بعد نظر مجلس الأمن على لائحة الحالة في الصحراء ومصادقته بالإجماع على تمديد مهمة المينورسو سيرا على نهج ودرب سابق التمديدات، ودون أن يطرأ عليها تغيير ولا تطوير ليطال تكليفها بمهمة رصد ومراقبة حقوق الإنسان، جوهر المشروع والمقترح الأمريكي.

 

اتصلت هسبريس بـ"صبري الحو"، الخبير المغربي في القانون الدولي، لأخذ رأيه القانوني في سابق مشروع التوصية الأمريكية من وجهة القانون الدولي، وكذا الأسباب التي قد تكون أجبرت أو دفعت أمريكا لسحبها من المداولة والنقاش، والسؤال أيضا عن مدى تقديره لتجاوز المغرب للأزمة ونظرته المستقبلية للنزاع.

 

من حيث الإطار القانوني لمشروع التوصية الأمريكية

 

يرى صبري الحو أن مشروع التوصية الأمريكية بتوسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان "لا تجد من سند لها في القانون الدولي، بالنظر إلى الإطار القانوني الذي نطم عودة إهتمام الأمم المتحدة بالنزاع، والذي أدرجته في الفصل السادس (الفصول من (32-38) من ميثاق الأمم المتحدة، وهو فصل تضمن مواد تعطي الأولوية في خضم البحث عن حل إلى الطرق السليمة (منها المفاوضات التي نهجتها الأمم المتحدة بمعية الأطراف إلى الآن)" وهذا الإطار القانوني، يضيف المحامي بهيئة مكناس، لا يؤهل في جميع الأحوال مجلس الأمن- دون اتفاق مسبق من أطراف النزاع- لتقدير أي إجراء ولا تقرير أي طريق تسوية في غياب ذلك الإتفاق مع ضرورة أخذ سابق ما اتخذوه من إجراءات سابقة قيد المراعاة والاعتبار، أولا لكون مشروع التوصية الأمريكية يتعارض مع مفهوم سيادة الدول، المبدأ المتأصل في القواعد والأعراف الدولية، وثانيا لكون مشروع التوصية الأمريكي لا يجد مكانا له ولو في إطار السيادة المسؤولة، الذي يتيح ويسمح لمجلس الأمن التدخل لحماية المدنيين على إثر إرتكاب جرائم خطيرة ومحددة على سبيل الحصر: جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم الإبادة الجماعية وجرائم التطهير العرقي.

 

وأشار المتحدث في اتصال هاتفي مع هسبريس إلى أن الانتهاكات التي تحدثت عنها تقارير الخارجية الأمريكية وتقرير منظمة روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الانسان وتقرير هيومن رايت ووتش، وعلى فرض جدلا وقوعها، فهي "لا تختلف عن تلك التي وقعت في فرنسا، إسبانيا، إيطاليا واليونان وأمريكا نفسها، في إطار تعامل السلطات العمومية مع احتجاجات مسلحة".

 

ويخلص صبري بالقول: "إنني أعتبر المشروع الأمريكي ولئن اتخذته أمريكا في إطار ميل موازين القوة العالمية لصالحها. فإنه من الوجهة القانونية لا ينطبق مع القواعد الدولية التي بموجبها يتم النظر في النزاع ولا حتى في إطار مسؤولية الحماية التي يتمتع بها مجلس الأمن لنفسه في ظل جرائم محددة في تقرير العالم أكثر أمنا والمصادق عليها في القمة العالمية 2005 في الدورة التاسعة والخمسون للجمعية العامة للأمم المتحدة".

 

الأسباب التي دفعت أمريكا إلى سحب مشروع التوصية

 

ويرى الحو أن سحب أمريكا لمشروع التوصية بتوسيع مهمة المينورسو لتشمل مهمة مراقبة حقوق الإنسان تظافرت فيه أسباب كثيرة ومتعددة منها من يكيف بالأساسي ومنه ما يمكن تكييفه بالثانوي ولئن حاول الإعلام والدوائر الرسمية المغربية قلب تلك التراتبية بغية تسليط الضوء على دور مؤسسة أو جهة على حساب أخرى. وحصر هذه الأسباب كون أمريكا قد تكون توصلت أو حصلت على النتيجة المرجوة من مبادرتها، لأن المبادرة ليست غاية في ذاتها بقدر ما كانت ترمي أمريكا وتصبو إلى نيل أهداف ونتائج أخرى بغض النظر عن طبيعتها آنية أو متوسطة الأمد أو حتى على المدى البعيد.

 

كما أن هناك سببا آخر، يرى المتحدث، متمثلا في بروز احتمال تصدع في طريقة اتخاذ القرارات من داخل مجلس الأمن وخاصة الخمس أعضاء دائمي العضوية ومالكي حق النقض، حيث تم التوافق على اتخاذها بالإجماع، وفي أسوأ الأحوال إمتناع المعارض عن التصويت، و تعليق حق استعمال النقض أي الفيتو. وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن دور الدبلوماسية المغربية للتأثير على شريكها التجاري التقليدي فرنسا من أجل التحرك والضغط لرفض المشروع درءا لاحتمال ولو ضئيل لجوئها إلى استعمالها النقض.

 

أما ظهور احتمال رفض روسيا مالكة حق النقض للمشروع واحتمال استعمالها لحق النقض ضد مقترح التوصية الأمريكية، فهو لا يعدو "عقابا منها للجزائر على إثر تمردها الناتج عن إلغائها صفقة الأسلحة عبارة عن طائرات ميغ بعلة فسادها وقابلته روسيا بإلغائها لصفقة صواريخ من نوع إس300". حسب رأيه، ناهيك عن "خلفية تفضيل الجزائر التعامل مع الشركات الصينة في انجاز صفقات مشاريع كبرى على حساب الشركات الروسية"، مشيرا إلى أنه لا يمكن في هذا السياق "التقليل من الدبلوماسية المغربية واستعمالها لكافة الأوراق منها إظهار وحدة وتماسك الجبهة الداخلية برفض مشروع التوصية الأمريكية، وما يعنيه ذلك من تهديد شعبي للمصالح الأمريكية"، بالإضافة إلى تحرك جماعات الضغط وأصدقاء المغرب داخل أمريكا و داخل الإدارة الأمريكية لصالح الموقف المغربي و كذا تحرك دول الخليج منها السعودية دعما ومساندة للموقف المغربي، علاوة عن عدم مطابقة المشروع من أساسه لقواعد القانون الدولي ولئن هو آخر ما تفكر الدول الكبرى في إحترامه وإقامة وزن وقيمة له.

 

تجاوز المغرب للأزمة

 

يرى الحو، أنه لا يمكن الحديث عن تجاوز المغرب للأزمة ولئن نجح في تجاوز امتحان المرحلة الأولى منه.لأن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي أثار فيه ضرورة التوصل إلى حل عاجل يعني الشيء الكثير كما ينذر بالشيء الخطير.

 

ويؤكد كون الأطراف أفلحت في بقاء الحال والوضع على ما هو عليه لمدة أربعة عقود، مستدركا بالقول: "لا يعني الاستمرار إلى ما لا نهاية، إنطلاقا من حتمية أن لكل بداية نهاية، واستنادا إلى كون المجتمع الدولي أدرك أن النزاع في وضعه الحالي يشكل خطرا على الإستراتيجيات الأمنية للدول الغربية بعد أن تحولت منطقة الساحل والصحراء إلى مشاريع للإرهاب ووكر للمجرمين وملاذ الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها".

 

وقال صبري الحو: "لقد انصرم من الوقت ما يكفي ليبقى الفوز والفلاح لمن يملك السرعة النهائية، في إقناع المجتمع الدولي بنجاعة وجدوى مقترحه في جلب الأمن والاستقرار للمنطقة وأن مقترح الطرف الآخر سيجعلها أكثر هشاشة، فهل يكون هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مقترح المغرب؟ أو الإستفتاء مقترح البوليساريو، الذي رفضه المغرب؟" يتساءل المتحدث ذاته.

 

وأشار إلى أن الأزمة الحالية التي دشنها المشروع الامريكي بتوسيع ولاية المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان هي "بداية لسلسلة قد لا تنتهي من الأزمات إن لم يتحرك المغرب على جميع الاصعدة وبكل الطرق لتطويقها عن طريق رفع درجة وعي المجتمع الدولي بأهمية مقترحه لاعتماده، وهو التقدير الذي لا يحصل عليه لدى الأمريكي كريستوفر روس" مضيفا في ذات السياق إلى أن "المغرب مدعو لتغيير نظرة المجتمع الدولي إليه باعتماد خطاب جديد لا يظهره في مرتبة الخصم والحكم في نفس الوقت، فعندما جنح و اختار الجلوس مع منظمة البوليساريو، يكون في منزلة من قدم تنازل ومستعد لتقديم المزيد منها في سبيل البحث عن حل توافقي".

 

وفي حالة فشل المغرب في تدبير الملف بالطريقة المشار إليها، يقول الحو: " أعتقد بأنه سيجد نفسه في موقف جد محرج، إذ سيكون موضع و محل توصيات تتقاطر وتتناسل بكثرة وقد يكون مجبرا على الرجوع إلى المربع الأول: الحرب بعدما فشل في إجبار البوليساريو على اختيار ونهج ذلك".

 

نظرة مستقلة للنزاع

 

وأشار الحو، كذلك إلى أن النزاع في مراحله النهائية، فإما تقديم الطرفين لمزيد من التنازلات لتحقيق حل توافقي، أو أن المغرب سيتم إظهاره دوليا بكونه المتعنت عن التعاون للمضي قدما للتوصل إلى حل. وفي هذه الحالة، يرى الخبير القانوني، "قد يتدخل المجتمع الدولي لفرض حل ما، وقد يرفضه أحد الأطراف وتكون الكارثة". وهو الأمر الذي تفطن إله المجتمع الدولي. "وأومن أن المشروع الأمريكي إنما تم من أجل إرغام المغرب على تقديم المزيد من التنازلات، الشيء الذي تفسره الإفادة الواردة في مقدمة المبعوث الشخصي كرستوفر روس لمجلس الأمن بتاريخ 22/4/2013 عند حديثه عن الخطوات المقبلة فيالعملية التفاوضية، إذ صرح أنها مرتبطة بنتائج المشاورات التي تجري الآن حول موضوع حقوق الإنسان وتأثيرها على مختلف الأطراف المعنية بصفة مباشرة وغير مباشر" يضيف المتحدث

 

ويتساءل: "فهل حصلت أمريكا بضمانات بذلك قد يفسر سحبها لمشروع التوصية ليضاف إلى باقي الأسباب؟ هذا ما ستكشف عنه دعوة روس بالمفاوضات التي لن يتأخر كثيرا في الاعلان عنها.

30/04/2013