بعد سنين من الإيمان المطلق بالنظرية الماركسية، حتى غدت مبدأ روحيا للجبهة أسست عليه كرها تصورها للمجتمع الذي تريده ماديا وثوريا "قتاليا"، وهو الأمر الذي جعلها ترتكب أكبر الجرائم في حق الإنسانية حين كانت تقتلع بالقوة أطفالا صغارا من أحضان أمهاتهم لإيفادهم قسرا إلى كوبا قصد التربية على مبادئ السياسية الشيوعية والماركسية المادية، في خلاف مع ثقافة ووجدان الصحراويين المحتجزين في مخيمات تندوف.

 

وإذا كانت هذه هي العقيدة السياسية والمجتمعية لجبهة البوليساريو فإن متابعة سيرورة أنشطتها اليوم يلحظ لجوءها إلى الدين الذي ظلت معه في مخاصمة طويلة الأمد لتعلن توبتها بصورة مفاجئة أمام عدد من قساوسة الولايات المتحدة الأمريكية حيث تتبنى بعض الكنائس طروحاتها الانفصالية.

 

وأن تنظم جبهة البوليساريو حدثا دينيا وهي التي كانت على قطيعة كلية مع الدين يعد أمرا مريبا للغاية. بل أبت إلى أن تزيد من تناقضاتها في ملتقاها لـ"حوار الأديان" وذلك بأن جعلت غالبية المدعوين إليها قساوسة مسيحيين من الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وبدل أن تمارس قيادات البوليساريو عملية "الإعتراف" أو بالأحرى البوح الديني في محراب قساوسة الولايات المتحدة الأمريكية بجرائمهم في مخيمات تندوف واستجداء المغفرة من تحويل المخيمات إلى سجون كبيرة أبت إلى أن تخفي انتهاكاتها بعقد ندوة حول "سيرة النبي داود عليه السلام في الديانات السماوية" وأخرى في موضوع "اساليب الدعوة لله" وهكذا تروج لتوبتها "النصوح" ممزوجة بفعل سياسي بئيس يستدرج العمل الديني لأداء دور سياسي مشين في ملف نزاع الصحراء.

 

وعليه، يمكن القول أن البوليساريو وبعدما لم يتأت لها تحقيق إنجاز نوعي بالورقة الحقوقية بعد أساليب الدعاية السياسية والإعلامية من خلال لباس الجلباب الجزائري في المنتديات الدولية ولدى الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية تحاول مرة أخرى عبر رجالات الدين لتصدير توصية أممية في حقوق الانسان تحي أمل الجزائر في نيل منفذ على البحر الأطلسي.

 

وحتى تخلط الجبهة خلطتها لاستعمال الدين كشكل جديد من أشكال الدبلوماسية لإثارة مسألة حقوق الإنسان في المنتديات الدولية ومواصلة العمل عليها لإنهاك الموقف التفاوضي المغربي عملت على دَيْنَنَة السياسية أو تسييس الدين بدعوة قساوسة للمشاركة في ملتقاها لحوار الأديان تجهل أسباب اختيارها موضوع مزيف بالكثير من الإسرائليات "داود عليه السلام في الكتب السماوية" و"قصة داود بين القران والتورات" و"داودو وجالوت"...

 

وبناء عليه، فإنه من المثير للاستغراب أن تتدين جبهة البوليساريو بسرعة كبيرة بعدما قامت بجبر المجتمع الصحراوي المحافظ على أن يكون شيوعيا، وأجبرتهم على الصلاة بالقصر "التقصير" ومنع الصيام طبقا لفتوى أصدرها قادتها تابعت عملية تشويه إيديولوجيا المجتمع الصحراوي في توافق مع مشروع العسكر الجزائري بمحاربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ فقامت بشن حملة اعتقالات في صفوف طلبة صحراويين ممن كانوا متأثرين بفكر جبهة الإنقاذ.

 

كما أن تدين جبهة البوليساريو على غير غرة يطرح اليوم أكثر من علامة استفهام وهي التي لم تبن ولا مسجدا وحدا بالمخيمات في حالتها الشيوعية المادية، تتحول إلى الدروشة السياسية لكن في محراب المسيحية، حيث تنظم ملتقاها لحوار الأديان بالتعاون مع مؤسسة دينية تنصيرية بناء على اتفاقية تجمع بينهما من أجل القيام بأعمال تربوية لفائدة أطفال المخيمات.

 

وقد خلف عملية محاربة الدين في المجتمع الصحراوي المحافظ بسليقته، فإنها أوجدت فراغا روحيا ظلت متلهفا إلى عملية ملئه، فكان أن أعاد الشباب الصحراوي يوجون مجتمعهم دينيا، وهو ما شكل بداية الخلاف السياسي بين القادة والقوى الشعبية، وهو ما يبرز واضحا في الاحتقان السياسي والإجتماعي داخل المخيمات عبر تظاهرات واعتصامات أمام مقر قيادة جبهة البوليساريو، وبدأت معالم هذا الاختلاف لتصل إلى كل مؤسسات البوليساريو. بذلك تكون البوليساريو قد أوجد أسباب فنائها من تناقض مشروعها الديني.

عبـد الفتـاح الفاتحـي

*متخصص في قضايا الصحراء والشؤون المغاربية

28/11/2013