إدريس لكريني الباحث في العلاقات الدولية دعا إلى الموازنة بين الدفاع عن الوحدة الترابية والحفاظ على علاقات المغرب الإستراتيجية

خلص مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات، ادريس لكريني، في قراءته لتداعيات أزمة توصية «مينورسو» إلى ضرورة أن تكون الدبلوماسية المغربية على استعداد للتعاطي مع مبادرات من هذا النوع كيفما كان مصدرها، بصورة ناجعة وبعيدة عن أي ارتجال قد يكون مكلفا، وبصورة توازن بين متطلّبات الدفاع عن الوحدة الترابية من جهة ، والمحافظة على العلاقات الإستراتيجية للمغرب مع القوى الدولية الدائمة العضوية في مجلس الأمن، مشددا على أن المراهنة على دورها في دعم الموقف المغربي ستظل قائمة مع تطورات الملف المستقبلية. في ما يلي نص الحوار:

 

 تقدمت التمثيلية الأمريكية بمجلس الأمن بمسودة مشروع قرار يوسع من صلاحيات بعثة الأمم المتحدة لتشمل مراقبة الوضع الحقوقي في الصحراء المغربية قبل سحبه، كيف تفسرون هذا المنعطف المفاجئ في الموقف الأمريكي من نزاع الصحراء؟

 ينبغي الإشارة إلى أن الموقف الأمريكي الداعم لتوسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة لم يكن مفاجئا، بمنطق تعقّد عملية صناعة القرار الداخلي والخارجي الذي تتحكم فيه مجموعة من المؤسسات والاعتبارات المصلحية. وبالنظر أيضا إلى المحاولات التي قامت بها بوليساريو للتشويش على الترحيب الذي لقيه مشروع الحكم الذاتي المرتكز في مبادئه على التفاوض واحترام حقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية.. 

ففي أجواء تحولات “الحراك العربي”، حاولت بوليساريو استثمار بعض الاحتجاجات الاجتماعية بالأقاليم الجنوبية وتسييسها وحشد الرأي العام الدولي حولها، حيث تم استعمال ملف حقوق الإنسان في الأقاليم الصحراوية في هذا الصدد على نطاق واسع، وهو ما كان له الأثر في صدور تقارير عن مؤسسة كيندي ووزارة الخارجية الأمريكيتين بشأن وضعية حقوق الإنسان بالصحراء..وهو توجه يعكس أيضا تباين الرؤى بصدد التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان في المنطقة بين الموقف المغربي الذي يعتبر أن عمل اﻟﻤﺠلس الوطني المغربي لحقوق الإنسان والمكاتب الجهوية التابعة له، وكذا الدعوات التي يوجهها إلى المقررين الخاصين للأمم المتحدة، تشكّل الصيغة الملائمة للتعاطي مع قضايا حقوق الإنسان؛ فيما تعتبر جبهة بوليساريو أن رصد حقوق الإنسان بالمنطقة يتطلب وجود آلية مستقلة من خلال توسيع صلاحيات مينورسو في هذا الشأن.

والدبلوماسية المغربية عليها أن تكون مستعدة للتعاطي مع مبادرات من هذا النوع كيفما كان مصدرها؛ بصورة ناجعة وبعيدة عن أي ارتجال قد يكون مكلفا، وبصورة توازن بين متطلّبات الدفاع عن الوحدة الترابية من جهة، والمحافظة على العلاقات الإستراتيجية للمغرب مع القوى الدولية الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ذلك أن المراهنة على دورها في دعم الموقف المغربي ستظل قائمة مع تطورات الملف.

 أين تكمن، في نظركم، خطورة المقترح الأمريكي بالنسبة إلى الموقف التفاوضي للمغرب، خاصة أن المبادرة جاءت من واشنطن المعروفة بموقفها الرسمي الداعم لمقترح الحكم الذاتي حلا واقعيا للنزاع المفتعل؟

 عكست المبادرة الأمريكية قدرا كبيرا من عدم استيعاب التطورات التي شهدتها منظومة حقوق الإنسان بالمغرب، والتي همت سكان الأقاليم الصحراوية كما هو الشأن بالنسبة إلى لأقاليم المغربية الأخرى، من حيث تطور التشريعات والمصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية واتخاذ عدة تدابير في هذا الشأن، وتزايد نشاط الجمعيات الحقوقية المحلية والوطنية وإحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان والتي واكبت بصورة كبيرة مجموعة من الأحداث والتحولات التي شهدتها المنطقة وأصدرت تقارير لا تخلو من جرأة بصددها كان آخرها رفض المجلس لمحاكمة مدنيين أمام محكمة عسكرية.

وتنبع خطورة هذا المسعى أيضا في أن تدويل المجال الحقوقي طالما شكّل مدخلا لتجاوز سيادة الدول، عبر التدخل بذريعة حماية حقوق الإنسان، وهو ما زخرت به الممارسات الدولية خلال العقدين الأخيرين( قرار مجلس الأمن رقم 688 لسنة 1991 والقاضي بالتدخل في شمال العراق لحماية الأكراد، والقرار رقم 841 لسنة 1993 والمرتبط بتطور الوضع الإنساني في هايتي..)، كما أن الأمر يمكن أن يدعم توجه البوليساريو إلى توظيف هذا الملف بشكل منحرف واستثمار بعض المشاكل الاجتماعية المرتبطة بالبطالة والفقر.. لأغراض سياسية.

 كيف تقيمون الأداء الدبلوماسي للمغرب في التعاطي مع هذه المحطة؟

 ينبغي الإشارة بداية إلى أن المقترح الأمريكي ووجه برفض كبير من قبل الكثير من الفعاليات السياسية والحقوقية والمدنية المغربية، كما قاد المغرب تحركات دبلوماسية مكثفة تجاه الدول الدائمة العضوية داخل مجلس الأمن، ويبدو أنه نجح في إقناعها بالتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنتج عن هذه المسألة، خاصة في جانبها المتعلق باستغلال بعض القوى لهذا الملف بصورة منحرفة يمكن أن تهدد سيادة البلاد وكذا السلم والأمن في منطقة تعرف تعقيدات وتحديات أمنية كبرى، أو من حيث تأثير ذلك على مسار المفاوضات وإرباكها، وبجدية الجهود التي يبذلها المغرب في تعاطيه مع قضايا حقوق الإنسان، خاصة مع إحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان وفروعه.

وجدير بالذكر أن تكثيف المشاورات في اللحظات الأخيرة التي تسبق إصدار قرار مجلس الأمن غالبا ما تؤثّر في طبيعة القرارات المتخذة من قبل المجلس، خصوصا أن هذا الأخير هو جهاز سياسي وقرارته تعكس دائما توازن القوى والمصالح، حيث إن قرار المجلس رقم 2099 الصادر بالإجماع بتاريخ 25 أبريل 2013، جاء معتدلا ومتوازنا وأكد على احترام حقوق الإنسان ودعم المساعي التفاوضية في إطار قرارات المجلس ذات الصلة، وجدد مهام البعثة الأممية بالمنطقة دون الإشارة إلى لمقترح الأمريكي.

 

دروس يجب استخلاصها من أزمة "مينورسو"

 

من الطبيعي أن تشكل الأزمات والمواقف الصعبة، محطات للتأمل والإبداع والانطلاق باتجاه بلورة الحلول الناجعة، ويبدو أن هذه المحطة أبرزت أن الدبلوماسية الفوقية لا تجدي نفعا في إقناع الدول بمواقف المغرب، طالما لم تتحرك هذه الدبلوماسية أفقيا لمخاطبة مختلف الفاعلين في صناعة السياسة الخارجية للدول.

إن ربح رهان القضية، لا يمكن أن يتأتّى إلا من خلال اعتماد مدخلين، الأول داخلي يروم إلى ترسيخ الممارسة الديمقراطية وما تقتضيه من دعم للمشاركة السياسية للسكان وتعزيز حقوق الإنسان بالمنطقة وتحصين المكتسبات الحاصلة في هذا الشأن، وبلورة تنمية منفتحة كفيلة بتجاوز مظاهر الريع الاقتصادي وتجاوز منطق الامتيازات الذي ساد لسنوات، بما يسهم في تجاوز الإكراهات الاجتماعية المطروحة ويقطع الطريق على أي محاولات خارجية لتسييس ملف حقوق الإنسان. وآخر خارجي من خلال بلورة دبلوماسية مبادرة وشفّافة ومنفتحة على مختلف الفعاليات الرسمية وغير الرسمية وقادرة على مخاطبة مختلف القوى والمؤسسات الدولية بلغة المصالح والواقعية، في زمن متشابك لم يعد فيه مجال للمواقف والسلوكات المجانية.

 

في سطور 

- مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات

- حاصل على الدكتوراه في الحقوق من جامعة محمد الخامس بالرباط *يشتغل أستاذا باحثا في كلية الحقوق بجامعة القاضي عياض مراكش

- نشرت له مجموعة من الدراسات والأبحاث والكتب المرتبطة بالقانون والعلاقات الدوليين والشؤون العربية والعلوم السياسية في عدد من المجلات العربية المتخصصة: 

- سيصدر له قريبا كتاب تحت عنوان “إدارة الأزمات في عالم متحول”

30/04/2013