منذ إحداثها أمريكيا في سنة 2011، وبعد إجراء استفتاء تقرير المصير ترقب العالم مدى قابلية دولة جنوب السودان المنفصلة عن السودان على الحياة والإندماج في المنطقة، غير أن الوقائع اليوم على الأرض كشفت عن فشل أطروحة الإنفصال واستحداث دويلات جديدة كحل للنزاعات السياسية والدولية.
وأمام هذا الواقع الجديد، فإنه مما لا شك فيه أن تطرح رؤية جديدة أمام الرأي العام الدولي حيال مسألة الإنفصال وإحداث دويلات جديدة لتحسين الوضع الإنسان في أماكن النزاع في العالم. كما أن مآسي الوضع الإنساني في دولة جنوب السودان بسبب الحرب الأهلية المشتعلة حاليا، ستطرح الكثير من المراجعات على راعي تأسيس هذه الدولية السينياتور الأمريكي ورئيس لجنة الخارجية الأمريكية في الكونغريس الأمريكي سابقا جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية حاليا.
ولم يكن ما يهدد استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في إقامة الدولة الجديدة طبيعة التفاعلات بين السودان ودولة الجنوب لانعدام شروط الاستقرار على المستوى الإقليمي والعالمي فحسب، ولكن فإن التفاعلات الداخلية كانت قمينة بإعادة الوضع الإنساني إلى المربّع الأوّل أيْ الحرب الأهليّة الداخلية وهو ما يحدث اليوم.
وعليه، فإن حل الانفصال الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية حلا للمشكلة السودانية لم يكن حلا مستداما بقدر ما كان تكريسا لمسلسل جديد من النزعات الانفصالية في جنوب السودان. الأمر الذي يستنزف الدولة الجديدة من حيث صعوبة التعايش مع الدولة الأم ولاستنزاف داخلي ناتجة عن الانقسام القبلي المنطوي على تاريخٍ من الانقسام السياسي والإيديولوجي.
وتعيش الولايات المتحدة الأمريكية إشكالات أخلاقية على المستوى الدولي، لأن أسلوب حل النزاعات التي اعتمدته بمبدأ تقرير المصير الذي يترجم الانفصال قد فشل قبل أن تستكمل الدولة الحديثة المنشأ أكثر من سنتين من عمرها. بل صارت تهدد الغاية التي انفصلت من أجلها مسألة تقرير المصير وإنهاء خيار للحرب الأهلية التي كانت تدور راحتها في دارفور وأودت بحياة 300 الف شخص ونزوح 2,7 مليون شخص.
ويعد جون كيري السناتور الاميركي أحد المشرفين على استفتاء انفصال السودان، حتى أنه استمال الرئيس السوداني البشير لحذف بلاده من القائمة الولايات المتحدة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب إذا ما تعاون جديا من أجل تنفيذ استفتاء انفصال جنوب السودان.
وبذلك يكون وزير الخارجية الأمريكية الحالي جون كيري ورفقة عدد من صقور البيت الأبيض أحد مؤيدي خيار الانفصال لحل قضايا حقوق الإنسان في مناطق النزاع، وهو توجه تم تكريسه مؤخرا حتى غدا مبدأ في كل تعاملات السياسية الخارجية الأمريكية، ومنها ربطت الولايات المتحدة الأمريكي علاقاتها الدولية مع دول العالم الثالث بشروط حقوقية لتطبيع علاقاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. ولذلك فإنها كثيرا ما تقييم تطور علاقاتها مع الدول الثالثية بناء على احترام حقوق الإنسان.
وفي اتصال برؤية مهندس انفصال السودان كيري لملف قضية الصحراء الغربية، فإنه اليوم سيكون عاجزا عن إقناع الرأي العام الداخلي الأمريكي بخيار تقرير المصير في الصحراء كحل لتجاوز ما يختلقه من وجود انتهاكات حقوقية في الصحراء كجزء من خطة إضعاف الموقف التفاوضي المغربي، ولعل هذا هو التوجه الذي كان كيري يسير في اتجاهه بدعم المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء كريستوفر روس أحد المنتمين لتيار جون كيري.
ولقد كانت التوجسات المغربية صحيحة حيال تسجيل تطورات قد تكون حاسمة على الموقف التفاوضي المغربي من نزاع الصحراء عقب تغيير جهاز الخارجية الأمريكية بعد خروج هيلاري كلينتون وتعويضها بكيري وإسناد رؤيته بسفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة سوزان رايس التي سارعت إلى التقدم بمبادرة توسيع صلاحيات بعثة المينورسو في الصحراء دون تنسيق مع المغرب الذي ينتظم مع بلادها بحوار استراتيجي.
وفي هذا السياق تبلورت رؤية السياسة الخارجية الأمريكية بقيادة راعي الانفصال كيري بمؤسسة حقوقية أمريكية هي مؤسسة روبرت كينيدي لحقوق الإنسان، لممارسة المزيد من الضغوط الحقوقية على المغرب في أفق سحب سيادته الإدارية على الأقاليم الجنوبية بدعوى ممارسته لانتهاكات حقوقية في الصحراء. وهو مسعى شكل نهجا سياسيا لكيري مارسه في الأزمة السودانية، فضلا عن سوابقه السياسية المتطرفة حيال قضية النزاع في الصحراء، إذ سبق أن وجه سنة 2001 أيام كان عضوا بمجلس الشيوخ الأمريكي رفقة أعضاء آخرين رسالة قوية إلى وزير الخارجية وقتها، كولن باول يدعوه فيها إلى الدفاع عن تقرير المصير في نزاع الصحراء.
ولذلك، فإن إحساس المغرب بقوة اللوبي الرسمي المسؤول عن السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة لم يكن موفقا لاطمئنانه إلى سياسة هيلاري كلينتون، لذلك عاشت الدبلوماسية الرسمية المغرب على وقع المفاجئة عشية تقدم الولايات المتحدة الأمريكية بمبادرة توسيع صلاحيات المينورسو في الصحراء قبيل صدور التقرير الأخير لمجلس الأمن الدولي حول الصحراء لأبريل 2013.
التهديد الذي خلقه كيري للموقف التفاوضي للمغرب من نزاع الصحراء استدعى زيارة ملكية لمحمد السادس إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل سماع استمرار تأييد الرئيس الأمريكي بارك أوباما للمقترح المغربي منح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا موسعا.
والأكيد أن هذه الزيارة لا يتوقع لها ترويض الجهاز القائم على السياسة الخارجية الأمريكية، بسبب استمرار نمطية الأداء الدبلوماسي المغربي الرسمي رتيبا وثابتا إلى حدود اليوم. ولأن هذه الزيارة الملكية رامت البحث عن المكان الذي أضاعت فيه الدبلوماسية المغربية خيط التواصل الدبلوماسي الفعال مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم الاتفاق بين البلدين على إحداث جهاز لمتابعة تنفيذ ما اتفق عليه.
وعلى الرغم من فشل مشروع إقامة مزيد من الدويلات لحل النزاعات الدولية في رؤية كيري، فإن الدبلوماسية الرسمية المغربية لا تمتلك غير تأجيل المبادرة الأمريكية بشأن توسيع صلاحيات بعثة المينورسو في الصحراء إلا أن مخاطر هذه المبادرة تستمر كلما أوشك مجلس الأمن على إصدار تقرير الحالة عن الصحراء خلال شهر أبريل من كل سنة.

عبـد الفتـاح الفاتحـي
٭باحث متخصص في قضايا الصحراء والشؤون المغاربية

06/01/2014