أثارَ اندلاعُ الأزمة بمالي قبل مدة ليست بالقصيرة، أسئلةً شتَّى بخصوص انعكاس الوضع المتردي في الساحل على أمن دول الجوار، المتوجسةِ من تحولِ مالي إلى مرتع للإرهاب والاتجار بالمخدرات، على النحو الذي أنذرت به تقارير دولية، نبهت غير ما مرة إلى فداحة الوضع واستدعائه تدخلاً مستعجلاً.

 

بيدَ أنَّ التدخلَ الذي باشرته فرنسَا مؤخراً، مدعومة بالمجتمع الدولي، أعادَ إلى واجهة النقاش الطريقة التي يتعينُ على دول المنطقة التعامل بهَا مع التدخل العسكري لمستعمرة الأمس، وما إذَا المصالحُ الاستراتيجيَّة تحتمُ الترحيب بالخطوة الفرنسية، الرامية إلى كبح المطامح الإرهابية بالمنطقة، وحلم الاستقلال لحركة "ازواد".

 

وإلَى جانبِ بروزِ الجماعاتِ المتطرفة، توالت عدة أخبار بشأن اختراقِ عناصر من تنظيم القاعدة في بلادِ المغرب الإسلامي للبوليساريُو، الذي انبرت الجبهة مراراً لتفنيده معتبرةً إياهُ فصلاً من فصول الاستهداف المغربي، بيدَ أنَّ السيناريُو الأكثر إلحاحاً اليوم، يكمنُ في تبينِ التبعات الممكنة للتدخل العسكرِي بمالِي، على دول المنطقة، وانعكاسها على ملف الصحراء، الموجود حالياً تحتَ أنظار الأمم المتحدة، الساعية إلى الدفع به نحوَ حلٍّ سياسي بِمنأى عن التصادم.

 

الدكتور حسان بوقنطار، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس في الرباط، يقول إنَّ التعاملَ مع الأزمة في مالِي ليسَ بالأمر الهين، بحكمِ كونها أزمة مستمرة منذُ شهور، وحاملةً لأبعاد متعددة، بحيث إننا اليوم أمام دولة منهارة تقريباً، وإزاءَ مطالب لا تستهدفُ مالي فحسب، بل تتخطاهَا إلى دول الجوار الإقليمي.

 

الأكاديميُّ المغربي أردفَ في حديث لهسبريس، أنَّ الفاعلين أوجدوا أنفسهم أمام وضعية معقدة، تختلطُ فيها الجماعات الجهادية بحركة وطنيَّة ذات مطالب ترابيَّة، على نحوٍ جعلَ الأزمة محلَّ متابعة أممية، أعطي في أعقابها مجلسُ الأمن الضوءَ الأخضر لتدخل قوات أممية، وبما أنَّ الجيشَ المالي يمرُّ بوضعية صعبة ولا قدرة لهُ على الاضطلاع بالمهمَّة، فإنَّ الدول المعنية، سواء تعلقَ الأمر بدول الجوار التي يحدقُ بها خطر تفاقم الوضع، أو مستعمرة الأمس فرنسا، حاولت أن تقيمَ نوعاً من التوفيق بين البحث عن حلٍّ سياسيٍّ، وفي الآن ذاته تقطعُ الطريقَ على الحركات المتشددة للسيطرة على مالِي.

 

الباحثُ في الجماعات الإسلاميَّة، أضافَ أنَّ ما سرَّعَ بالتدخل الفرنسي هوَ أنَّ الحركات الناشطة في شمال مالِي أرادتْ أن تباغتَ تشكيل القوات الإفريقيَّة، والتي كانت ستسيطرُ على مجموع البلاد لو أنها تمكنت من تنفيذ مخططاتها، الشيء الذي دفعَ فرنسا إلى التدخل وعدم انتظار تشكيل القوة الإفريقية.

 

وبشأن الانتقادات التي وجهتها بعضُ إلى الأطراف إلى الدول المغاربية، على خلفية تأييدها للتدخل الفرنسي، قال الدكتور بوقنطار إنَّ الدول المغاربية لا يمكنُ أن تقفَ مكتوفةَ الأيدِي، إذ إنَّ دولة مثل الجزائر، حاولت أن تتجنبَ حصول عملية عسكرية، لكنَّ فشل المفاوضات مع أنصار الدين، جعلهَا تقتنعُ بعدمِ وجود مكان للتفاوض.

 

ويسجلُ المتحدث نفسه عدم وجود معطيات بخصوص المساهمة المباشرة ميدانياً، ففي الوقت الراهن لا يتعدَّى ما تقومُ بها السماحَ للطائرات الفرنسيَّة باستعمال مجالها الجوي، في ظلِّ بروزِ حاجة ماسة إلى تأمين تلك الدول لحدودها، و حماية أمنها الداخلي.

 

أمَّا انعكاسات التدخل الحالي بالمنطقة على ملف النزاع حول الصحراء، فرأى الباحث أنها غيرُ واضحة، ما دامَت معالجة الملف تتمُّ داخل منظَّمة الأمم المتحدة، في الوقتِ الذي تعرفُ فيه جبهة البوليساريُو اختراقاتٍ من طرف الحركات المتشددة، بصورة تدعُو المغرب إلى استثمار الأوضاع الجديدة، لتأكيد تهافت الحديث عن إقامة دويلات قزميَّة، تشكِّلُ خطراً وعبءً على المجتمع الدولي.

17/01/2013