوليساريوكذاك ستكون مستفيدةمن هذا الوضع الجديد المترتب عن رفض المغرب توسيع صلاحيات المينورسو, لأنه سيمنحها الفرصة الذهبية للتأكيد على احترامها والتزامها بقرارات الامم المتحدة و أن عودتها لحمل السلاح (وهو مطلب شعبي في المخيمات كما ذكرنا سابقا) سيكون رد فعلا على (التعنت) المغربي.
و بالتالي فإن أسهم قيادة الجبهة التي أصبحت في الحضيض بسبب مراكمتها للثروات على حساب الشعب سترتفع بمجرد أن تقرر العودة للحرب, وستكسب شرعية جديدة تجعلها تستمر في القيادة و تخفف من الضغط و الاحتقان الشعبيين ضدها.
ولعل الرابح الاكبر من إقرار مشروع اممي خطير كهذا هي صاحبة المسودة الولايات المتحدة الأمريكية, وإن كانت هاته الاخيرة لن تفرط في حليف استراتيجي و صديق وفي و قديم مثل المملكة المغربية فإنها كذاك وتبعا للتطورات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة الساحل و الصحراء خصوصا و أفريقيا عموما فإنها تعمل جاهدة لبسط نفوذها على هاته المنطقة التي تعد الجزائر بوابتها الرئيسية, منافسة بذالك قوى عظمى أخرى , من جهة كفرنسا القوة التقليدية في المنطقة و الصين و روسيا الباحثتان عن متنفس جديد بعيدا عن مناطق نفوذهما التقليدية.
من دون إغفال المبررات الطبيعية للتقارب الأمريكي الجزائري المتمثل في الموارد الطاقية المهمة في هذا البلد.
ولا يجب علينا ان نغفل كذالك ان أمريكا بلد ترسم سياسته الخارجية ليس فقط لوبيات سياسية و إنما كذالكلوبيات صناعية, ولعل أهم الصناعات الامريكية المزدهرة هي صناعة الأسلحة, ونحن هنا أمام نزاع عسكري (خامد) منذ قرابة ل 22 سنة ..وأمام تقارير تشير الى أن المغرب و الجزائر من أكبر مستوردي السلاح العالمي في العشرية الأخيرة ,وأن المغرب لن يتوقف عن شراء السلاح الامريكي خصوصا و الغربي عموما بحكم عقيدته العسكرية وهذا كذالك مدخل لفهم الموقف الأمريكي الجديد الذي لا يهتم كثيرا لحقوق الانسان بقدر ما يهتم لمصالحه الخاصة.
إذن ومن خلال سردنا لكل هاته المبررات يتضح بأن الموقف الأمريكي لم يكن مجرد تحرك منفرد أو معزول وإنما سياسة مدروسة لحلحلة المياه الراكدة منذ 22 سنة بما يخدم مصالح كل الاطراف باستثناء المغرب للأسف, وهو ما يفرض علينا التحرك العاجل من خلال ثلاث محاور:

1/  دوليا : التعامل ببراغماتية و بقوة لحماية المصالح المغربية في تعاملنا معالقوى الأجنبية, وعدم القبول بأي مساومات أو تنازلات.
2/ وطنيا : مواصلة الإصلاحات الديموقراطية في المملكة من خلال التركيز على ملفات الحكامة و التنمية البشرية و حقوق الإنسان و البدأ في تطبيق الجهوية المتقدمة واستشعار المسؤولية الوطنية لجميع الحساسية السياسية و الاجتماعية بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة .
3/ جهويا : التطبيق الفوري لمخطط الحكم الذاتي وتنزيله على أرض الواقع دون إنتظار الأطراف الأخرى مع إبقاء الباب مفتوحا أمامها لمراجعة مواقفها والقبول بالمبادرة المغربية كحل وحيد للنزاع المفتعل.
 أنس العكرودي

22/04/2013