إن تكلس العقيدة العسكرية الجزائرية يأتي من اعتقادها أن قضية الصحراء جزء أساسي لإضعاف المغرب إقليميا ودوليا في سياق صراع إقليمي تخوضه الجزائر منذ سنوات لفرض هيمنة سياسية واقتصادية على المنطقة المغاربية وعلى المغرب تحديدا.

 

لقد ظلت بنية العقيدة العسكرية للجزائر تجدد نزعتها بتجاذبات نزاع الصحراء وتجعل من المغرب عدوها الاستراتيجي، ولذلك يتم يتأجل فتح الحدود بين البلدين ثم يشل حركة بناء الإتحاد المغاربي إلى حين بروز رؤية سياسية مجددة في الجزائر بفعل حراك مدني وشعبي باتت بوادره تلوح في الأفق.

 

وخلافا للتوجهات الإقليمية مغاربيا ودوليا، ترفض الجزائر فتح الحدود المغلقة مع المغرب بذرائع عديدة، تكاد لا تقنع الشركاء الأوربيين والأمريكيين لمنطقة المغاربية. إلا أنه على الرغم من ذلك تصر الجزائر على ربط مسألة فتح الحدود بقضية الصحراء، وهو ما لا يجعلها طرفا محايدا في نزاع دولي، وهي التي دأبت على التأكيد أن لا علاقة لها بالموضوع. إذ إن الدفاع المستميت للجزائر عن جبهة البوليساريو لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يكون بداعي ما تعتبر الجزائر دفاعا عن "احترام مبادئ الأمم المتحدة" بل بداعي استثمار صراع إقليمي تاريخي ضد المغرب، حتى أن الرأي العام الدولي اليوم لم يعد يتصور أي حل للنزاع في الصحراء من خارج التفاهمات المغربية جزائرية.

 

وتجدد الجزائر مبررات عدم فتح الحدود مع المغرب كلما تزايد الضغط الدولي عليها، وهي بذلك تقود حملة إعلامية تتهم المغرب بتجاهل عمليات تهريب المخدرات نحو المغرب حينا واتهامه بقيادة وسائل إعلامه الرسمية حملة اعلامية مسيئة لها.

 

إن تقييم ذرائع الجزائر الرسمية بعدم فتح حدودها مع المغرب يرجع إلى استمرار عقيدتها العسكرية المتكلسة باستمرار شيوخ من جنرالات الحرب الباردة على رأس المؤسسة العسكرية. وهي بذلك ترى أن فتح الحدود إخلال بتوازن الصراع الإقليمي ضد المغرب، وأن في ذلك دعم مغربي يقوي موقفه التفاوضي في قضية الصحراء، إن لم يكن حسم النزاع لصالحه استرتيجيا.

 

والواقع أن الوضع الجيوسياسي في الفضاء المغاربي يستشعر استراتيجية العمل على محاربة الإرهاب بأنه قدر مشترك يفرض تنسيقا مغاربيا مشتركا على أعلى مستوى لاجتثاثه من كافة منابعه الموجودة. هذا التعاون الاستراتيجي يتطلب تحييد نزاع الصحراء الدولي لصالح مسار تطبيع العلاقات بين البلدين وحل مخيمات تندوف طبقا لاتفاقية جنيف 1951.

 

وحيث إن المتغيرات الدولية والإقليمية على المستوى السياسي والإقتصادي دعت من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والمؤسسات الدولية المالية الجزائر لفتح حدودها مع المغرب لما في ذلك من فوائد تنمية على المستوى الإقليمي والدولية، فإن الجزائر لا تزال ترفض التجاوب الإيجابي مع هذه الدعوات.

 

إن مشروع تنمية المنطقة المغاربية والفضاء المتوسطي في توصيات عدد من الدراسات الإقتصادية أكدت على ضعف الدواعي السياسية والأمنية لتبرير إغلاق الحدود وعرقلة التنمية الإقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط وتقوية الواقع الأمني والتنموي في منطقة الساحل والصحراء، ولا سيما التنسيق الأمني لمحاربة الإرهاب الذي تعاني الجزائر كثيرا من تبعاته.

 

وكانت عدة مصادر قد أشارت إلى إعداد الجزائر لتقرير تضمن كل ما هو سلبي من تطبيع العلاقات الجزائرية المغربية وفتح حدودهما البرية، من ذلك تجاوز قيمة الوقود المهرب نحو المغرب لـ 42 مليون دولار خلال العام الماضي، وهو ما يكبد الاقتصاد الجزائري خسائر تتراوح شهريا ما بين 3.7 و4.2 ملايين دولار. وبذلك يكون التقرير قد تضمن ترهيبا واضحا تجاه فتح الحدود مع المغرب لارتفاع كميات محجوزات الكيف المغربي المعالج.

 

والمؤكد عمليا أن الدبلوماسية الجزائرية والتي تمتح مرجعتها من عقيدتها العسكرية المتحجرة لا تزال تربط قسرا مسألة الصراع الإقليمي في المنطقة بالعمل على حصار المغرب من الجهة الشرقية والجنوبية.

 

أسلوب العقاب الذي تفرضه الجزائر على المغرب يقابله المغرب بسياسة اليد الممدودة كأسلوب لوضع الجزائر في مواجهة المنتظم الدولي، ولتحميلها مسؤولية عدم التسريع بتطبيع العلاقات مع المغرب.

 

ولعل المغرب قد تمكن من توريط الجزائر في شرك معاكسة التوجهات الدولية والشعبية للمساهمة العملية في تنمية المنطقة المغاربية عبر التسريع بتنشيط هياكل الاتحاد المغاربي.

 

وهكذا فإن الجزائر تصر على معاكسة الاجتماع الدولي والإقليمي والشعبي بالعمل على استدعاء كل ما يضر العلاقات المغربية الجزائرية ويعرقل فتح الحدود، وتوقيف مشاريع أسس التعاون المستقبلي لتجاوز التحديات التاريخية الدولية المطروحة على البلدين، والعمل على إرجاء مباحثات التفاهم بين البلدين المعلنة قبل شهور إلى نقطة الصفر.

 

وأمام هذا الواقع السلبي للجزائر تجاه اليد الممدودة للمغرب يزيد من يأسه في رهن استراتيجيته التنموية والإقتصادية والسياسية على اتحاد المغرب العربي على الأمد المنظور، ويدفع به بالمقابل إلى الالتحاق بفضاءات اقتصادية وسياسية أهم وأقوى، ولعل ذلك ما يترجم تمسكه بمواصلة الشراكة مع الاتحاد الأوربي والعمل على تمثين علاقاته الإقتصادية والسياسية مع دول مجلس التعاون الخليجي.

عبد الفتاح الفاتحي

 

01/08/2013