التاريخ له دور أساسي في حياة الأمم لا كما يفهمه البعض على أنه فقط سرد لأحداث مضت لاعودة لها. التاريخ هو الذي يساهم في فهم تلك الأحداث وتطوراتها وانعكاساتها على حاضرنا وعلى ما نريد بناءه لمستقبلنا كما أنه يساعد بقسط كبير في اكتناه أسرار التقلبات السياسية والاجتماعية والقانونية للأمم. التاريخ فوق كل هذا وذاك يسلط الضوء بشكل أساسي على الأحداث التاريخية المرتبطة بالنزاعات الإقليمية الشيء الذي من شأنه أن يفيد رجل القانون وبالأخص المحاكم الدولية على التوصل إلى حلول وقرارات صائبة وعادلة فيما يتعلق بتلك النزاعات. 

من المعلوم أن القانون الدولي وخاصة محكمة العدل الدولية ينظران الى الأحداث التاريخية بكثير من الحيطة والاحتراز والتحفظ خاصة إذا كانت هذه الأحداث غير معززة بحجج قوية وثابتة. وفيما إذا تحقق لها ذلك فإنها في هذه الحال تعمل على الأخذ بعين الاعتبار تلك الأحداث عند اتخاذ قراراتها. وكما أكد أحد الأساتذة الكبار في القانون الدولي الأستاذ شارل دو فيشر Charles de Visscher قائلا «في المجتمع الذي لم يكن فيه لأي مبدأ قانوني أي دور في توزيع الأراضي بين الناس فإن الحدث التاريخي هو الذي يقرر إعطاء تلك الأراضي لمجموعة من البشر». هذه المقولة تنطبق ولاشك على الأراضي التي كانت اسبانيا تطلق عليها اسم «الصحراء الاسبانية» التي يدل تاريخها والوقائع التي كانت مسرحا لها على أن المغرب كان من قديم الزمان صاحب الأراضي الصحراوية. وهذا كذلك ما أقرت به محكمة العدل الدولية عندما أخذت بعين الاعتبار روابط المغرب التاريخية وكذا القانونية المتعلقة بروابط البيعة متجاهلة ادعاءات اسبانيا بأن لها حقوقاً تاريخية في تلك المناطق. 

مزاعم إسبانيا ارتكزت على اعتبارات دينية في تبرير استيلائها على الأراضي المغربية

 

أظن أنه لايمكن القول بأن الأحداث التاريخية قد وقع تجاوزها وأن لا حاجة لنا بذكرها اليوم بعد أن استرجع المغرب صحراءه. والواقع أن هذا خطأ لأن التطرق لتلك المزاعم الاستعمارية الاسبانية وما تلاها من ممارسات ومطامع جزائرية هو الذي سيمكننا من التعرف على المسار الشاق والعسير الذي سلكته قضية الصحراء منذ عقود والذي أدى في آخر الأمر الى الوضع الحالي للصحراء المغربية خاصة وأن المغرب لازال يعاني من مزاعم أخرى لاشك أنها أشد ضراوة من سابقاتها. 

فماذا كانت في الحقيقة تلك «الحقوق التاريخية» التي كانت تستند عليها اسبانيا في مزاعهما وما هي أهميتها تاريخيا وقانونيا؟ كانت ادعاءاتها ترتكز تارة على حجج دينية صليبية وتارة أخرى على ما حققته اسبانيا من مكاسب استعمارية. 

وهكذا فقد استندت اسبانيا في مزاعمها الى أن ماكانت تسمى «موريتانيا الطنجية» في عهد الرومان أي المغرب الحالي كانت ضمن المنطقة التي كانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية والتي أصبحت بعد انقراضها في القرن الخامس الميلادي في حوزة ملوك القوط وبحكم الوراثة من بين المناطق التي كان ملوك قشتيليا يطالبون بها بعد استيلائهم الكامل على الاندلس سنة 1492. 

كما ادعت اسبانيا على أن حقوقها التاريخية ناتجة عن معاهدات عقدتها مع البرتغال في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تقضي بتقسيم المغرب فيما بينهما، وكان ذلك طبق براءات أي قرارات اصدرها الباباوات الكاثوليك في القرنين الخامس عشر والسادس عشر» يمنحون بموجبها للملوك الكاثوليك (أي لإسبانيا والبرتغال) حق الاستيلاء على ممالك إفريقيا أي بالخصوص على المغرب. لكن اثر معركة وادي المخازن التي هلك فيها ملك البرتغال سان سيباستيان سنة 1578 وقع ضم المملكة البرتغال الى اسبانيا من طرف الملك فيليب الثاني بموجب قوانين الاراثة في ذلك الوقت. وعلى هذا الأساس استولى الاسبان على المراكز التي كان يحتلها البرتغاليون في شواطئ المغرب وخاصة منها مدينة سبتة كما انفردوا بعد ذلك بتحقيق مطامعهم في مناطق أخرى وخاصة في الأراضي الصحراوية. 

وزادت اسبانيا في ادعاءاتها بالاستناد الى وصية الملكة ايزابيل الكاثوليكية عند وفاتها سنة 1504توصي فيها من يخلفونها بالعمل على الاستيلاء على إفريقيا ومحاربة من سمتهم «بالكفارة» و «الغزاة» و «المورو الأفارقة» أي المغاربة. إذن كانت مزاعم اسبانيا ترتكز على اعتبارات دينية وكما قال المؤرخ الفرنسي هنري طيراس =«إن المغامرة الكبرى التي كانت تدفع الأمتين الايبيريتين (البرتغال واسبانيا) إلى اكتشاف أراضي جديدة وتنظيمها كانت لها في الأساس صبغة مسيحية وكانت ترمي إلى التبشير بالانجيل». 

وفي الأخير برر الاسبان مزاعمهم بامتلاك حقوق تاريخية في الصحراء بما حققوه من الاستيلاء سنة 1476 على موقع بالشاطئ الصحراوي قبالة جزر كناريا أطلقوا عليه اسم «سانطا كروز دي مار بكينيا «Santa Cruz de MAR Pequenia » مع أن هذا الموقع دمر تدميرا كاملا من طرف قوات «سلطان فاس» سنة 1481 ثم في سنة 1527 كما جاء ذلك في عدة دراسات أجنبية في الموضوع. 

لم تكتف اسبانيا بذلك بل زادت من طروحاتها المغالطة إذ اعتبرت بعد ذلك ان تواجدها في ذلك الموقع ولو لمدة وجيزة يبيح لها المطالبة بالاعتراف لها بملكيته الشيء الذي رفضه سلطان المغرب إذاك سيدي محمد بن عبد الله عند التوقيع على معاهدة الصداقة بين المغرب واسبانيا في 28 ماي 1767. لكن اثر الهزيمة التي مني بها المغرب في حرب تطوان سنة 1859 أجبر المغرب بموجب الفصل الثامن من معاهدة الصلح الموقع في 26 ابريل 1860 ان يهب لاسبانيا الأراضي الكافية «لإقامة مركز للصيد له نفس مواصفات ماكانت تملكه بسانطا كروز دي بكينيا». غير أن هذا البند لم تستطع اسبانيا تطبيقه نظرا لمقاومة السلطان والسكان المحليين إلا بعد فرض الحماية على المغرب بموجب الاتفاق الفرنسي الاسباني بتاريخ 27 نوفمبر 1912 الذي اعتبر بأن سانطاكروز هي افني. لكن اسبانيا في الواقع لم تتوقف عند هذا الحد بل قامت بعدة محاولات قبل فرض الحماية لبسط سيطرتها على الصحراء المغربية. وقد استندت في ذلك من جهة على معاهدة تطوان التي فرضت على المغرب سنة 1860 ومن جهة أخرى على مخاوفها من محاولات دول أخرى كفرنسا وألمانيا وبلجيكا وخاصة انجلترا التي استطاع أحد رعاياها من رجال الأعمال اسمه ماكنزي Mackenzie من إقامة محل تجاري سنة 1879 بمكان يسمى «رأس جوبي» Cap Juby» وذلك بتواطؤ مع ممثل السلطان في الصحراء القائد محمد بيروك. أمام هذا الاعتداء قدم ممثل المخزن احتجاجات لدى ممثل الحكومة الانجليزية بطنجة وقام السلطان مولاي الحسن بنفسه على رأس قوات مغربية بمهاجمة هذا المركز عدة مرات سنة 1882 و1886 كما اقترح الاحتكام الى محكمة خاصة. وأخيرا أمام إصرار السلطان مولاي الحسن والمجهودات التي بذلها في هذا الشأن لم التوصل الى تسوية وقعت في 13 مارس 1895 اعترفت بموجبها بريطانيا العظمى بسيادة السلطان على تلك المنطقة الى غاية رأس بوجدور مع التزام المغرب بدفع 50000 جنيه استرليني مقابل استرجاع المركز المذكور. 

لكن الحكومة الاسبانية تمادت مع ذلك في محاولاتها التمركز على شاطئ تلك المنطقة بل وبإيعاز من شركات وهيئات استعمارية أصدرت قرارا في 26 ديسمبر 1884 بفرض ما أسمته «الحماية على الشاطئ الافريقي من الرأس الأبيض الى رأس بوجدور». لكن الاسبان في واقع الأمر لم يستطيعوا أبدا من بسط سيطرتهم على تلك المنطقة بسبب مقاومة السلاطين مولاي الحسن ومولاي عبد العزيز ومولاي عبد الحفيظ ومساندة الشيخ ماء العينين ممثلهم الخاص بالصحراء الذي كبد القوات الاسبانية خسائر فادحة في عدد من المعارك. وفي الحقيقة لم يتوصلوا الى تحقيق أي من أهدافهم بسبب تدخل القوات الفرنسية كذلك التي نزلت بكل ثقلها واحتلت الأراضي الموريتانية حوالي 1900 بقرار من حكومة باريس التي كانت تسعى لفرض نفوذها في جميع المناطق الصحراوية. وفي حقيقة الأمر كانت فرنسا ترغب في أن لاتقدم اسبانيا على ذلك إلا بعد الاتفاق والتفاهم معها. وهذا ما وقع بالفعل حيث تم في 27 يونيو 1900التوقيع بين فرنسا واسبانيا على معاهدة حددت بموجبها مناطق النفوذ الفرنسية والاسبانية في «إفريقيا الغربية وساحل الصحراء وساحل خليج غينيا». وكان القصد الأساسي من هذه الاتفاقية هو رسم الحدود الجنوبية والشرقية فيما بين منطقة النفوذ الاسباني أو ما سمي بالصحراء الغربية ودائرة النفوذ الفرنسي في موريتانيا دون أن تتطرق الى الحدود الشمالية اتقاء لردود الفعل من طرف السلطات المغربية. وكما ذكرت احدى المتخصصات في الموضوع Odete du Puigaudeau مشيرة الى معاهدة للامغنية التي وقعت بين المغرب وفرنسا في 18 مارس 1845 فان الحدود في الصحراء لا فائدة لها إذا تعلق الأمر بالسلطان أما بالنسبة للأوروبيين فتصبح الحدود إذاك من الضرورة بمكان». 

في 3 أكتوبر 1904 وقع الطرفان بباريس معاهدة سرية شكلت مرحلة أخرى في طريق تقسيم المغرب الى مناطق نفوذ بينهما خاصة بعد تخلي انجلترا بموجب التصريح الفرنسي الانجليزي بتاريخ 8 أبريل 1904 عن مطامعها في المغرب مقابل التصرف المطلق في مصر مع التأكيد على فرنسا بأن تأخذ بعين الاعتبار مصالح اسبانيا في المغرب. هذه هي بداية التحضير لفرض الحماية على المغرب في 30 مارس 1912 رغم ما جاء في عقد الجزيرة الخضراء الذي وقعته ثلاثة عشر دولة في 7 أبريل 1906 الذي نص على ثلاثة مباديء أساسية = احترام سيادة سلطان المغرب المحافظة على سلامة أراضيه ووحدتها، التزام الحرية الاقتصادية من دون تمييز، لم تكتف فرنسا بذلك بل تعدت إلى عقد معاهدة مع إسبانيا في 27 نوفمبر 1912 بدون استشارة المغرب ولا إعلامه بذلك تعترف لها بموجبها بمناطق نفوذ في الشمال وفي الجنوب وبمركز بافني كما اعتبرت ناحية الساقية الحمراء خارجة عن الأراضي المغربية وداخلة في منطقة نفوذ اسبانيا في الصحراء. كما تم التنصيص في نفس المعاهدة على فرض نظام دولي خاص علي مدينة طنجة. 

لم يمنع كل ذلك من أن تستمر المقاومة الشعبة بمباركة من السلطان سواء في المناطق التي احتلتها الجيوش الفرنسية أو التي كان الاسبان يحاولون السيطرة عليها. ولنا في الرسائل التي وجهها المارشال ليوطي أول مقيم عام فرنسي في المغرب إلى وزارة الخارجية بباريس. في إحدى هذه الرسائل بتاريخ 22 أكتوبر 1912 اتهم المارشال ليوطي السلطان مولاي خفيظ «بالتواطؤ » مع الهيبة ابن الشيخ ماء العينين الذي أتي من الصحراء وهاجم القوات الفرنسية في مراكش معتبرا «بأن عمل السلطان يتسم بالريبة فهو إما يرفض، رغم طلباتنا، بعث رسائل مهدئة وإما إذا ما فعل، وذلك في حالات نادرة، فانه يحمل الرسل المكلفين بتبليغ الرسائل تعليمات شفوية بعدم الأخذ بعين الاعتبار فحوي تلك الرسائل معلنا عزمه على التنازل عن العرش قريبا وعلى عدم الاشتغال بالحكم تاركا لمراسليه التصرف المطلق» وفي رسالة أخرى بتاريخ 21 غشت 1912 يقول المارشال ليوطي: «إن الوضعية (في المغرب) تأخذ منحى جد خطير. ذلك أن الاتفاق بين الهيبة ابن الشيخ ماء العينين الآتي من الصحراء الغربية والزياني المتواجد بالأطلس أصبح واقعا حقيقيا وهذا الأخير متفق كامل الاتفاق مع سيدي رحو بحيث توجد الآن في جميع جبهاتنا وحدة تامة وتنسيق لجهود ينبغي لنا مواجهتها في جميع المناطق». مضمون هذه الرسائل يدل دلالة واضحة وذلك بإقرار من أول مسؤول فرنسي في نظام الحماية على وحدة التراب المغربي من صحرائه في الجنوب إلى أواسط البلاد وشمالها. 

وبالرغم من حجم القوات الفرنسية الآتية من الجزائر وموريتانيا ومن داخل المغرب لم يستطع الفرنسيون كسر المقاومة المغربية إلا بعد احتلال مدينة تندوف المغربية في 31 مارس 1934» والتقاء القوات المشتركة المغربية والموريتانية عند بئر كردان على بعد 380 كيلومتر جنوب تندوف» وهذا ما يدل على مغربية هذه المدينة لأن تواجد الفرنسيين في الجزائر كان قد تم قبل عقود من الزمان ولم يتجرأوا على احتلالها وضمها إلى الجزائر إلا بعد سيطرتهم على المغرب. وهناك دلائل كثيرة على مغربية تندوف. 

أولا: احتلال هذه المدينة تم بواسطة ما سمي «بقوات موريتانية مغربية» في 31 مارس 1934 وتلته بعد ذلك عمليات عسكرية أخرى على بعد 380 كيلومتر جنوب تندوف وصفها أحد القادة العسكريين الفرنسيين الكولونيل ترانكي Trinquet بأنها كانت ترمي إلى دعم «القوات المغربية». اثر ذلك وقع تبادل برقيات بين الحاكم العام لإفريقي الغربية الفرنسية المسيو M.Brevié والمقيم العام في المغرب المسيو بونسي M.Ponset أكد فيها الأول علي أن التقاء «المجموعتين الموريتانية والمغربية» جنوب تندوف يدل بشكل نهائي على أن الأراضي الموريتانية والأراضي المغربية متلاصقان» معلنا «رغبته على التعاون المشترك من أجل تقاربهما» أما المقيم العام فقد عبر عن أمله في أن يكون «هذا اللقاء بين المغرب وموريتانيا بداية مرحلة حاسمة في تحقيق التهدئة في الصحراء الغربية» 

ثانيا: نصت الاتفاقية الفرنسية الاسبانية بتاريخ 27 نوفمبر 1912 حول وضعية كل من فرنسا واسبانيا في المغرب وذلك في فصلها الثاني على أن «النواحي المغربية الواقعة شمال وشرق المنطقة الجنوبية الاسبانية فهي تابعة للمنطقة الفرنسية». وهذا يدل مرة أخرى على مغربية تندوف ونواحيها لأنها تقع شرق ما كان يسمى بالمنطقة الجنوبية الاسبانية. 

ثالثا: مغربية تندوف ونواحيها يؤكدها قرار المقيم العام بتاريخ 11 يناير 1935 المطبق للظهير الشريف بتاريخ 10 ديسمبر 1934 الذي حدد النظام الخاص لبعض البضائع المخصصة للاستهلاك في عدد من نواحي جنوب المغرب من بينها «تندوف إلى غاية استقلال المغرب تخضع للإدارة المغربية. ومما يدل على ذلك ما أكدته الباحثة مدام أوديت دي بويكودو Puigaudeau من أنها «تعرفت بنفسها على آخر قائد لتندوف سنة 1950 كان معينا من طرف سلطان المغرب وأقدمت السلطات العسكرية الفرنسية على عزله لأسباب سياسية». كما جاء في كتاب للأستاذ روبير يزيت Rezette بعنوان «الصحراء الغربية والحدود المغربية» ما مفاده أن «إدارة البريد الشريفة» كانت موجودة هناك كما أنه عثر علي عدد من الرسائل عليها طابع «تندوف البريد الشريفي «أي المغربي. تدل جميع المعطيات السابقة على أهمية قضية تندوف بالنسبة للمغرب على العموم وبالنسبة لقضية الصحراء المغربية على الخصوص وسوف نتطرق لها فيما بعد. أما عن الاسبان فالوضع بالنسبة إليهم في الصحراء كان أسوأ مما كانت عليه في منطقة النفوذ الفرنسية نظرا للمقاومة المغربية الشرسة التي تعرضوا لها في الشمال على يد البطل المجاهد عبد الكريم الخطابي وكذلك في الجنوب حيث حالت المقاومة بينهم وبين بسط نفوذهم على المناطق الصحراوية التي اعترفت لهم بها فرنسا واكتفوا بالمراكز الساحلية التي تحصنوا فيها. ولم يتغير هذا الوضع إلا بعد احتلال فرنسا لمناطقها الصحراوية حيث لم يتم لاسبانيا الاستلاء على منطقة افني التي كانت تطالب بها منذ معاهدة 1860 إلا في أبريل 1934 وكذلك الأمر بالنسبة لمدينة اسمارة التي لم يتمكنوا من احتلالها إلا سنة 1936. ومن المفارقات الغريبة أن الاسبان تعرضوا لنفس المصير عندما انتفض المواطنون الصحراويون سنة 1957 وحينما داهمهم جيش التحرير المغربي وأرغموا مرة أخرى على الرجوع إلى المراكز الساحلية بسيدي افني والعيون والداخلة وبوجدور والتحصن بها، ولم يستطع الاسبان استرجاع سيطرتهم العسكرية مرة أخرى على تلك المناطق إلا بعد تدخل القوات الفرنسية إلى جانب قواتهم في معركة ضارية أطلقوا عليها إسم اكوفيون (Ecouvillon) وذلك في فبراير 1958 ضد جيش التحرير المغربي الذي استطاع الوصول إلى الحدود السنغالية مهددا بذلك لا فحسب الوجود الاسباني ولكن كذلك كما تخوفت منه فرنسا مصالحها في المنطقة. ويمكن التساؤل اليوم في هذا الصدد عما لو أن جيش التحرير تجنب إثارة مخاوف فرنسا واكتفي بمضايقة الاسبان حائلا بذلك دون تحالف الجيشين الفرنسي والاسباني ألم تكن الصحراء المغربية قد وجدت حلا نهائيا منذ ذلك الحين. على أي حال كانت الأمور ستأخذ مسارا مختلفا عما آلت إليه فيما بعد بفضل المساعي الدبلوماسية والإرادة المشتركة للبلدين بإقامة علاقات ودية ومتطورة.من الملاحظ أن المغرب ملكا وشعبا ولم يتوقف أبدا عن المقاومة طيلة الحقبة التي قضاها تحت نير الحماية والاستعمار ابتداء من فرض عقد الحماية في 30 مارس 1912 والاتفاقية الفرنسية الاسبانية بتاريخ 27 نوفمبر 1912 التي قسم المغرب بموجبها غصبا وفي غياب منه إلى مناطق نفوذ في الشمال والجنوب. وهكذا فقد استمرت المقاومة المسلحة إلى غاية 1935 في الشمال تحت قيادة البطل المجاهد عبد الكريم الخطابي وفي وسط البلاد علي يد حمو الزياني ورحو وغيرهما وفي الجنوب والصحراء من طرف الشيخ ماء العينين وأبنائه. وفي الحقيقة المقاومة المغربية للاحتلال اتخذت منذ البداية أشكالا متنوعة . فالسلطان مولاي عبد الحفيظ الذي اضطر الى التوقيع على معاهدة الحماية أبدى فيما بعدما استطاع من أنواع المقاومة برفضه بشكل من الأشكال ما كانت تريد فرضه عليه إدارة الحماية بل وكان يشجع المقاومين على الاستمرار في نضالهم كما شهد بذلك المارشال ليوطي في رسالة له الى وزارة الخارجية الفرنسية وصفة فيها «بالمراوغ» (أنظر اعلاه) كما كانت هناك مقاومة شعبية في الشمال وفي الصحراء تلتها حركة وطنية أخذت تنمو شيئا فشيئا الى أن بلغت أوجها بتقديم عريضة المطالبة بالاستقلال وبالوحدة الترابية في 11 يناير 1944 من طرف ثلة من القادة الوطنيين وبمؤازرة من السلطان سيدي محمد بن يوسف الذي قاوم ما أمكنه دسائس سلطات الحماية الفرنسية إلى أن امتدت إليه يد الاستعمار الغاشمة لتمس في شخصه الشرعية المغربية وتتجرأ على نفيه وعائلته الى كورسيكا ثم مدغشقر في 20 غشت 1953. هنالك اندلعت من جديد ألسنة المقاومة المسلحة في جميع المدن والقرى والجبال والصحراء التي عرفت ما عرفت من أعمال بطولية لجيش التحرير المغربي في الساقية الحمراء ووادي الذهب ولم تتوقف إلا بعد عودة الملك محمد الخامس الى عرشه في 16 نوفمبر 1955 حاملا معه «بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال». وجاء بعد ذلك في 2 مارس 1956 التصريح المشترك المغربي الفرنسي ليؤكد اعتراف فرنسا باستقلال المغرب... ووحدة ترابه المضمونة بحكم المعاهدات الدولية كما تم في 7 أبريل من نفس السنة صدور التصريح المشترك المغربي الإسباني الذي اعتبر بأن الاتفاقية الممضاة بمدريد (بين فرنسا وإسبانيا) بتاريخ 27 نوفمبر 1912 لم تعد صالحة لضبط العلاقات بين إسبانيا والمغرب... وأن الحكومة الإسبانية تعترف باستقلال المغرب... وتجدد عزمها على احترام وحدة تراب المملكة المغربية التي تضمنها المعاهدات الدولية وتتعهد أيضا باتخاذ التدابير اللازمة لتحقيقها». هذا النص والذي سبقه يدل دلالة واضحة على أن الاتفاقيات التي أبرمت بين فرنسا وإسبانيا في 1900 و1904 و1912 فيما يتعلق على الخصوص بالمناطق الصحراوية أصبحت لاغية واعترف ضمنيا بمغربيتها. 

كان بعد ذلك على الحكومة المغربية العمل بجد على استرجاع تلك المناطق التي تضم طرفاية وافني والساقية الحمراء ووادي الذهب خاصة بعد الزيارة التي قام بها الملك محمد الخامس مقتفيا خطى جده السلطان مولاي الحسن الأول إلى تخوم الصحراء بمحاميد الغزلان في 19 فبراير 1958 والتي طالب أثناءها «باسترجاع الصحراء طبقا للحقوق التاريخية للمغرب». 

في فاتح أبريل 1958 تم التوقيع على اتفاقية سينترا (cintra) التي نصت على تسليم طرفاية للمغرب. وأمام ادعاءات اسبانيا ومطالبتها المغرب بعد تسليم طرفاية «بالاعتراف لها بشكل علني وصريح... بحدود المغرب المقررة بالمعاهدات والتي لها علاقة بالأراضي الواقعة تحت السيادة الاسبانية «أعلن المغرب على لسان وزير الخارجية الأستاذ الحاج أحمد بلافريج تحفظاته الصارمة» على رسم حدود هذه الناحية من التراب الوطني، كما جاء ذلك في المعاهدات السرية التي تمت مباشرة بين فرنسا واسبانيا من دون أن يستشار المغرب أبدا في ذلك». 

ينبغي كذلك في هذا السياق أن نعيد الذاكرة إلى أنه غداة التوقيع على التصريح المشترك في 2 مارس 1956 الذي اعترف باستقلال المغرب كانت فرنسا على استعداد لإيجاد حل لمشكلة الحدود سواء منها الواقعة شرقا أو تلك التي لها علاقة «بالصحراء الغربية» في الجنوب. ولتحقيق هذا الهدف اتفق على إنشاء لجنة مشتركة مغربية فرنسية كان من المفروض أن تجتمع لبحث النقط المتنازع فيها وخاصة منها المتعلقة بمعاهدة للامغنية لسنة 1845 والاتفاقيات التي تلتها في سنوات 1901 و1902 و1910. 

وكان من الممكن أن يؤدي اجتماع هذه اللجنة إلى إعادة النظر في التفسير الذي أعطي لفحوى تلك المعاهدات خاصة فيما يتعلق بنظام ثلاث نواحي - بشار وتندوف ومنطقة الصحراء الغربية شمال الخط المتوازي 24 درجة وهي منطقة الساقية الحمراء. وكما قال الأستاذ العروي «فإن الوضعية التي كانت سائدة في فرنسا سنة 1958 وكذا الاستعداد الفكري لعدد من المسؤولين الفرنسيين الذين كانوا على دراية بملف الحدود المغربية كل ذلك كان من شأنه، لو أن تلك اللجنة تكونت، أن يساعد على الوصول إلى اتفاق ليس فقط حول مدينة بشار لاحتوائها لعدة منشآت عسكرية ولكن أيضا حول تندوف التي كان لازال فيها ممثلون للسلطان وكذلك بالنسبة للصحراء الغربية التي كانت في غالبيتها تحت الادارة الاسبانية مما كان سيجعل الجانب الفرنسي يبدي أقصى ما يمكن من الليونة ومن التنازلات الشيء الذي كانت فرنسا مستعدة له لأنها كانت في ذلك الوقت ترغب في أن ينضم المغرب للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (OCRS)». أما لماذا لم تتم المفاوضات بين المغرب وفرنسا في هذا الموضوع فذلك لسببين - السبب الأول هو أن المغرب اشترط في مذكرة لوزارة الخارجية بتاريخ 8 غشت 1956 «أن تعطي توضيحات عن السيادة المبسوطة على تلك المناطق وحدودها» قبل أن يتخذ قرار بالانضمام للمنظمة المذكورة. وقد تم بالفعل إنشاء هذه المنظمة بموجب قانون بتاريخ 10 يناير 1957 ووضعها تحت سلطة وزير الصحراء الفرنسي الذي أسندت إليه جميع السلطات التي كان يتمتع بها الحكام العامون للجزائر وافريقيا الغربية وافريقيا الاكواطورية الفرنسية. 

التساؤل الذي يطرح نفسه اليوم هو لماذا فرط المغرب في هذه الفرصة وذلك بالانضمام لتلك المنظمة الاقتصادية الشيء الذي لم يكن طبعا ليشكل وسيلة لاسترجاع أراضيه المغتصبة ولكن كان سيؤدي لا محالة إلى الاعتراف بماضيه الصحراوي وبحقوقه التاريخية في الصحراء الغربية. 

وها نحن نرى أن البلدان التي ضمتها فرنسا لهذه المنظمة وهي موريتانيا والسودان (مالي) والنيجر والتشاد وبالخصوص الجزائر التي استفادت من ذلك على حساب المغرب تمكنت فيما بعد بالاعتراف لها بمناطق صحراوية. من المؤسف له أن الواقعية السياسية لم تؤخذ بعين الاعتبار في ذلك الوقت ولم يقع تغليبها على الاعتبارات السيادية ولو إلى حين. أما السبب الثاني لعدم اجتماع اللجنة المشتركة المغربية الفرنسية حول موضوع الحدود هو المساندة التي كان يقدمها المغرب لمنظمة التحرير الجزائرية من جهة وعدوله عن المطالبة باجتماعها من جهة أخرى بغية حل مشكلة الحدود مع «الجزائر المستقلة» طبقا لرغبة الحكومة المؤقتة الجزائرية. وهكذا فقد فرط المغرب في فرصة ذهبية كانت من الممكن أن تتيح له ليس فحسب الاعتراف له فيما بعد بحقوقه التاريخية والمشروعة في الصحراء الغربية ولكن كذلك في الحصول على حدوده الطبيعية التي كانت له قبل استيلاء فرنسا على الواحات الصحر اوية في توات وكرارا وتيدكلت معتبرة هذه المناطق من خلال اتفاقيات 1901 و1902 و1910 بأنها خاضعة «لنظام توافقي مشترك مغربي فرنسي». وقد كان القصد من هذا النظام وضع مراكز للجمارك في الحدود وإحلال الأمن في تلك النواحي التي كانت تتعرض فيها القوات الفرنسية لمقاومة شديدة من طرف القبائل المغربية التي كانت تتصدى للاحتلال الفرنسي. مما يغلب على الظن أنه لو أبدي المغرب في ذلك الوقت بعض المرونة وقبل باجتماع اللجنة المشتركة مع فرنسا حول الحدود وشارك في المنظمة الاقتصادية OCRS مع التحفظ طبعا على سيادة أراضيه لكانت تندوف ونواحيها اليوم في أحضانه ولما كانت للجزائر نقط تماس مع ما كان يسمى «بالصحراء الاسبانية» ولما كان لها بعد ذلك أية ذريعة ولا وسيلة للتدخل بكيفية مباشرة أو بواسطة مرتزقتها في قضية الصحراء المغربية. مما ينبغي الاشارة إليه كذلك هو أن قضية استرجاع الأراضي المغربية في الصحراء لم تبق محصورة في الإطار الثنائي بل وبعد انضمام المغرب إلى هيأة الأمم المتحدة غداة استقلاله بادرت الحكومة المغربية في سنة 1957 إلى إثارة الموضوع في المنظمة الأممية وخاصة أمام لجنة الوصاية. وفي 1961 أثار المغرب قضية الأراضي المحتلة من طرف اسبانيا في إطار المداولات التي جرت في الجمعية العامة حول موريتانيا والتي عارض المغرب انضمامها الى المنظمة الأممية بدعوى أنها جزء تاريخي من التراب الوطني. بقي الأمر كذلك إلى غاية 16 أكتوبر 1964 حيث صدر قرار في الموضوع عن اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة المكلفة بدراسة الوضعية فيما يتعلق بتطبيق التصريح الصادر عن الجمعية العامة في قرارها رقم 1514 بتاريخ 14 ديسمبر 1960 حول منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة. وفيما اقتصر هذا القرار على «دعوة الحكومة الاسبانية بكل إلحاح إلى اتخاذ الاجراءات في الحال من أجل تطبيق التصريح» المذكور جاء القرار رقم 2072 الذي صادقت عليه الجمعية العامة في 16 ديسمبر 1965 ليلح على الحكومة الاسبانية بصفتها السلطة الادارية «باتخاذ التدابير اللازمة لتحرير أراضي افني والصحراء الاسبانية من التحكم الاستعماري ولهذه الغاية إجراء مفاوضات حول المشاكل المتعلقة بسيادة المنطقتين». إلى هذا الحين كانت الأمور واضحة حيث أن الهيئة الأممية اعتبرت بأن النزاع حول السيادة في تلك الأراضي المستعمرة ينبغي حسمه من خلال مفاوضات بين المغرب واسبانيا. لكن مناورات الجانب الاسباني الذي استغل تدخل موريتانيا والجزائر في الموضوع أدى في السنة التالية إلى اتخاذ القرار رقم 2229 بتاريخ 20 ديسمبر 1966 الذي لم يعد يطالب الحكومة الاسبانية بتطبيق نفس المعايير على افني والصحراء الغربية إذ دعا اسبانيا فيما يتعلق بإفني «بالاتفاق مع المغرب على الاجراءات المتعلقة بنقل السلطات الى الحكومة المغربية» مع «الأخذ بعين الاعتبار رغبات السكان المحليين». أما فيما يخص الصحراء «الاسبانية» فقد طالب القرار الحكومة الاسبانية «بتحديد الطرق الكفيلة بتنظيم الاستفتاء» في المنطقة «بالاستشارة مع الحكومتين المغربية والموريتانية ومع كل طرف له اهتمام بذلك». ومن ذلك التاريخ إلى غاية سنة 1968 والأمم المتحدة تتخذ تقريبا في قراراتها نفس التوصيات إلى أن تم في 4 يناير 1969 التوقيع بين اسبانيا والمغرب بفاس على المعاهدة التي أدت إلى تسليم افني للمملكة المغربية وعلى اثر ذلك أصبحت قضية الصحراء هي الموضوع الوحيد لقرارات الأمم المتحدة حتى سنة 1974. 

تقييما لما سبق نرى أن الحكومة الاسبانية نجحت إلى حد ما حتى ذلك الوقت بسبب مناوراتها في الوصول أمام الهيئة الأممية إلى فصل قضية افني عن قضية الصحراء بغية الابقاء على وجودها الاستعماري في تلك المنطقة. زيادة على ذلك فإنها استطاعت خلق المشاكل للجانب المغربي بسبب إقحام موريتانيا كطرف مزاحم لمطالب المغرب المشروعة وإدخال الجزائر في اللعبة بحجة اهتمامها باستقرار الوضع في المنطقة وحرصها المزعوم على تطبيق مبدأ تقرير المصير على سكان الصحراء. قبول المغرب بالفصل بين القضيتين حسب ما جاء على لسان ممثل المغرب لدى الأمم المتحدة وترحيب المغرب بإجراء المفاوضات مع اسبانيا حول افني والقبول بالاتفاق معها على حل مشكلة افني منفردة ومنعزلة عن قضية الصحراء بمعزل عن الأطراف الأخرى وذلك من دون الضغط عليها بشتى الوسائل لجعلها مضطرة إلى التفاهم مع الحكومة المغربية وحدها كل ذلك كان سببا في المشاكل والمتاعب التي واجهها المغرب ويلاقيها اليوم مع جيرانه، زد على ذلك ما سلف ذكره من تضييع المغرب للفرصة الذهبية التي سنحت له قبل استقلال الجزائر بحل مشكل حدوده من ناحية الأراضي الجزائرية مع فرنسا وخاصة فيما يتعلق بتندوف ونواحيها والتي كانت في متناول المغرب باعتراف الساسة الفرنسيين أنفسهم. ولقد برر المغرب مواقفه انطلاقا من حرصه على عدم التفاهم مع المحتل على حساب الثورة الجزائرية. لكن تضامنه هذا قوبل بجزاء سنمار حيث لم يف أي من الرؤساء الجزائريين بوعودهم وتعهداتهم سواء كان الأمر يتعلق برئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة أو العقيد هواري بومدين الذي أقر بمغربية الصحراء أمام القمة العربية السابعة في أكتوبر 1974 بل وأنكروا فيما بعد كل تعهداتهم وقابلوا بالعقوق وعدم العرفان الموقف النبيل الذي وقفه المغرب حيال القضية الجزائرية والمساعدات المادية والمعنوية التي قدمها للثورة الجزائرية. وما مواقف الجزائر في المؤتمرات الاقليمية والدولية وهيئة الأمم المتحدة واحتضانها للبوليزاريو وتواطئها مع المستعمر الاسباني في ذلك الحين إلا خير دليل على موقفها المعادي لاسترجاع المغرب لأراضيه المغتصبة. 

أمام المنحى الذي أخذت قضية الصحراء المغربية تسلكه في أروقة هيئة الأمم وخاصة بعدما أصبح جليا أن اسبانيا مقدمة حسب بلاغ للحكومة الاسبانية في 2 يوليو 1974 على خلق «دويلة مزيفة في الصحراء»، اقترح الملك الحسن الثاني في مؤتمره الصحفي بتاريخ 17 شتنبر 1974 على اسبانيا عرض نزاعها مع المغرب على أنظار محكمة العدل الدولية. أمام رفض اسبانيا الاشتراك في هذا الطلب لجأ المغرب إلى الجلسة العامة للأمم المتحدة التي أصدرت قرارها رقم 3292 بتاريخ 13 ديسمبر 1974 القاضي بإحالة القضية على أنظار محكمة العدل الدولية لإعطاء رأيها الاستشاري حول السؤالين التاليين: 

1 هل كانت الصحراء الغربية (الساقية الحمراء ووادي الذهب) حين استعمارها من طرف إسبانيا أرض خلاء؟ 

2 إذا كان الجواب سلبيا ما هي الروابط القانونية التي كانت إذاك للمملكة المغربية و«الجموعة الموريتانية» مع تلك الأراضي؟ 

في رأيها الاستشاري بتاريخ 16 أكتوبر 1975 أعطت المحكمة جوابها كالتالي: 

1 لم تكن الصحراء الغربية أرضاً خلاء عند استعمارها من طرف اسبانيا. 

2 كانت هناك روابط قانونية بين الصحراء الغربية من جهة والمغرب و «المجموعة الموريتانية» من جهة أخرى مع اختلاف أساسي بين كليهما في تقييم تلك الروابط. في نفس اليوم الذي صدر فيه الرأي الاستشاري أعلن الملك الحسن الثاني في خطاب موجه إلى الشعب المغربي عن انطلاق المسيرة الخضراء التي ضمت 350000 متطوع ومتطوعة أتوا من جميع أنحاء المغرب مقتحمين أبواب الصحراء في نظام وانضباط تامين معبرين بذلك عن مغربية الصحراء طبقا لما نص عليه رأي المحكمة الدولية. ذلك أن هذه الهيئة وبدون الدخول في تفاصيل ما جاء في رأيها الاستشاري أقرت بوجود علاقات بيعة بين سلاطين المغرب وسكان الصحراء الغربية وقبائلها من قديم الزمان مما يدل على أنها جزء لا يتجزأ من التراب المغربي. أما الدافع الذي جعل العاهل المغربي يسرع في إعطاء الإشارة بانطلاق المسيرة الخضراء هو ما تأكد من أخبار عن محاولات تمركز عناصر من البوليزاريو وقوات جزائرية في المنطقة. ولقد كانت هذه المسيرة كما جاء في خطاب الملك في الذكرى العشرين لاستقلال المغرب يوم 17 نوفمبر 1975 تشكل من جهة «وسيلة للضغط» على إسبانيا للقبول بالمفاوضات ومن جهة أخرى مدخلا للتقارب معها. وبالرغم من التطورات التي عرفتها الأحداث بتدخل رئيس مجلس الأمن ليطالب المغرب بوقف المسيرة وجواب العاهل المغربي على أن المسيرة قد دخلت مرحلة الانطلاق وأنها لن تحيد عن صبغتها السلمية فقد كان الوضع بالنسبة للمغرب جد إيجابي على الصعيد الأممي حيث وافق مجلس الأمن في نفس اليوم أي 6 نوفمبر على قرار يطالب الأطراف المعنية بالتعاون مع الأمين العام في الموضوع «وإجراء أية مفاوضات ممكنة في إطار الفصل 33 من الميثاق». كما كان الأمر كذلك بالنسبة لإسبانيا التي قبلت بالدخول في مفاوضات مع المغرب بمشاركة موريتانيا وذلك في 11 نوفمبر 1975 توجت أخيرا في 14 نوفمبر بالتوقيع على اتفاقية مدريد في شكل «تصريح بالمبادئ» وعددها ستة. وتتلخص هذه المبادئ: 

أولا في إنهاء الوجود الإسباني في الصحراء قبل 28 فبراير 1976 

ثانيا في إنشاء إدارة مرحلية بمشاركة المغرب وموريتانيا والحاكم الإسباني ومساعدة «الجماعة» تسند إليها المسؤوليات والسلطات التي كانت لإسبانيا في المنطقة. 

ثالثا في احترام رأي السكان الصحراويين من خلال «الجماعة» الصحراوية. 

وبالفعل تمت هذه المراحل بعد موافقة الكورتيس الإسباني على الاتفاقية بأغلبية كبيرة ومصادقة الجماعة عليها. وإثر ذلك انسحبت إسبانيا من الصحراء وأصبحت إدارتها مشتركة بين موريتانيا والمغرب الذي مثله الأستاذ أحمد بن سودة. وبذلك انتهت حقبة من تاريخ الصحراء المغربية وبدأت بعودتها إلى حظيرة الوطن مرحلة بل مراحل أخرى أشد عتوا من سابقاتها بما حملت إلى يومنا هذا من تحديات وإكراهات من طرف خصوم وحدتنا الترابية. 

بعد هذا العرض المختصر للبعد التاريخي لقضية الصحراء المغربية نتطرق في عجالة إلى المراحل التي مرت بها القضية في عهدها الجديد بعد تحريرها من الاستعمار الإسباني. 

كان المغرب في جميع أطوار تاريخه حريصا على استرجاع أراضيه المغتصبة من دون مساومة. لكن الظروف الدولية والواقعية السياسية التي فرضت القبول بمقتضيات اتفاقية مدريد الثلاثية اضطرته الى التفاهم مع الجانب الموريتاني والاتفاق معه على صيغة تتلاءم مع ما جاء في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وما وقع التوافق عليه في مدريد. كان المخرج الوحيد لإعطاء حرية التصرف لكل من الطرفين هو قبول المغرب الاعتراف لموريتانيا بمنطقة وادي الذهب المحاذية لأراضيها والتي أعطتها اسم تيريس الغربية وذلك بمقتضى الاتفاقيات المبرمة معها في 14 أبريل 1976. 

غير أن الأوضاع لم تستقر في تلك المناطق بعد التهديدات التي تعرض لها الرئيس الموريتاني من طرف الرئيس الجزائري هواري بومدين لإرغامه على عدم التعاون والاتفاق مع المغرب والهجمات العسكرية التي تعرضت لها موريتانيا من طرف عناصر مدعومة بقوات جزائرية في نواكشوط وعدة مناطق مرات عديدة من يونيو 1976 إلى غاية تاريخ 10 يوليو 1978 الذي تمت فيه الإطاحة بالرئيس الموريتاني المختار ولد دادة. ومما زاد في الطين بلة أن المسؤولين الموريتانيين أجروا اتصالات سرية بإيعاز من الجزائر وليبيا وقاموا بإبرام اتفاق بالجزائر في 5 غشت 1978 يقضي بتسليم وادي الذهب لجبهة البوليزاريو كما لم يتورعوا عن اتخاذ موقف مؤيد لأطروحة أعداء المغرب في القمة 16 لمنظمة الوحدة الإفريقية المنعقدة في منروفيا من 18 الى 22 يوليو 1979 . أمام هذا الموقف المخالف لاتفاقيات 14 أبريل 1976 وبالنظر إلى ما أبانت عنه كثير من القرائن على أن موريتانيا مقدمة على الانسحاب من تلك المنطقة لصالح أعداء الوحدة الترابية بموجب اتفاقيات سرية، قرر المغرب استرجاعها طبقا لحقوقه التاريخية ولرغبات السكان الذين عبروا عن فرحتهم وتجديد البيعة لملكهم في 8 و 14 غشت 1979. 

منذ ذلك التاريخ استكمل المغرب وحدته الترابية إلا ما كان من أمر مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية اللواتي لهن قصة أخرى ومساراً آخر لابد أن يؤدي في النهاية إلى عودته الى حضيرة الوطن. أما عن المناطق الصحراوية فكان على الحكومة المغربية العمل على إدماجها باتخاذ جميع التدابير الضرورية القانونية منها والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لضمان انسجام كامل مع باقي التراب المغربي مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الوسط الصحراوي وتقاليد السكان وعاداتهم وحاجياتهم. 

وسوف لانتطرق في هذا العرض المختصر الى تفاصيل التدابير والإجراءات التي اتخذت في الصحراء كتقسيمها الى عدة عمالات وإنشاء ما كانت تحتاج إليه من مرافق العمل الاداري والصحي والاجتماعي والقضائي وغيره وإشراك السكان الصحراويين في العمليات السياسية وفي الانتخابات الجماعية والمركزية وغيرها وكذلك في انتخاب ممثليهم في مجلس النواب والمجلس الاستشاري فذلك يتطلب دراسة خاصة لا تدخل في إطار عرضنا التاريخي هذا. لكن الشيء المهم هو معرفة ما آلت إليه قضية الصحراء في المحافل الدولية وما تعرض له المغرب بسببها من إكراهات ومناورات من طرف المناوئين لحقوقه التاريخية. 

وهكذا وفي الوقت الذي كانت الضغوط بل والهجمات العسكرية تشنها عناصر آتية من الجزائر ضد موريتانيا وعاصمتها والتي كادت أن تؤدي الى تسليم وادي الذهب للمرتزقة المدفوعين والمدعومين من طرف الجزائر لولا يقظة المغرب ملكا وشعبا، كانت الأراضي المغربية تتعرض بدورها لعمليات عسكرية من طرف وحدات عسكرية جزائرية وذلك داخل التراب المغربي وفي الصحراء كما وقع ذلك في أول الأمر في أمقالة في 29 يناير 1976 حيث جرت معارك أدت إلى إلقاء القبض على عدد من الضباط والجنود الجزائريين القادمين من تندوف. وقد استمرت هذه الاعتداءات خلال السنوات التالية وخاصة في سنة 1979 ضد كل من طانطان وبئر أنزرن وسمارة وغيرها من المناطق الموجودة داخل التراب المغربي. ولم تتوقف هذه الهجمات إلا بعد أن أقام الجيش المغرب جدارا معززا بتجهيزات اليكترونية عند حدود الصحراء. لكن على الصعيد الدولي والإقليمي لازالت الأمور كما كانت عليه منذ اتفاقية مدريد بسبب تعنت الجزائر وإصرارها على موقفها المعلن حول مبدأ تقرير المصير وضرورة تطبيق الاستفتاء في الصحراء والذي يخفي في الحقيقة كثيرا من المطامع والرغبة في فرض الهيمنة على المنطقة. 

الدليل على ذلك وبالرغم من إعلان المرحوم الملك الحسن الثاني في قمة نيروبي سنة 1981 عن قبول المغرب لمبدأ الاستفتاء استمرار الجزائر بالمطالبة بالمزيد بل ولجأت إلى التآمر مع الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية في مؤتمرها العادي بأديس أبابا في 22 فبراير 1982 للقبول بعضوية ما يسمى «بالجمهورية الصحراوية المزعومة». كما أن الجزائر لا تألو جهدا في الأمم المتحدة لفرض أطروحتها حول مبدأ تقرير المصير رغم الاستعداد الذي ما فتئ المغرب يبديه لإيجاد حل سياسي للقضية لأن محاولة إجراء الاستفتاء في الصحراء باء بالفشل بسبب العراقيل الكثيرة التي وضعت من طرف الخصوم وعدم الاتفاق على من سيشارك في ذلك الاستفتاء. ولهذا السبب نلاحظ أن الهيئة الأممية سواء في لجنتها الرابعة أو في الجلسة العامة أو حتى في مجلس الأمن تتخبط في هذا المشكل وتصدر منذ تسجيل القضية في أجندتها قرارات متناقضة غير قابلة للتطبيق. 

أمام استحالة إجراء الاستفتاء، وذلك بالرغم مما أبداه المغرب من استعداد كامل ومشاركته بجدية في عملية إحصاء السكان الصحراويين الحقيقيين والتثبت من هويتهم الشيء الذي لم يتقبله جانب البوليزاريو مدعوما من طرف الحكومة الجزائرية وما تلا ذلك من مناورات وعراقيل تم طرح عدد من الاقتراحات سواء من طرف المغرب أو من جهات أخرى وخاصة تلك المبادرات التي جاء بها الممثل الأممي الوزير جيمس بيكر الذي أوصى بالعمل على إيجاد حل سياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء بعدما تأكد من الفشل الذي منيت به عمليات تهييء وتنظيم الاستفتاء كما اعترفت بذلك هيئة الأمم المتحدة نفسها، بعد كل هذا وبعد رفض جانب المرتزقة لمخطط بيكر وما تلا ذلك من تراجع هذا الأخير عنه ، قام المغرب أخيرا بمبادرة جريئة وشجاعة وذلك باقتراح منح حكم ذاتي للأقاليم الصحراوية في إطار السيادة المغربية. 

وهنا ينبغي بين قوسين التذكير بأن جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني سبق له أن أشار في أحد أحاديثه الى إمكانية تطبيق نظام لا مركزي في الصحراء يكون في الحقيقة في أسسه وفلسفته أقرب إلى نظام الحكم الذاتي مستشهدا في أحاديثه بالأنظمة الموجودة في سويسرا وألمانيا، وكذلك الأمثلة المطبقة في إيطاليا وإسبانيا. والواقع أن المبادرة الشجاعة التي أقدم عليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله باقتراح تطبيق نظام الحكم الذاتي في الصحراء المغربية مع الحرص على احترام السيادة المغربية المتمثلة في العلم المغربي وشؤون الدفاع والخارجية والعملة، كان هذا الاقتراح متلائما مع ما كان أشار إليه جلالة والده رحمه الله في أحاديثه مع فارق هام هو أنه جاء متكاملا وطبق منظور شمولي يرمي الى معالجة الملف الصحراوي في إطار ديمقراطي وذلك بالإقدام لأول الأمر على إنشاء المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية. ومما ينبغي الإشارة إليه هو أن هذه المبادرة التي قوبلت بترحيب كبير من لدن العديد من الرؤساء والمسؤولين في الدول العربية والأمريكية والأوروبية والآسيوية أخذت بعين الاعتبار من طرف مجلس الأمن في قراره رقم 1754 بتاريخ 30 أبريل 2007 الذي نوه بالجهود المبذولة من طرف المغرب مؤكدا على ضرورة إجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين في هذا الشأن مع التذكير في نفس الوقت بمبدأ تقرير المصير. 

أفلا تتضمن المبادرة المغربية في تفاصيلها وفي إجراءات تطبيقها مبدأ تقرير المصير حيث أنها تنص على أن نظام الحكم الذاتي الذي يقره القانون الدولي والذي سيتم إقراره من خلال مفاوضات مباشرة بين الطرفين سيتم عرضه قصد الاستشارة الحرة على السكان الصحراويين المعنيين؟ وبذلك ستكون الموافقة على هذا النظام بمثابة استعمال حق تقرير المصير للسكان الصحراويين. من المؤمل أن يكتب النجاح لهذه المبادرة لأنها في واقع الأمر آخر ما يمكن للمغرب أن يسمح به وفاء لتاريخه المجيد وحفاظا على سيادته ووحدته الترابية. 

 

السفير محمد توفيق القباج 

 

 العلم

12/08/2014