ثمة من يسعى للتدخل في ملف الصحراء دون أن يمتلك الحد الأدنى من الخلفية التاريخية للموضوع، أو أن يكون مدفوعا بتحيز مسبق. الأخطر هو أن يكون المبعوث الدولي نفسه منحازا.

تأتي جولة كريستوفر روس مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للصحراء المغربية تحضيرا لجولة أخرى من المفاوضات في هذه القضية الحساسة تحت عنوان بارز وخطير حسب تصريح روس نفسه في ندوة صحافية هو أن "الوضع في منطقة الساحل والمناطق المجاورة يجعل مسألة إيجاد حل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى". نرى إذن أنه وجب مقاربة الموضوع في إطار التطورات الجديدة المتعلقة بالصراع في شمال مالي والإحداثيات السياسية والأمنية المستحدثة والمستحكمة في هذا الأمر، ومن ثم تطويع وإبداع أساليب مبتكرة في إخراج عملية التفاوض من نمطيتها وتقديم تصورات واقعية مبنية على وضوح الرؤية واستطلاع الآراء المهتمة بلا تحيز ولا إقصاء لطرف على حساب الآخر، وصياغة أفكار تعتمد على الفعالية والتعمق في موضوع الصحراء وتاريخ القضية في إطار شامل ومراعي للسياقات التاريخية والراهن من الظروف.

 

التواصل مع الأطراف جميعها شيء نراه محمودا لكن عندما تكون هذه الأطراف لا تتعلق بأجندات وتدخلات تساهم في عرقلة المساعي الداعية للحل الأفضل والواقعي لقضية لها تشابكاتها وامتداداتها، إذ أن هذا النزاع ومساراته التاريخية والأحداث السياسية التي واكبته يتطلب الإلمام الكافي والمستفيض من المتدخلين وغربلة معلوماتهم حتى تنتظم لديهم الحجة الواقعية والرؤية الصالحة للحل الأمثل بدل الارتكاز على تاريخ فضفاض يترك فجوات تكون نتائجها أكثر طوباوية، عندما تقحم بعض الفئات المشوشة ملف حقوق الإنسان في نزاع يعتبر تاريخيا من بقايا الملف الاستعماري وساهمت في تعميقه دول آخر ما يمكن التحدث فيه وعليه هو القضايا الإنسانية والحقوقية. على الرغم من أن المغرب تعاطى مع ملف حقوق الإنسان بشكل إيجابي ومسؤول واعترف بأحقية المنظمات الحقوقية المغربية في مباشرته وعمل على دسترتها، انطلاقا من الفصل 161 من الدستور الذي يؤكد على أن "المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال". هذا الفصل يأتي نتيجة تراكمات ونضالات مستمرة وشاقة منذ إحداثه سنة 1990 وقبل هذه الولادة كرصيد مهم يخدم الإقلاع بالحقوق والحريات وتسوية ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتحقيق الأهداف المرجوة في مجال العدالة الانتقالية.

 

هذا جانب. أما مسألة تجديد مهمة بعثة المينورسو إلى الصحراء، والتي تسهر على احترام تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو منذ عام 1991، ضروري التطرق إليها من خلال المستجد في ملف علاقات جبهة البوليساريو بالقاعدة والتهديدات المتنوعة التي تشكلها على أمن المنطقة ككل وارتباط أعمال هذه البعثة بالسياق الدولي والإقليمي الذي يحيط بالقضية، ومجالات التعاون الإقليمي ومن ضمنها الإطاران المهمان "الاتحاد المغاربي" و"الاتحاد الإفريقي" وحدها الكفيلة لمجابهة تحديات الأمن والاستقرار المترابطة التي تواجه المنطقة ومن ضمنها سيادة الدول ووحدتها الترابية.

 

عندما يتحدث الكثير عن المفاوضات التي لم تنته إلى حل توافقي وواقعي مبني على العدل والعقل، نجد حسب المتابعة بلا أدنى تحفظ أنه كان هناك من يحاول المقامرة في هذه القضية المصيرية التي تهم شعب له حضارة وتاريخ وذلك فقط للتخلص من الملل والشعور بالانجاز حيث تؤكد نظرية "البحث عن الإثارة " أن المقامر المرضي يكون مستمتعا بالمخاطرة بامتيازاته المادية والمعنوية والتاريخية على الرغم من عدم التأكد من النتائج سوى تحقيقه لشعور نفسي بالإثارة والتشويق واللذة، ونرى أن دخولهم أو توجيهاتهم للمفاوضات قد أقيمت حول هذا السعر السيكولوجي فقط، وهنا تكون النتيجة أن يجد هؤلاء أن الصفقة فشلت لفشلهم في التخلي عن النظرة التجزيئية غير الشمولية وغير العادلة. نقترح على مَن سيدخلون المفاوضات الجديدة ضرورة أن يحملوا توقعات عالية وأهداف محددة ومتماشية مع الحق غير التقسيمي الذي يميل إليه أعداء الوحدة الترابية للمملكة، وذلك من أجل الخروج من المفاوضات بنتائج أفضل والمغرب قد أتم كتابة أهدافه التفاوضية مبنية على طلبات معقولة ومتسقة مع صدق دعواه.

 

إن تعقيدات ملف الصحراء وتحديات المنطقة المتداخلة لا يمكن أن ينظر إليها إلا من خلال بوابة الحل السلمي والعادل لهذا الملف، على الرغم من أن كل المتدخلين فيه ينظر إليه من زاوية مصالحه وما يمكن أن يستفيده وهذا يمكن أن يمثل عائقا أمام عملية التفاوض.و نجد أن هناك ثلاثة عوامل تجعل من الصعب تغيير وجهات نظر الآخرين والمتمثلة في:

 

-1- أن المتدخلين يميلون إلى رؤية قضية الصحراء من منظورهم الخاص بعيدا عن أي خلفية تاريخية ولا اعتبار للجغرافيا والتركيبة البشرية وأيضا الإطارات القانونية التي حكمت المنطقة والناس منذ زمن بعيد، ومحاولاتهم المستميتة في ربط ملفات جانبية لا علاقة لها بهذه القضية بشكل مباشر.

 

-2- هناك من المتدخلين من يميل بطبيعته إلى التنافس غير الشريف ووضع مصالحهم الضيقة والآنية في المرتبة الأولى دون تشخيص متبصر للواقع الدولي والاقليمي المتغير.

 

-3- إخفاق المتدخلين في صياغة واقعية وعادلة وموضوعية للأهداف المشتركة التي تخدم الجميع.

 

بالرجوع إلى المبعوث الأممي كريستوفر روس نتساءل في خضم جولته الحالية في المنطقة التي تمتد إلى الثالث من أبريل 2013 عما في جعبته للتقدم عن طريق الحل الأمثل الذي يرضي الجميع؟ وما هي أفضل السبل الكفيلة بدفع مسار المفاوضات حسب وجهة نظره؟ فهو واع بمشروع الحكم الذاتي الموسع كحل لإنهاء النزاع الذي يقدمه المغرب والذي ترفضه جبهة البوليساريو والمدافعين عن أطروحاتها، لكن تساؤلنا الاستراتيجي هو هل من الممكن أن يحمل المبعوث رؤيتين متناقضتين للحل في رحلة بحثه عن الآليات القمينة بتسريع ظروف تحقيقه على ارض الواقع؟ فكريستوفر روس شارك في نشاط نظم يوم الثلاثاء 5-3-2013 حول حقوق الإنسان في الصحراء وذلك بمقر الأمم المتحدة وتحت إشراف كل من جنوب إفريقيا، موزنبيق وزيمبابوي وبالتنسيق مع مركز روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان، خصص للترويج لأطروحة البوليساريو بحضور الانفصالية أمينتو حيدر التي اعترفت مؤخرا بأنها حالة شاذة ضمن عائلتها بتبنيها مشروعا مخالف لأفراد تلك العائلة، والإسباني خافيير بارديم المتحيز بشكل فاضح للانفصاليين والذي قام بإنتاج فيلم عن البوليساريو مع ما يمكن أن يُلَاَحَظْ على هذا الفيلم من ضحالة الاطلاع على تاريخ وأدبيات الصراع وتجاهل واضح للجهود الايجابية والمتميزة في مجالات عدة للمملكة على أرضها وفي سبيل رفاه شعبها .

 

أما حضور المبعوث الأممي لهذا اللقاء فلا يستقيم مع طبيعة وحدود مهمة وضعه كوسيط والذي من المفترض أن يكون محايدا. فقد استقبله المغرب وأجرى محادثات مع المسؤولين على كافة المستويات التنفيذية والتشريعية والحقوقية تماشيا مع حسن النية التي غلبت على تعامل المملكة مع هذا الملف ومحاولاتها الدائمة للمضي قدما في البحث عن أحسن الوسائل للتواصل وكسب ميزة تحقيق التوازن بين الحاجات الضرورية للاستقرار والأمن، والمخاوف من إطالة أمد هذه القضية الذي لن يخدم الإنسان المغربي فوق رقعته الجغرافية. كل هذا من أجل الوصول إلى نتيجة إيجابية في عملية التفاوض التي من المفروض أن تتضمن البحث عن حل مبتكر للمشكلة، خصوصا عندما نرى أن جبهة البوليساريو تتشبث بإجراء استفتاء من أجل تقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة. لكن حتى هذه الدعوة نعتبرها تخديرا للمنتظم الدولي ومنظماته الإنسانية والمهتمة بحقوق الإنسان، حيث أن المفوض السامي لشؤون اللاجئين كان قد دعا مرارا الجزائر والبوليساريو إلى إجراء إحصاء دقيق لساكنة المخيمات لكن لازال الرفض يواجه طلب المفوضية العليا للاجئين٬ كما أكد على ذلك قرار مجلس الأمن 2044 المؤرخ في 24 أبريل 2012 حول نزاع الصحراء.

 

بيتر فان فالسوم المبعوث السابق للأمين العام للأمم المتحدة أشرف على مسار مفاوضات الحل السياسي في جولاتها الأربع، طبقا لقراري مجلس الأمن 1754 و1783، وكان قد أعطى خريطة طريق لمن سيأتي من بعده تتمثل في أن يتم التفاوض مستقبلا بشكل حقيقي وبدون شروط مسبقة، وتحت عنوان بارز وهو لا استفتاء مؤدي إلى الاستقلال كخيار، فالسيادة للمركز شيء وجب أن يكون أساسيا في أي صيغة قانونية أو سياسية تؤطر مهمة روس وفق ما أسماه "الدبلوماسية المكوكية" فمن هو الجانب الرابح هنا؟ لاشك أنها منهجية العدل والحق، ولأن واقع حال جبهة البوليساريو، التي اختطفت شعبا وغررت به وباعت آماله في سوق المزايدات الإيديولوجية والمصلحية بعيدا عن الحق في الإنتماء والوجود، واقع حالها مضغوط بالتغيرات الحاصلة في خرائط العالم السياسية والاقتصادية والأمنية بعد 2011 وكذا اختياراتها غير الموفقة في الانحياز إلى الجهة الداعية لإبقاء الوضع كما هو عليه، ونقول كحكمة مستقاة من واقع كان تفاديه ممكنا وبدون تشويه لقراءة التاريخ، "ضعها في الغسالة سوف تعود كما كانت".

 

محمد بن امحمد العلوي

31/03/2013