لماذا يفترض بنا أن نلهث وراء الأحداث بدل أن نصنع نحن الحدث ثم نترك خطوة أو خطوات بيننا و بين الآخرين،فبين التمني و ما هو واقع بون شاسع تتحرك بينهما مصالح و مواقف و تدخلات نستطيع أن نكون فاعلين فيها لا كما يريدنا الآخرين، فمملكة أمير المؤمنين كانت دائما تستقوي بأبنائها و بمبادئها و تاريخها و مكانتها التي ناضلت من اجلها، لا تخويفا أو ترهيبا لأحد و ليست مخولة إلى تفسير و تبرير تحركاتها حفاظا على مصالحها و أمنها القومي،و من له وجهة نظر أخرى فليحتفظ بها بلا تشويش أو بلبلة. و إذ نقف استغرابا و دهشة حقيقية و نحن نقرأ نظرية أخرى في الجغرافيا السياسية بأن المغرب يحتل صحراءه،فكيف يمكن لدولة أن تستعمر شعبها و تحتل أراضيها؟؟ هذه البدعة في التاريخ لا تستقيم أمام الوثائق و الجغرافيا بخرائطها، بدعة ستشهد مزيدا من التشظي، سؤال نطرحه ردا على الناطق الرسمي باسم الخارجية الجزائرية السيد باني الذي قال في تصريح لجريدة الشروق الجزائرية عشية زيارة دولة التي قام بها رئيس الجمهورية الفرنسية فرونسوا هولاند بتاريخ 3و4 أبريل 2013 للمملكة المغربية حيث صرح عمار بلانى : أن "موقف الجزائر معروف ،وأنه ليس لديها أي ادعاء أو مطلب بشأن الصحراء الغربية وهي تسعى لتصفية استعمار حقيقي من خلال ممارسة الشعب الصحراوي لحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير".لماذا هذا المنطق المتناقض تارة تقول بان الجزائر ليست لها أي ادعاءات أو مطالب و في الجهة المقابلة تدعم جبهة البوليساريو الانفصالية و تحاول اقتناص أي فرصة للدفاع عنها باستماتة،و كان المثال الأخير في تونس بمناسبة فعاليات المنتدى الاجتماعي و تلك الهجمة الشرسة على الوفد المغربي الذي كان هناك للدفاع عن شعب اختطفته البوليساريو بمباركة الأجهزة الأمنية الجزائرية. بالعودة إلى شتنبر من العام 2005 نجد أن رئيس الوزراء الفرنسي "دومينيك دوفيلبان" يصرح على هامش زيارة رسمية له للمغرب بأنه واثق من "أن الحل السياسي هو الحل الوحيد الممكن لتسوية قضية الصحراء الغربية في إطار الأمم المتحدة" و أكد على ضرورة "تبادل الآراء بين مختلف دول المغرب العربي للتمكن من إرساء تعاون أفضل في المجال السياسي و أيضا الاقتصادي"و تصرح باريس في العام 2013بأنها " تدعم خطة الحكم الذاتي المغربية لأنها "أساس جدي وذات مصداقية" للمناقشة وتعول على "حل تفاوضي في إطار الأمم المتحدة". و هذا النهج يصب في اتجاه المسلمات الرئيسية و الأفكار الجيدة التي دأبت المملكة من اجلها في مقاربة تشاركية للقضايا الشائكة التي يفرضها التاريخ والظروف الدولية على المغرب و من ضمنها قضية الصحراء،فالواقعية تتطلب منا لعب الأوراق التي بحوزتنا في ظل المحافظة على جانب من استقلاليتنا و بناء مستقبل يرفع من الجانب الاقتصادي و الحقوقي و السياسي و الثقافي داخل المحيط الجيواستراتيجي خدمة لرؤية عاملة على الوحدة الترابية. إن الإرث الكولونيالي الذي كان من مخلفاته قضية الصحراء كمستنقع لعبت عليه و فيه أيادي حاولت تمزيق الوحدة التي دافعت عليها المملكة بكل حزم و بجميع الوسائل القانونية والسياسية السلمية،تلك الأيادي التي حاولت رهن مستقبل المغرب مع محيطه الجيواستراتيجي في خضم من المنازلات الهامشية و غير المجدية. في سياق زيارة فرنسوا هولاند للمملكة نجدها نتيجة تراكم طويل في العلاقات الثنائية بين الرباط و باريس، فلقد بحث السلطان القوي المولى إسماعيل على حليف فوجد فرنسا "لويس الرابع عشر" ،و ذلك لإدراكه التام للأوضاع السياسية الأوروبية آنذاك و لعلمه بما كان لفرنسا من التفوق على باقي الدول الأوروبية وأيضا لتحالفها مع الدولة العثمانية، فأراد أن يحد من أطماع العثمانيين و توسعهم على حساب المغرب و يوقفهم عند حدود الإيالة الجزائرية، من أجل تمتين هذه العلاقات مع فرنسا ذهب السلطان العلوي إلى حدود الرغبة في مصاهرة الملك "لويس الرابع عشر" من خلال إحدى بناته الأميرة "دي كونتي de conti"و ذلك لدواعي سياسية و عسكرية و أمنية و اقتصادية أيضا كانت و لازالت شروطها بارزة إلى الآن . من هنا نرى أن العلاقات المغربية الفرنسية ليست وليدة اليوم و المصالح المتبادلة كانت متجذرة في تاريخ البلدين قبل أن تتخللها المرحلة الاستعمارية بتداعياتها و أسبابها و نتائجها التي وجب مقاربتها بشكل أكثر انفتاحا و برغماتية و تهميشا لملوثات العلاقة،و تأتي زيارة الرئيس فرونسوا هولاند للمغرب في ظل ظرفية إقليمية و دولية غاية في التعقيد و الاشتباك اقتصاديا و أمنيا و سياسيا و اجتماعيا.فالجانب الاقتصادي سوف يكون فوق طاولة المناقشات بين الملك محمد السادس و الرئيس الاشتراكي إذا أخدنا بعين الاعتبار تشكيلة الوفد الذي يتضمن نحو ستين من رجال الأعمال الفرنسيين حيث أن الأزمة الاقتصادية التي تضرب أوروبا و منها فرنسا التي سارعت إلى البحث عن أسواق وعن منافذ جديدة لتقوية اقتصادها ولتحسين الوضعية المالية العمومية،و لتوطيد العلاقات الاقتصادية والتعاون المشترك باعتبار الشراكة الاسترتيجية بين المغرب و فرنسا استثنائية حيث صرح سفيرها شارلز فريز من أن المغرب تربطه بفرنسا "علاقة لا مثيل لها في المنطقة ، وتشكل بالنسبة إلينا حليفا استراتيجيا لا محيد عنه". في هذا السياق تعد فرنسا في مقدمة الدول التي تعرف أكبر حجم لتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، و تمثل الشريك التجاري الأول للمغرب و المستثمر الأول، و المصدر الأول في مجال السياحة حيث تمول فرنسا المغرب بنحو %40 من عائدات السياحة.إذن هذه المكاسب لابد من تطويرها و تمديدها على مستويات أشمل و أكبر خاصة بالأوراش السياسية و الثقافية و الحقوقية و الاقتصادية ،و لقد أكد فرنسوا هولاند قائلا على إن فرنسا "تدعم التوجه الديمقراطي والإصلاح الهادئ الذي قاده المغرب خلال الفترة الأخيرة". فالمغرب حسب النظرة الفرنسية وجد طريقه نحو المستقبل مقارنة مع بوصلات أخرى سارت في اتجاهات و دروب كلفتها الكثير. إن التأكيد على الشراكة الإستراتيجية بين المغرب و فرنسا لابد من أن يزيد من استثمارها بشكل أفضل و أكثر برغماتية إلى جانب المجالات الاقتصادية ضروري من تكثيف الجهود في بلورة رؤية جوهرية ثقافيا و في مجال العدالة و التكوين وتطوير بنية الشركات الفرنسية خدمةو استفادة للسوق المحلي و للعمالة المغربية.خصوصا في قطاعات الصناعات الغذائية والفلاحية، وصناعة الأدوية و قطاع الأبناك والتأمين والطاقة والبيئة والاتصالات ومواد البناء وقطاع البناء والأشغال العمومية والتوزيع وقطاع السياحة و النسيج. و لقد تم توقيع مجموعة من الاتفاقات بين المغرب و فرنسا خاصة في مجال النقل (السكك الحديدية والترامواي والمترو والخط الفائق السرعة) إضافة إلى اتفاقيات في مجال الصناعة الغذائية ومعالجة المياه والطاقات المتجددة والتعليم والبحث العلمي،و في الإطار ذاته أكد والي بنك المغرب بأن هناك عوامل مناخية وخارجية ستتحكم بتحديد نسبة النمو الاقتصادي المتوقع بأن يسجل هذا العام أكثر من4% من الناتج الإجمالي، في مقابل 2,6 %في الربع الأخير من العام الماضي، الذي شهد وضعاً مالياً صعباً إذ تخطي عجز الموازنة 7%وعجز الميزان التجاري 8,2 %.. بالرجوع إلى المنطق الذي تعمل عليه المملكة في زيادة و تعزيز خطواتها نحو المستقبل اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا و التفاهمات المجتمعية المتراكمة على مدى عقود من النضال و الممارسة،ظل مشروع الجهوية المتقدمة جزءا من الإبداع المغربي في مجال تعزيز تنوعه و الحفاظ على هويته و تميزه على المستوى الثقافي و الجغرافي و السياسي،وتعتبر القضية الصحراوية جزءا من هذا المشروع الفعال للوصول إلى استنتاجات عملية تضع الحكم الذاتي الموسع كرقم واقعي في معادلات الحل السلمي .و هذا ما أكدته كلمة الملك محمد السادس الترحيبية لفرونسوا هولاند في زيارته الرسمية للمغرب حيث قال أن:" تلكم هي الرؤية التي اعتمدناها في ورش الجهوية المتقدمة٬ ونحن واعون كل الوعي٬ بأهمية مخطط الحكم الذاتي المقترح لجهة الصحراء٬ باعتباره السبيل الوحيد لحل الخلاف الإقليمي الذي ما زال٬ مع الأسف٬ يرهن المستقبل المغاربي". فلسفة المملكة إذن تقوم على الحق و العدل في بناء المشروع المجتمعي الذي لابد من تكاثف الجهود و النية الخالصة لبلورته، و الاعتراف بأن المرحلة تتطلب الإزاحة القسرية للنظرة الإقصائية و التجزيئية و بأن السياسات الناجعة تكمن في الاستيعاب الأمثل للتاريخ و الأفكار الخلاقة بلا استلاب و إنما بالعمل على صياغة مفاهيم مريحة و متناغمة مع العصر و الهوية الوطنية. محمد بن امحمد العلوي

10/04/2013