لقد احتار المغاربة كثيرا وفوجؤوا أيما فجأة بالقرار الغير مسبوق الذي اتخذته الإدارة الأمريكية والمتمثل في تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن للضغط من أجل إدراج نظام مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء. بعد هذا الإعلان الصاعق بدأ الشارع والخبراء والمحللون في المغرب وخارجه يتساءلون عن الأسلحة الممكن استعمالها من طرف المغرب لإحباط هذا القرار وإعادة التوازن إلى الضغط الذي تمارسه الجزائر على الكثير من أعضاء الكونغرس الأمريكي. العديد من المحللين يرون أن ما يهم بالنسبة للولايات المتحدة ليس هي صداقتها الطويلة الأمد مع المغرب أو انحيازه لسياساتها منذ أوائل عام 1960. ما يهم أكثر بالنسبة للولايات المتحدة هي مصالحها، خصوصا أن ما هو على المحك الآن هو النفط والغاز.

 

بناءً على هذا التحليل يخلص المتتبعون إلى أن المغرب ليس لديه أي نفوذ يمكنه استخدامه ضد الولايات المتحدة وأن الوسيلة الوحيدة المتاحة لديه لإحباط مشروع قرار الولايات المتحدة هو إقناع فرنسا- الحليف الإستراتيجي للمغرب والداعم الأساسي له في مجلس الأمن- للضغط من أجل تلطيف لغة مشروع القرار لدرجة تحافظ على روح التوافق التي ميزت هذه القضية في مجلس الأمن على مدى السنوات ال 15 الماضية.

 

من العوامل التي أغفلها العديد من المحللين، والتي يمكن أن تلعب لصالح المغرب، هو تضامن دول الخليج التي تعد من البلدان الكبرى المصدرة للنفط. ولئن كان صحيحا أن الجزائر بلد مصدر للغاز والنفط فإن أهميتها على خريطة النفط العالمية لا تقارن حتى مع دولة قطر، التي تعتبر الدولة التي تتوفر على أقل احتياطي من النفط، فما بالك بدول الخليج الأخرى.

 

يمكن لاستعراض سريع لأهمية هذه الدول على خريطة النفط العالمية وأهميتها لاستقرار أسعار النفط أن يعطينا فكرة عن أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة ولماذا يمكن أن تكون عاملا في صالح المغرب إذا وظف هذا الأخير علاقاته الطويلة والمتميزة مع هذه البلدان للتأثير على الإدارة الأمريكية.

 

ليس سرا أن واحدا من أهم مبادئ الإدارة الأمريكية منذ بداية أربعينيات القرن الماضي كان هو تأمين أماكن إنتاج وطرق نقل النفط والغاز. وهذا يفسر السبب في كون الولايات المتحدة لديها وجود مكثف في أهم قنوات النقل البحرية: مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، ومضيق ملقا وغيرها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الشغل الشاغل للولايات المتحدة هو الحفاظ على التدفق السلس والآمن للنفط بطريقة لا تعكر صفو الاقتصاد العالمي. وفي هذا الصدد، لعبت دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، دورا رئيسيا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.

 

ربما يقول البعض أنه منذ 11/9 خفضت الولايات المتحدة من اعتمادها على النفط السعودي وبدأت تبحث عن مزودين أكثر ثقة. هذا صحيح، لكن ما هو صحيح أيضا وأكثر أهمية بالنسبة لصانعي السياسة الأميركية هو أن المملكة العربية السعودية تلعب دورا رئيسيا وأساسيا في استقرار أسعار النفط. فقادة الولايات المتحدة يدركون جيدا أن أسواق النفط العالمية لا يمكنها الاستغناء عن نفط المنطقة (منطقة الخليج).

 

إن أي تخفيض في إنتاج النفط في المملكة العربية السعودية أو في دول الخليج الأخرى يمكن أن يكون له آثارا مزعزعة لاستقرار الاقتصاد العالمي بحيث سوف نشهد ارتفاعا صاروخيا في الأسعار. وإذا رجعنا إلى الماضي، فكثيرا ما لجأت الولايات المتحدة الامريكية للضغط على القادة في المملكة العربية السعودية للزيادة في إنتاج النفط كلما ارتفعت الأسعار ارتفاعا حادا.

 

مكانة المملكة العربية السعودية المهمة على خريطة النفط العالمية تنبع من حقيقة أنها هي المنتج العالمي الوحيد الذي لديه قدرة إنتاج احتياطية كبيرة تسمح له بزيادة صادراته في حال حدوث أزمة. بفضل هذه القدرة الاحتياطية الكبيرة تمكنت المملكة العربية السعودية من تعويض غياب النفط العراقي والكويتي في السوق العالمية خلال حرب الخليج سنة 1991 وبالتالي جنبت الاقتصاد العالمي أومة نفط كتلك التي وقع سنوات 1973 -1974 و 1979 -1980.

 

فبينما تلعب المملكة العربية السعودية دورا محوريا في معادلة النفط، تعتبر الجزائر موردا ضعيفا. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن احتياطيات النفط المؤكدة في المملكة العربية السعودية هي 265 مليار برميل، بينما احتياطيات الجزائر لا تتجاوز 12.2 مليار برميل، وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

 

وبناء على ما تقدم ذكره، وأخذا في الاعتبار الدور الذي يلعبه النفط في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن للمغرب أن يستفيد كثيرا من تأثير المملكة العربية السعودية لثني الإدارة الأميركية عن المضي قدما في مشروع القرار الذي لا يصب فقط ضد مصلحة المغرب في هذا النزاع، بل يهدد استقراره واستقرار المغرب العربي كله ومنطقة الساحل.

 

فإمكانية رؤية المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر يتدخلون لصالح المغرب أمر مرجح جدا خصوصا إذا استحضرنا علاقات الأخوة والصداقة الطويلة بين الأسرة الحاكمة في المغرب وأمراء وملوك دول الخليج. ففي العلاقات الدولية، للعلاقات الشخصية أهمية قصوى، حيث يمكن أن تلعب دورا بارزا في التأثير على خيارات صناع القرار. وهذا هو العامل الذي دفع قناة الجزيرة بالدوحة لبدء استخدام خريطة يظهر فيها المغرب كاملا بمجمل أراضيه بما في ذلك الصحراء.

 

وباستحضار العلاقات الممتازة التي يتمتع بها ملك المغرب محمد السادس مع ملك المملكة العربية السعودية، وأمير دولة قطر، وأمير الكويت وأمير الإمارات العربية المتحدة، فهناك احتمال كبير أنهم سيكونون على استعداد للعب دور هام في إقناع الولايات المتحدة للتخفيف من لهجة مشروع قرارها لدرجة لا تضر بمصالح المغرب في الحفاظ على سيادته على الصحراء.

 

وعلاوة على ذلك، فإن تدخل حلفاء المغرب الخليجيين لا يصب في مصلحة المغرب فقط، بل أيضا في مصلحتهم لأن تحول الولايات المتحدة بشأن الصحراء إشارة واضحة على أن واشنطن يمكن في أي لحظة أن تضحي بأحد حلفائها. فالإدارة الأمريكية التي تدير ظهرها للمغرب اليوم، يمكن أن ترفع دعمها عن أي دولة من دول الخليج غدا.

 

وبناءً على هذه الفرضية ،فإن البحرين يمكن أن تكون أحد الضحايا الجدد للسياسة الأمريكية المتقلبة على ضوء انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة ضد الشيعة. لذالك ينبغي على دول الخليج توحيد جهودها واستعمال نفوذها ووزنها في سوق النفط العالمية وإعطاء إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأن تحترم المصالح الإستراتيجية لحلفائها وبأن تبتعد عن أي تسييس لحقوق الإنسان مهما كان ثقل الضغوط الممارسة عليها من طرف منظمات حقوق الإنسان.

 

أهمية المملكة العربية السعودية والبلدان المجاورة لها في سوق النفط العالمية تتيح لها التوفر على مزيد من النفوذ حتى مع الصين، التي هي عضو دائم بمجلس الأمن يمتلك حق النقض (الفيتو) وثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم. فبسبب طلبها المتزايد على النفط واعتمادها على الواردات يمكن للصين استخدام نفوذها في مجلس الأمن ومعارضة ما سيبديه من مشروع القرار الحالي إذا ضغطت عليها دول الخليج في هذا السياق.

 

ولعل التطور الأخير بخصوص قضية الصحراء يجب أن يكون جرس إنذار للمغاربة بأن زمن البلاغة والأحلام بمغرب عربي موحد لم يعد صالحا مع وجود قيادة جزائرية عازمة على زعزعة الاستقرار بالمنطقة وتحلم بالاضطلاع بدور المهيمن الأساسي فيها.

 

لذا يجب على المغرب أن يستفيد من العلاقات الممتازة التي يتمتع بها مع دول الخليج وأن يخلق محورا باستطاعته خلق التوازن مع محور الجزائر وجنوب افريقيا ونيجيريا وفنزويلا وكوبا، المحور الذي طالما حشد التأييد لصالح البوليساريو وأضر كثيرا بموقف المغرب في نزاع الصحراء.

سمير بنيس*

 

* محلل سياسي مغربي - مستشار في الأمم المتحدة - رئيس تحرير الموقع الإخباري باللغة الإنجليزية Morocco World News

 

23/04/2013