حريم الإعلام والسياسة ..ضيع الصحراء

لا شك أن "الأزمة" الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كانت اختبارا حقيقيا للمغرب، رغم أنها لم تصل إلى درجة كبيرة من التعقيد أو التصعيد، بدليل أنها انتهت فجأة كما ابتدأت فجأة.

 

لنترك المنتشين بهذا "النصر المبين" يملأون الدنيا ضجيجا وصخبا، ولنحمد الله لأن الكابوس الأمريكي لم يصل إلى نهايته، وإلا لكنا اليوم في وضع لا يسر عدوا ولا صديقا.

وأظن أن هذه "الأزمة" يفترض أنها فتحت أعين صناع القرار بتجربة عملية على أن رمال السياسة الدولية تتحرك في جميع الاتجاهات، وبشكل غير متوقع، وأنه لابد من النزول إلى الأرض بدل الاستمرار في إطلاق الكذبة وتصديقها.

 

فمن المسلم به أنه لو تمسك الأمريكان بما أرادوا، لما وقف في طريقهم أحد.

 

ففرنسا التي كان بعض ساستنا وسياسيينا ومحللينا يراهنون على أنها قد تستعمل حقها في النقض للدفاع عنا، غاب عنهم أن الحكومة الفرنسية الاشتراكية -مهما بلغ شغفها بالمغرب والمغاربة- لم تكن لتواجه الرأي العام الفرنسي بموقف من هذا النوع، وفي مجال حقوق الإنسان تحديدا، بل إن هؤلاء لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء البحث في أرشيف مجلس الأمن ليستقرؤوا الأرقام: كم مرة استعملت فرنسا حق النقض؟ ولماذا؟

 

أما روسيا والصين، فلا ندري ما مدى صحة ما راج عن رفضهما للمقترح الأمريكي، والحال أن مواقف المغرب معادية لمصالحهما على طول الخط، وخاصة في الملف السوري المشتعل لحد الآن؟

 

وفي المجمل، فإن الهزة الأخيرة، يفترض أن تكون أيقظت بعض النائمين، من الأحلام الوردية التي قد تتحول إلى كوابيس في غاية الخطورة.

 

ولاشكأن هناك دروسا كثيرة ينبغي استخلاصها مما حدث حتى لا نجد أنفسنا أمام سيناريو مماثل في مستقبل قريب، قد لا تكون نهايته "سعيدة" بالضرورة.

 

من أول هذه الدروس، الاعتراف بأن المغرب خسر المواجهة على الجبهة الإعلامية، لأن الأسلوب المعتمد مازال رهين تسويق القضية داخليا، مع أننا في زمن ثورة الصورة، بل في عصر يمكن فيه للكاميرا أن تشعل حربا وأن تنهيها، دون إسالة قطرة دم واحدة.

 

لقد كانت القناة الثانية الأكثر تأهيلا-نظريا- للعب دور ما في هذا المجال، بحكم أنها تأسست بطابع "دولي"، لكن الجميع لاحظ أن "السيدة الأولى" داخل القناة منشغلة بممارسة المعارضة نيابة عن الأحزاب التي أوكل إليها الدستور هذا الدور، بل أكثر من ذلك لقد ارتكبت خلال إحدى الحلقات الأخيرة لبرنامج "مباشرة معكم" جريمة يعاقب عليها القانون تتمثل في زعزعة الروح المعنوية لشعب بأكمله، بما أن الصورة التي تم تقديمها عن الوضع الاقتصادي من شأنها تشجيع العدو الخارجي على مزيد من الضغط، بما أن التلفزة العمومية أكدت صراحة بأن المغرب سائر نحو الإفلاس والفشل.

 

ولا أدري ما إذا كان صناع القرار في المغرب يدركون حجم الجرائم التي ترتكبها التلفزة العمومية في حق المصالح العليا للوطن، أم أنهم يصدقون فقط خطابات المديح والنفاق التي تروجها؟

 

فهل يعقل ألا تتوفر مثلا صور للأقاليم الجنوبية تظهر حجم التطور الذي عرفته منذ استرجاعها؟ وهل من المقبول أنك عندما تكتب كلمة "العيون" مثلا في أي محرك من محركات البحث على شبكة الأنترنيت لا تجد سوى مقاطع الفيديو التي توحي بوجود حرب شوارع يومية بين قوات الأمن والانفصاليين؟

 

لا أبالغ إذا قلت إن المغرب خسر حرب الصورة، ليس لأن الطرف الآخر يملك قدرات خارقة، بل لأن الإعلام العمومي منشغل بحرب "مقدسة" تستهدف الحكومة المنتخبة..وهل هناك إعلام عمومي في العالم يمكن أن تخرج إحدى المسؤولات عنه لتقول على صفحات الجرائد إنها صديقة رئيس الدولة وصديقة أصدقائه، وإنها بالمرصاد لرئيس الحكومة لأن سحنته لا تعجبها؟

 

أليس غريبا أن أجمل اللقطات والمشاهد التي تظهر جمال المغرب "من فوق" هي تلك التي التقطها مصورون أجانب خلال تغطيتهم لراليات أو بمناسبة إعداد برامج وثائقية، في الوقت الذي تخصص فيه مصورو ومخرجو التلفزيون العمومي في تصوير الأعراس الشعبية الأسبوعية التي تعرض نهاية كل أسبوع؟

 

ليس هناك انطباع عام في الخارج بأن حواضر الصحراء لا تختلف في شيء عن مخيمات تيندوف لأن الإعلام العمومي عندنا لا يجتهد حتى للقيام بالحد الأدنى المطلوب منه في نقل الواقع كما هو؟

 

وصلة بهذا، ماذا قدم الفنانون للقضية الوطنية؟

 

لن أتوسع في هذه النقطة لأن الحصيلة صفر بحجم الكرة الأرضية، ولكن لنتوقف قليلا عند الدراما والسينما.

 

ما يهمني هنا هو أن تلفزيونات الدولة تنتج سنويا العديد من المسلسلات، التي إضافة إلى تفاهتها، تحصر المغرب، كل المغرب في محور الغرب - الشاوية، حتى أن اللهجة الدكالية أصحبت "اللغة الرسمية" للتلفزيون، وكأن قصص الحب والمشاكل الاجتماعية لا تقع سوى في هذه المناطق.

 

ألم يكن الأحرى التركيز على الأقاليم الجنوبية ففي مورثها الثقافي الكثير والكثير مما يمكن استلهامه عند كتابة السيناريوهات؟

 

ألا تعد الصحراء في كل بقاع العالم مسرح أروع قصص الحب والبطولة؟

 

ألا نشاهد كيف أن المسلسلات المكسيكية نجحت بتقنيات "الكارت بوسطال" في إعطاء صورة غير الصورة الحقيقية، حتى صدق البعض أن مدن هذه الدولة تنافس في فخامتها ميامي الأمريكية؟

 

ألم تنجح المسلسلات التركية في تكرار "الغزو" العثماني عبر التلفزة وليس اعتمادا على الانكشارية، حتى ان فيلا مهند تحولت إلى مزار للسياح الجزائريين؟

 

ولماذا تعمل المسلسلات المغربية على حصر المغرب المتعدد والمتنوع في حيز جغرافي ضيق؟

 

أليس الاجدى تخصيص الكاميرا الخفية لفضح مناورات الانفصاليين بدل إثارة اعصاب المواطنين؟

 

أما السينما فتلك كارثة أخرى، لأن الكليشيهات المعتادة تتمثل في استعمال"بيران" الدار البيضاء كموقع دائم للتصوير، واللجوء إلى قاموس الزنقة وحوارات سكارى آخر الليل مع عاهرات الدرجة الثالثة، كمحور وحيد لـ"الإبداع".

 

بطبيعة الحال لا يمكن محاسبة "المخرجين" الذين يحصلون على مئات الملايين دون عناء، لكن هل يمكن غض الطرف عن دور الحكومة في هذا المجال؟

 

هل من حق الحكومة صرف الملايير من أجل ضمان الشغل لمخرجين عاطلين لا يمكن أن يسمح لهم حتى بكنس دور السينما في البلدان التي تحترم المعايير الفنية؟ ولماذا لا يتفجر إبداع هؤلاء إلا في الحانات والمواخير وعبر مشاهد الانحراف الجنسي والسلوكي؟ وهل بكشف السيقان والحديث عن "ديالها" تتحقق رسالة الفن؟

 

لنطو هذا كله، ولنفتح الملف الأهم، حيث أصبحت أميناتو حيدر الزعيمة الملهمة للانفصاليين.

 

لنقفز على الأخطاء التي حولت هذه السيدة من نكرة إلى نجمة في الوسط الحقوقي الدولي، ولنقف فقط عند السؤالين التاليين:

 

هل فشل المغرب طيلة قرابة أربعين سنة في تكوين جيل من الصحراويين الوحدويين المؤهلين لمواجهة خطاب الانفصال؟

 

وأين "الحريم السياسي" الذي أصبح له شأن عظيم في العهد الجديد؟

 

بالنسبة للسؤال الأول، أكتفي بالقول إنه من المؤكد أن الفشل كان مدويا، لأنه لا توجد اليوم شخصية نسائية صحراوية قادرة على مواجهة حيدر في الشارع..وأترك البحث عن الأسباب والمسببات لمن بيدهم الأمر.

 

أما بالنسبة للسؤال الثاني، فأستطيع الجزم بأن هذا ما جنته الكوطا على المرأة في المغرب، وهذه نتيجة منطقية لرفع شعارات لا تتماشى مع الواقع على الأرض.

 

لقد فضل حريم الأحزاب أقصر الطرق إلى دائرة الضوء بدل النضال على المدى البعيد، فكان نظام الكوطا الجسر الذي أوصل المرأة بكثافة إلى البرلمان، دون التأكد مما إذا كانت مؤهلة لذلك أم لا؟ لأن المطلوب كان هو الأرقام والمعدلات والنسب.

 

وكما هو واضح للعيان، فإن هذا الجيش من الحريم لم يقدم أية قيمة مضافة للسياسة بل أصبح عبئا عليها في كثير من الأحيان، وجاء الدستور الجديد ليطلق رصاصة الرحمة بعد تنصيصه على "المناصفة" التي فتحت شهية "الحريم الحزبي" على الغنائم، فصرنا نصبح ونمسي على مطالب لا تنتهي حول ضرورة تقاسم المناصب بمنطق "فيفتي فيفتي"، وهو أمر غير موجود لا في فرنسا ولا في بريطانيا ولا حتى ألمانيا التي تطالب نساؤها بالثلث فقط..

 

فهل نستغرب إذا انشغل الحريم السياسي عندنا بمعارك هامشية تدور كلها حول مواضيع تمس بالهوية والقيم المجتمعية، وإلا فلماذا اختفت صاحبة "دار الحكمة" مثلا من الواجهة حينما كانت "اميناتو حيدر" تجوب شوارع العيون لإيقاد الفتن؟

 

إنها نتيجة حتمية لمنطق "المنحة" ..وماذا ننتظر من اللواتي وصلن إلى البرلمان وما فوقه ما تحته دون عناء أو جهد، ولكن اعتمادا على الكوطا التي هي مجرد ركوب على أكتاف "مشلغمي" الأحزاب الذين عليهم حصد الأصوات وتصريفها كمقاعد باردة للهوانم؟

 

إن ملف القضية الوطنية ليس له طابع ديبلوماسي أو عسكري أو أمني فقط، بل هناك جبهات أخرى يبدو أنها هي التي ستحسم المواجهة، لكن الاستعلاء والغرور يدفع بعض صناع القرار إلى استصغارها و"التعفف" عن خوضها، والحال أن الشيطان يكمن في التفاصيل...

مولاي التهامي بهطاط

http://facebook.com/my.bahtat