حتى لا ينطبق علينا المثل الصيني الذي يقول :"الريح نهضت في الليل، وأخذت مشاريعنا إلى البعيد" نتساءل هل يمكن اعتبار قرار منع النواب الأوربيين الأربعة الذين قامت السلطات المغربية بطردهم يوم7 مارس2013 عند وصولهم إلى مطار الدار البيضاء وفي مثل هذه الظرفية بغير المحسوب؟ سؤال نطرحه استجابة لدواعي وطنية و موضوعية تتعلق بفعالية قرار السيادة و إكراهات الواقع الدولي، و التدخلات المتعددة في التأثير على صنع قرار السيادة و الدفاع عن حدود الدولة و كيانها. يمكن اعتبار قرار المنع الذي كان مبنيا على معطيات موضوعية تتمثل في اعتبار البرلمانيين منحازين إلى فكر انفصالي و مناهض لسيادة دولة معترف بها و لها علاقات داخل المنتظم الدولي قرارا سياديا بامتياز،ففي ظل الصراعات التي تفاقمت على المنطقة و من ضمنها مسألة مالي و ما يمكن أن تنشره من عدوى لاستقرار و فوضى و جريمة لا يمكن أن يتغاضى المغرب عن مسألة سيادة أراضيه و قراره السياسي رغم تعقيد و تشابك العوامل المؤثرة و النتائج المتوقعة و حساب المخاطر.فبين مصالح الدول أو المجموعات المحركة لقرار البرلمانيين بزيارة دعم و تقوية الطرف الانفصالي الذي ثبت بما لا يدع للشك انخراطه الواضح في منظومة التطرف بانتماء عناصره للقاعدة في المغرب الإسلامي.و بين مصالح الدولة المغربية التي تدافع عن حقوقها لابد من الاستعانة بمبررات و دوافع حماية حقوق الإنسان و قواعد القانون الدولي و الوطني و أساسيات التمدن و التحضر، باعتبار تغاضي دولة المغرب على ما يجري داخل حدودها أو ما يمكن أن يمسها من اعتداء واقعي أو افتراضي بناء على معلومات و تقارير موصوفة بالدقة، يمكن اعتباره غير مسؤول و إخلالا بالواجب الذي اضطلعت به الدولة اتجاه مواطنيها و المجتمع الدولي بحكم الالتزامات.

و لا يمكن على هذا الأساس أن تنخرط الدولة المغربية في لعبة المحاباة أو الخوف من مواقف دولية عندما تحاول بناء قراراتها على مبدأ السيادة. عملياتها داخل الدول. مُسَاءَلَةُ الدولة المغربية يجب أن تكون متماشية مع مبادئ القانون الدولي و مدى احترامه لالتزاماته ،فالمغرب تتحقق فيه سيادة القانون بِسَنِّهِ لدستوره منذ سنة 1962 إلى دستور 2011،بوصفه القانون الأسمى في البلد، ووضع إطارا لقوانين تنظيمية تكفل تنفيذه،و سار في طريق بناء مؤسساته التي تتولى شؤون العدل والحكم والأمن وحقوق الإنسان،و انخرطت الدولة المغربية بعد ما سمي بسنوات الرصاص في مسلسل إرساء عمليات العدالة الانتقالية وآلياتها و جبر الضرر للمواطنين الذين انتهكت كرامتهم و تعرضوا للتعذيب بتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة في 7-1- 2004، للبحث عن الحقيقة في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف مناطق المغرب وإنصاف الضحايا من خلال جبر الضرر ورد الاعتبار.و الدولة المغربية كانت سباقة في المنطقة إلى اعتبار المجتمع المدني ضرورة ملحة يساهم و يناضل عبر إمكاناته في تعزيز سيادة القانون وإخضاع الموظفين الحكوميين والمؤسسات العامة للمساءلة، هذه المعايير والسياسات والمؤسسات والعمليات، هل يمكن الجدال على أنها موجودة و مؤسسة عند من ساهم في خلق ذلك الفيروس "البوليساريو" الكيان الوهمي الذي زُرِعَ في خاصرة المغرب لإعاقته اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا من المضي في طريق اختاره لينعم في ظله المغاربة بالسلام والأمان؟ سؤال مشروع نطرحه لمبادلة الفكرة حول التماهي مع من يقارعون المغرب حول مفهوم حقوق الإنسان و ممارسته على الأرض أليس هذا حقا أريد به باطلا أو أريد به تدخلا أو أريد به تعطيل مسيرة؟ فالديمقراطية و حقوق الإنسان هي بالدرجة الأولى تراكمات و نضالات مستمرة لم يفتأ المغاربة كلهم في تقويم اعوجاجها و تثمين المبادرات في تثبيتها. لا يعترف تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بالحدود الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية للمنطقة، و البوليساريو و من يدافعون عن أطروحته كذلك لا يعترفون بحدود سيادة الدولة المغربية و يمكن تصنيف تصريحاتهم و مواقفهم في إطار الابتزاز السياسي تمهيدا لانطلاق مجلس الأمن الدولي في مناقشاته السنوية الدورية حول تطورات نزاع الصحراء الغربية التي تعقد في ابريل من كل عام،هذا الابتزاز المكشوف بتطويع شرعة حقوق الإنسان يصب في مصلحة تحقيق بعض الأهداف الضيقة الافق، و التي لا ترقى إلا للتشويش على مسار الدولة المغربية الحثيث في مقاربة هذه الحقوق و بخطوات جدية.

من جهتنا و تبعا لتفعيل قواعد القانون الدولي لابد من تحريك قضايا جنائية و تطبيق ما جاء في نظام روما (المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة ) لعام 1998 والذي أصبح نافذاً بتاريخ 1-7-2002 تحت شعار مكافحة الجرائم الدولية وملاحقة ومعاقبة المتهمين بارتكابها تحقيقاً للعدالة الجنائية الدولية وتحقيقاً للأمن والسلم الدوليين.ضد البوليساريو و من والاها لضلوعهم في أعمال إرهابية و خطف و احتجاز و اتجار في السلاح و الأشخاص و تهريب المخدرات و الاتجار فيها، و ذلك باعتبار أن الدولة المغربية تسعى الى حماية سيادتها الوطنية ومنع الضغوطات الخارجية مهما كانت صفتها و المؤسسات التي تمثلها من التلاعب بمصيرها، فصلاحيات الدولة المغربية عامة ومطلقة وتتجاوز أي تفسير محابي أو استلطاف مجاني ثبت في الماضي عدم جدواه الدبلوماسي في خدمة الأهداف الإستراتيجية الكبرى للمغرب.و عطفا عليه يؤكد بيتر فام٬ مدير مركز ميكاييل أنصاري التابع لمجموعة التفكير الأمريكية أطلانتيك كاونسيل٬ بأن البوليساريو و القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي يعتبران متحدان في إشاعة عدم الاستقرار بمنطقة المغرب العربي والساحل. عندما يصرح البرلماني كون بانديت أن "مسألة الصحراء الغربية لا يمكن حلها دون نقاش مفتوح و دون الإطلاع حول الوضع في الميدان".

فهذا توجه مجانب للصواب فملف الصحراء المغربية مطروح للنقاش أمام المنتظم الدولي على أعلى المستويات في الأمم المتحدة منذ عقود وتداول عليه أبرز العقول الدبلوماسية، بالتالي لا يمكن أن يزايد علينا قانونيا منذ وضع ملف الصحراء بين يدي قضاة محكمة لاهاي و إعطائها الرأي الاستشاري الذي جاء متطابقا مع وجهة نظر المغرب التاريخي و القانوني و السياسي وصولا إلى وساطة كريستوفر روس.فالوضع في الميدان داخل المخيمات معروف و تحدث عنه مجموعة من المتابعين المحايدين بأنه وضع كارثي إنسانيا و حقوقيا ،و لقد أكد الخبير الأوروبي و الأستاذ في جامعتي نوشاتل السويسرية والسوربون الفرنسية "آيميريك شوبراد" أمام ممثلي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة المجتمعين في إطار المناقشة العامة للجنة الرابعة للجمعية العامة أن "إيديولوجية البوليساريو لا تقوم على أي أساس تاريخي وجيو- سياسي يعطي مشروعية لها. والأدهى من ذلك أن هذه الإيديولوجية المصطنعة التي نشأت في ظروف الحرب الباردة فارغة جدا لدرجة أنه بالإمكان إزاحتها في فترة وجيزة من قبل التطرف إذا ارتكب المجتمع الدولي خطأ ترك الوضع يتعقد أكثر أو ساند طرح البوليساريو"، هذا الوضع الميداني داخل المخيمات هو الأولى بالمتابعة حقوقيا و إنسانيا. في نفس الإطار ومن جهتها صرحت النائبة إيزابيلا لوفين أن المغرب "يريد إخفاء أمر ما و لهذا منعنا من الاتصال بالصحراويين".هذا التصريح من جانبها منافي للحقائق على الأرض فقد سبقتها "كيري كندي" رئيسة مركز روبرت كينيدي المهتم بحقوق الإنسان بالزيارة التي قامت بها في العام 2012 للمغرب و صرحت لوكالة فرانس برس بقولها"نريد أن نشكر الجميع على تعاونه مع الوفد وكذلك المسؤولين المغاربة" و اجتمعت مع كل الأطراف المعنية بقضية الصحراء المغربية في المنطقة و قدمت تقريرها الذي ثبت مؤخرا تحيزه السافر و تعرض صاحبته للاختراق من طرف أجهزة مخابراتية معروفة لدول لها المصلحة في ضرب مصداقية المغرب و محاصرته بالملف الحقوقي،ذلك الاختراق الذي تسبب في بروز معايير انتقائية و تسييس موضوع الزيارة بشكل واضح في التعاطي مع ملف شديد الحساسية الصحراء المغربية وزرع الألغام في طريق الحل الذي قدمه المغرب كمبادرة اعترف بمصداقيته القاصي و الداني و من جميع المستويات الأكاديمية و الدبلوماسية و الحقوقية. من جهة مقابلة أثارت منظمة «تيتش ذو تشيلدرن أنترناشيونال» الأمريكية غير الحكومية، انتباه اللجنة الرابعة للأمم المتحدة إلى الوضعية الأمنية المأسوية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة بمخيمات البوليساريو،مبرزة "نانسي هوف"رئيسة المنظمة أن المسألة الأمنية في المنطقة، وبخاصة داخل محيط مخيمات البوليساريو تشكل اكبر تهديد لابد من مقاربته بمنطق شمولي ،خصوصا و أن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها البوليساريو في حق من يريد العودة إلى المغرب تشكل عائقا كبيرا في مجال حقوق الإنسان و أكدت أن هؤلاء الأشخاص "يسجنون ويتعرضون للتعذيب والانتهاك والحجز، رغما عن إرادتهم" و هؤلاء الناس يجب منحهم حق الاختيار في الالتحاق ببلدهم. هناك من يجادل بان الوفد ومناصريه تفاجئوا بالقرار المغربي بالمنع من التوجه إلى العيون جنوب المغرب،لكن الواقع هو أن الوفد البرلماني المساند لجبهة البوليساريو كان يعرف مسبقا انه غير مرحب به و المغرب لن يسمح له بالدخول إلى الأراضي الصحراوية.

القرار السيادي المغربي يقال أنه أحرج بعض الدول التي تسانده في توجهاته و هذه مسألة تتقاطع فيها التصريحات للاستهلاك الإعلامي لا اقل و لا أكثر و لا يمكن أن تتجاوز هذا المربع ،و تاريخ هذه الدول الكبرى مع الدولة المغربية في مختلف المراحل التي عرفتها العلاقات معها يؤكد أن كواليس القرارات عندها تتصرف و تتحرك وفق منطق و دوافع المصلحة والنزوع نحو التفرد والسيطرة وأحيانا الطمع في الثروات، بالتالي لاداعي للاستعجال في بناء قرارات الدولة المغربية تهم مستقبل أجيال من المغاربة لأن في العجلة الندامة، و إنما تفعيل خطط بديلة و دبلوماسيات مبتكرة و إعطاء الفرصة لوجوه و عقول نيرة للدفاع عن المكتسبات و تدعيم الديمقراطية و العدالة و الاهتمام بالمواطن كبدائل مهمة و أساسية لمقاومة أي نوع من التدخلات و الضغوطات.

14/03/2013