وصل جيرهارد رولفس لأول مرة إلى المغرب سنة 1861، متنكراً في زي طبيب مسلم، وكان قد حصل على الزي، أثناء رحلته عبر الصحراء، وفي يوليو من سنة 1862 واصل جيرهارد رولفس رحلته إلى طنجة ثم إلى الدار البيضاء، ومنها إلى مراكش.

 

 وقد كان يُرافقه إسباني أعلن إسلامه، تمثل دوره في الإرشــاد من جهة، والترجمة من جهة أخرى، ولكن المرافق الإسباني لم يكن جديراً بثقة جيرهارد رولفس لأنه قام بسرقة أمواله ودابته، فأصبح مفلساً في أغادير، وانضم إلى قافلة على أمل عبور الأطلس الكبير. كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر نظراً لكون قبائل هذه المنطقة تعيش من الهجوم على القوافل، وبعد هذه الرحلة المرهقة أصيب رولفس بالحمى واضطر إلى إيقاف رحلته.

 

الفضول في اكتشاف الواحات الغامضة

 

لقد سمح فضول جيرهارد رولفس وإقامته لمدة سنتين باكتشاف واحات غامضة في عدد من المدن المغربية، كما أنه كان يُقدم نفسه دائماً بصفته طبيباً، فتم تعيينه لاحقاً طبيب بلاط سلطان المغرب، ونظراً لشغفه الكبير بالسفر والتنقل عبر القارات، قام برحلات داخل المغرب والصحراء الغربية كلها، ممـا أكسبه شهرة كبيرة، فتحت له أبواب المجــال السياسي فعُين سنة 1867 مترجماً فورياً لملك بروسيا، كما شارك في الحملة البريطانية إلى الحبشة، وفي السنة نفسها تم إرسال جيرهارد رولفس مع بعثة للعائلة المالكة البروسية إلى "برقة" وكان "رولفس" هو الداعم الأساس لهذه البعثة.

 

وقد خالجت جيرهارد رولفس فكرة العبور من هناك إلى واحة "درعة" والتي لم يكن قد سبق لأوروبي أن زارها، فانتقل منها بعد ذلك إلى واحة "تافيلالت" ومن المعلوم أن الفرنسي رينيه كايي كان الأوروبي الوحيـــد الذي زار الواحــة قبله.

 

عشر سنوات غائباً عن بيته

 

عند إكماله لرحلته تعرض جيرهارد رولفس لهجوم من قبل البدو، فأصيب بجروح بليغــة، لكنه نجا واستضافه بعض المغاربة لعدة أشهر، حتى استعاد عافيته فعاد إلى الساحل سنة 1863 مما اضطره إلى تغيير خططه والعودة إلى "طرابلس" مروراً بـ "غدامس" عند ساحل البحر الأبيض المتوسط، فعاد جيرهارد رولفس إلى ألمانيا في يناير 1865 بعد أن كان قد غادر منزله لحوالي عشر سنوات، واجتمع مع رسام الخرائط غوتهير كاتوغراف فكــان لهذا اللقاء نتائج إيجابية.

 

بعد إقامة قصيرة في أوروبا قرر جيرهارد رولفس السفر مرة أخرى إلى طرابلس، ولكن هذه المرة بشكل رسمي كرجل داعم لبعثة أوروبية للتنقيب، وذلك بهدف استكشاف المنطقة. من هناك انتقل إلى "تمبكتو" ولكن في طريق العودة وبالضبط في "غدامس" اضطر إلى تغيير خططه بسبب تصرفات معادية للطوارق، وقد استقبله السلطان "عمر" في ذلك الوقت بأذرع مفتوحة، حيث كان قد استضاف قبل 15 عاماً من ذلك رحالة ألمانياً آخر هو هاينريش بارت، وفي تلك الفترة كانت المملكة لا تستخلص الضرائب، فشكل هذا الوضع أمراً إيجابياً للغاية بالنسبة له.

 

أول من قهر الصحراء الواسعة

 

ظل رولفس خمسة أشهر في "برنو" واستكشف بحيرة "تشاد"، ثم بمساعدة وتحت حراسة من سلطان "برنو" وصل مباشرة إلى منطقة "بينو" ثم اتجه إلى الأسفل نحو"النيجر"، وفي مايو من سنة 1867 وصل إلى "لاغوس" بخليج غينيا.

كانت هذه المسافة الطويلة، والتي عبر خلالها الصحراء بأكملها صار هذا الرحالة أول الأوروبيين الذي قطعـوا هذا المسار من دون أن يفقدوا حياتهم. كتب غيرهارد رولفس 1865 قائلاً: "في طباع أهل فزان تتبين أنهم شعب طيب ومستقيم، وداخل منطقة فزان يشعر المرء بالأمان من قطاع الطرق واللصوص، وفي وسع المرء أن يدع في وسط المنطقة أهلــه وأغراضه من دون حراسة، ومن دون أن يكترث لاحتمال أن تسرق.. فأبنــاء فــزان لا يسرقون مطلقاً".

 

ظلت رحلات "ليون الإفريقي" واحدة من المصادر الرئيسة والأكثر أهمية التي اعتمدها العديد من الرحالة ومن بينهم جيرهارد رولفس وأوسكــار لينز ومالتزان.

 

قدم المغــرب مساعدة كبيرة إلى الرحالة الألماني الذي أقام في المغرب، بين سنة 1861و1864 والذي كان في جعبته توصية من السلطان المغربي شخصياً.

 

أبرز الرحالة الألمان وأشهرهم

 

تُعتبر رحلة جيرهارد رولفس من البحر الأبيض المتوسط إلى ساحل غرب إفريقيا كثاني رحلة أوروبية، ذلك أن ديفيد ليفينغستون الإنجليزي قام بالرحلة نفسها في المرة الأولى، عندما كان في الجزائر سنة 1860 بعد تركه للجيش الذي كان جندياً به.

خلف الرحالة الألماني جيرهارد رولفس وراءه عدداً لابأس به من الرحلات، وبذلك يُعتبر واحداً من أبرز رحالة ألمانيا وأشهرهم في العالم، وقد لاقت رحلاته إلى إفريقيا والمغــرب إعجاباً دولياً واسعاً، ومن المعلـوم أنه احتفظ بتجاربه وأفكاره خلال السفر، ونُشــرت بعد ذلك على شكل كتاب، وإذا ألقينــا نظرة على رحلات جيرهارد رولفس يُمكن ملاحظة - من خلال ما جاء فيها - أن التــراث الثقافي المغربي يتميز بالتنوع والغنى، فقد جمع رولفــس للقارئ العــام والمختص دراسة شاملة، وبذلك أمكــن القول بشكل قاطع أنه ترك آثاراً عميقــة في تاريخ أدب الرحلة، وطبع هذا الأدب ببصمته الخاصة، وهذا ما جعل الرايــخ الألماني يولــي تقديراً كبيراً لهـذه المساهمة الإيجابية فمنـــح رولفس أوسمة عدة، كما أن مؤلفاته ساعدت على توسيع العلاقات الدبلوماسية، وتعزيز موقف ألمانيا في إفريقيا بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة، وبذلك استحق رولفس أن يكون أول الرحالة الأوروبيين الذين سافروا إلى واحات "تافيلالت" و"توات" و"تديكلت".

 

وجدير بالذكر هنا أن جيرهارد رولفس بالرغم من تعليمه وتكوينه المتواضعين، فقد ظل بالتوازي مع الرحالة الفرنسيين رينيه كايي وهنري دويفيري واحداً من أهم الرحالة المكتشفــين للصحــراء خلال القرن 19، والذين ذاع صيتهم شرقاً وغرباً.

 

من دراسة الطب إلى اكتشاف «تمبكتو» الأسطورية

 

جيرهارد رولفس اسمه الحقيقي فريدريك جيرهارد رولفس، وُلد في 14 أبريل من سنة 1831 بمدينة "فيجساك" في منطقة بريمن الحرة، وتُوفيّ في 2 يونيو من سنة 1896. وهو واحد من أشهر الرحالة الألمان إلى إفريقيا، وهو الابن الثالث لأسرته، وقد رفض اقتراح والديه بدراسة الطب، فقرر ترك المدرسة في "سيلي" وهو في الـ 17 من عمره، وجعل خياره الأول المشاركة في كتيبة "بريمن"، بعد ذلك شغل منصب رقيب في جيش "شليسفيغ هولشتاين" في يوليو 1850 في معركة "أديستيد".

 

 

وقد تمت ترقيته بفضل شجاعته الكبيرة في ساحة المعركة إلى ملازم أول، لكن لسوء الحظ، أدت الهزيمة ضد الدنمارك إلى تفكك الجيش، وبعد عودته من الجيش أراد رولفس تحقيق رغبة والديه، فذهب سنة 1852 إلى فورتسبورغ والتحق سنة 1853 بجامعة "غوتنغن"، لكن بعدما بدأ رولفس" دراسته سرعان ما فقد فضوله واهتمامه بالطب، فقد كان حلمه الكبير دائماً زيارة واحة "تمبكتو" الأسطورية، لكن محاولته الأولى باءت بالفشل، وبالرغم من ذلك فقد وصل إلى الأطلس الكبير، حيث هوجم هناك وهددت حياته، وبعد مرور بعض الوقت قام رولفس بمحاولة جديدة للعودة إلى "تمبكتو". وظل أول الرحالة الأوروبيين الذين سافروا إلى تلك الواحات.

21/07/2013