هناك حاجة إلى قراءة دلالات الرد العنيف الذي ردت به الجزائر على تصريحات رئيس الحكومة المغربية، وسبب اقتصاره على قضية الصحراء دون قضية أزمة مالي. إذ ليست هذه المرة الأولى التي يدلي فيها رئيس الحكومة، بل عدد من المسؤولين المغاربة من قبله، وعلى مدى ثلاثة عقود من الزمن، بأن قضية الصحراء لن تجد حلها إلا عبر حوار مباشر بين المغرب والجزائر، وأن الجزائر، حتى ولو تنكرت لذلك، تعتبر طرفا أساسيا في النزاع، وليست كما تزعم طرفا "يشجع الطرفين على إيجاد حل في كنف احترام الشرعية الدولية". 

فما الذي استجد في تقديرات الدبلوماسية الجزائرية حتى ترد هذا الرد العنيف وتتهم من خلالها الرؤية المغربية بالسطحية وعدم العمق والافتعال والخداع، وغيرها من المفردات التي تعكس توتر الموقف الجزائري وانزعاجه من مواقف مغربية اعتاد لأزيد من ثلاثين سنة على سماعها؟ وما الذي جعل الجزائر تقتصر في الرد على قضية الصحراء دون الإشارة بكلمة واحدة إلى انتقادات رئيس الحكومة للتدبير الجزائري الانفرادي لملف لأزمة في مالي قبل التدخل العسكري الفرنسي؟ 

ومع أن المسألتين مختلفتين تماما، إلا أن الجواب عنهما واحد، إذ أن الذي يوحدهما هو التوقيت الذي يأخذ هنا وجهين: التوقيت بالنظر إلى التطورات الداخلية التي تعيشها الجزائر، والتوقيت بالنظر إلى التطورات الخارجية. 

أما بالنظر إلى الاعتبار الداخلي، فإن أكبر رهان تعيشه الجزائر هذه الأيام، هو تحدي الانتخابات الرئاسية وقضية التعديل الدستوري وتوقيته، وهل يأتي قبل الانتخابات أم بعدها، وبالضبط القضية الجوهرية في هذا التعديل والمرتبطة بتحديد ولايات رئيس الدولة..

أما بالنظر إلى التطورات الخارجية، فيرتبط الأمر، بالخلاصات التي تم التوصل إليها في مالي بعد التدخل العسكري الفرنسي، ومسؤولية الجزائر القبلية والبعدية في تعقيد الوضع الأمني من خلال علاقاتها بأطراف النزاع، وموقع جبهة البوليساريو في هذه المعادلة.

ولذلك، حرصت الجزائر في ردها العنيف على الاقتصار على قضية الصحراء دون قضية مالي، واختارت أن تصعد اللهجة ضد المغرب حتى تخلق حالة تحدي خارجي (مغربي) يستهدف الجزائر، تبرر بها الحاجة إلى وجود رئيس قوي قادر على مواجهته لإبطال مطالب المعارضة السياسية بتحديد ولايات الرئيس في الدستور الجزائري القادم، أو لتسويغ تقديم الانتخابات الرئاسية على التعديل الدستوري. ولعل هذا ما يفسر عودة الجزائر إلى استعمال أسلوبها البومديني التقليدي باستعادة أسطوانة تصفية الاستعمار، والحديث عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، مع أن الدبلوماسية الجزائرية تفهم جيدا أن الحكم الذاتي يعتبر شكلا من أشكال تقرير المصير، وأن منظومة الأمم المتحدة لا تعتبر الاستقلال الشكل الوحيد لتقرير المصير، بل إن رفع حالة التحدي وصلت ذروتها مع استثمار الحدث وبعث الرئيس الجزائري رسالة إلى الأمين العام لجبهة "البوليساريو" بمناسبة الاحتفال بالذكرى 37 لإعلان الجمهورية الوهمية يؤكد فيها أن الجزائر لن تدخر جهداً في مساعدة الشعب الصحراوي على ممارسة حقه في تقرير المصير!

الخلاصة، أن الجزائر التي اعتادت أن تسمع الموقف المغربي بشتى اللغات، الحادة واللطيفة، وجدت اليوم في تصريحات رئيس الحكومة المغربي الذريعة التي كانت تفتقدها لتوظيفها في السجال السياسي الداخلي، لتقوية مواقع الرافضين لتعديل المادة 74 من الدستور التي تخص تحديد ولايات رئيس الدولة، حتى يتمكن السيد بوتفليقة ضمان ولاية جديدة في الرئاسة، وذلك ضدا على مطالب المعارضة السياسية وضدا على منطق التحولات السياسية التي عاشها العالم العربي مع ربيع الشعوب.

ولذلك، اختارت الجزائر عدم الرد بخصوص قضية مالي، لأن المستهدف من ردها سيكون أكثر من طرف ربما يتقاسمون وجهة نظر السيد رئيس الحكومة المغربية لاسيما بعد التعقيد الأمني الذي وصلت إليه الأزمة بعد التدخل العسكري الفرنسي، وبعد مواقف معاكسة للمنطق الدولي والإفريقي في المنطقة، أبدتها بعض أطراف النزاع مثل حركة أزواد التي هددت باستئناف الحرب على الجيش المالي، مما قد يفيد بأن الجزائر التي كانت تحتفظ بعلاقات متينة مع أطراف النزاع في مالي قبل التدخل العسكري الفرنسي، لا يستبعد أن يكون لها يد في تعقيد الملف الأمني أو على الأقل كانت تعمل على اختلاق الأوضاع التي تجعلها ماسكة بكل الخيوط، ضامنة بذلك أن الحل لا يمكن أن يمر إلا عبر بوابتها.

بلال التليدي

02/03/2013