عند شهر أبريل من كل سنة، تكون هناك محطة لتقييم حصيلة الدبلوماسية المغربية وطريقة تدبيرها لقضية الصحراء، ذلك أن تقرير الأمين العام ألأممي يعتبر مؤشرا لقياس المغانم والمغارم على حد سواء.

 

الجديد هذه السنة، مع تقرير بان كيمون أن القضية أخذت أبعادا أكبر، ودخلت في سياق جيوستراتيجي فرضته التطورات التي عرفتها منطقة الساحل جنوب الصحراء والتهديدات الأمنية التي طالت المنطقة ولا تزال.

 

لكن، هذا التحول لم يمنع الأطراف المعنية بالنزاع من التكيف مع الإطار الجديد الذي وضعت فيه القضية، بل هذا بالتحديد ما جعل جبهة البوليساريو والجزائر تضطران بعد ضيق أفق الرهان على الورقة الحقوقية إلى تجديد وسائل الصراع بإضافة ورقة الإرهاب، والتهديد باحتمال تحول تندوف إلى بؤرة إرهابية يصعب التحكم في مآلها.

 

بلغة الحصيلة يمكن أن نرصد ثلاث نقاط إيجابية يمكن أن تتحول إلى نقطة قوة في الدبلوماسية المغربية لو تم استثمارها:

 

1- وتتعلق بتحويل مفعول ورقة الإرهاب إلى سلاح قوي يدعم أطروحة المغرب في الحكم الذاتي، إذ أن إقرار جبهة البوليساريو بعدم القدرة على التحكم في منطقة تندوف، واحتمال تسلل إرهابيين واختراق المخيم، وإن كان المقصود منه تهديد المنتظم الدولي والضغط عليه باستعمال ورقة احتمال تطرف مخيم تندوف لدفعه للسقوط في مقترح الخصوم، إلا أنه بالإمكان تحويله إلى نقطة قوة لصالح المغرب لاسيما وأن التقرير يتحدث عن إجماع دول المنطقة على جدية التهديدات الأمنية بسبب تنامي عدم الاستقرار وانعدام الأمن في المنطقة، إذ أثبتت العديد من التقارير أن سبب تنامي هذه التهديدات يرجع إلى هشاشة بعض دول المنطقة المتاخمة، بل إن التحدي الإرهابي ما كان ليتعاظم ليصل إلى ما وصل إليه في مالي لولا هشاشة الدولة هناك، مما استدعى معه التدخل العسكري الفرنسي للتخفيف من بعض آثاره. فهل ستكون البوليساريو التي عجزت عن تأمين مخيم وتحصينه من الاختراق الإرهابي قادرة على تأمين حدود دولة مترامية الأطراف في الصحراء؟

 

2- أن التقرير أقر بوجود قناعة دولية مشتركة خاصة من طرف دول الجوار بأن التهديدات الأمنية التي تحدق بالمنطقة لا يمكن مواجهتها إلا بتعاون أمني إقليمي وفتح للحدود بين الجزائر والمغرب وإعادة إحياء الاتحاد المغاربي، وتعزيز الدور التكاملي بين دوله، وهي ذات المقاربة المغربية التي طالما دافعت عنها ولم تجد من الجزائر إلا العرقلة. فالتقرير من هذه الجهة يضع الجزائر أمام مسؤوليتها ليس فقط في فتح الحدود بينها وبين المغرب وإدخال الدفئ إلا العلاقات المغربية الجزائرية، ولكن في البرهنة على جديتها في محاربة الإرهاب وتوفير متطلبات مواجهة التحديات الأمنية في المنطقة.

 

3- وتخص وضعية حقوق الإنسان في مخيم تندوف وإحصاء اللاجئين في مخيمات تندوف، إذ حمل هذا التقرير نقطة إيجابية تتعلق بمطالبة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالقيام بدراسة تسجيل اللاجئين في المخيمات وهو الأمر الذي ظلت الجزائر تماطل وتناور دون الاستجابة إليه، مما يعني أنه قد انضاف أو تأكد للمغرب مدخل آخر حقوقي في تدبير هذا الملف، ذلك المدخل الذي يؤكد من جهة عدم حياد الجزائر في هذا الملف، ويعطي إمكانية للضغط عليها للالتزام بالقرار الأممي 2044.

 

طبعا لا يمكن أن ننسى أيضا مكسبا رابعا، يتعلق بقرار تجديد مهمة المينورسو لسنة أخرى قادمة، وعدم الإشارة إلى توسيع مهامها وإدخال البعد الحقوقي ضمن اختصاصها، وهذا ما كان يطالب به المغرب، لكن في المقابل، ينبغي ألا نتغافل عن بعض النقاط في التقرير والتي يمكن أن تمثل تحديات حقيقية أمام المغرب:

 

أولها، حديث بان كيمون عن يله لبعض أشكال مراقبة حقوق الإنسان دون ذكر أي تفصيل في ذلك. وهو ما يشكل تحديدا حقيقيا بالنسبة إلى الدبلوماسية المغربية التي رفضت أن توسع مهام المينورسو في مراقبة وضعية حقوق الإنسان.

 

ثانيها، يرتبط بالخلفيات الثاوية وراء إدخال القضية ضمن أفق استراتيجي أوسع، في ظل الإقرار بالمسافة البعيدة التي تفصل الأطراف المعنية بالنزاع عن إيجاد حل سياسي عادل للقضية، وفشل الجولات المفاوضات السابقة، واعتبار منطقة الصحراء نقطة معرقلة للاندماج والتكامل والتعاون بين دول المغرب العربي.

 

المخاوف اليوم صارت أكبر من ذي قبل، إذ لم تعد ترتبط بانتهاج دبلوماسية هجومية والجاهزية في مواجهة الأوراق والمناورات التي يستعملها الخصم، وإنما صارت ترتبط بالجواب الذي يمكن أن تقدمه الدبلوماسية عن الرهانات الاستراتيجية التي يمكن أن تتبناها الدول الكبرى في حال تنامي التهديد الإرهابي وبقاء حالة الستاتيكو في تدبير الملف، خاصة وأن التدخل الفرنسي يقدم دليلا على أن هذه الدول لن تنتظر أجوبة أحد من دول المنطقة إن وصلت التهديدات الإرهابية إلى حد ضرب أو مجرد تهديد مصالحها الاستراتيجية.

بلال التليدي

 

10/04/2013