كيف سَحب المغرب البساط من تحت أقدام الجزائر في أزمة مالي؟

خلال لقاء احتضنه المغرب شهر نونبر من السنة الماضية، اتفق وزراء خارجية تسعة عشر بلدا، من بينهم فرنسا، ليبيا ومالي، على إحداث منشأة للتكوين المشترك على أمن الحدود، التي من المرجح أن تحتضنها العاصمة المغربية الرباط. وجاء هذا الإعلان، الذي يحمل اسم «إعلان الرباط»، ليتوج جهود المغرب المكثفة لإثبات قدراته في مجال الأمن وعمليات مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا. ولقد تجسدت سياسته الخارجية الجديدة مع انطلاق شرارة الاضطرابات في مالي قبل سنتين، الأمر الذي كان قبل وقت قصير مجال لجارة المغرب، الجزائر.

وخلال تفاعلات الأزمة المالية، التي انطلقت بانتفاضة قبلية تلاها انقلاب عسكري ومواجهات عسكرية قادت إلى التدخل الفرنسي، ركز الساسة والمتتبعون على فرصة الجزائر للعب دور في إنهاء الصراع من خلال تسخير قوتها العسكرية والاستخباراتية. غير أن الإحباط كان مصيرهم. فرغم أن جنة الإرهابيين تمتد على الحدود بين مالي والجزائر كنتيجة للحرب الأهلية التي شهدتها الجزائر سنوات التسعينات من القرن الماضي عندما تم إبعاد الإسلاميين المسلحين من المناطق ذات الكثافة السكنية الكبيرة نحو الجنوب والحدود الصحراوية في شمال مالي، إلا أن الجزائر نأت بنفسها عن مشاكل مالي، منشغلة بسياساتها الداخلية ومصالحها. لقد ركزت الجزائر على تأمين حدودها ضد مد النشطاء الإسلاميين، وعلى الصراع الداخلي على السلطة بين «إدارة الاستخبارات والأمن» القوية، التي تحدد من زمن بعيد من يحكم البلد، والنخبة الحاكمة من حزب «جبهة التحرير الوطني»، الذي يقوده الرئيس السبعيني عبد العزيز بوتفليقة.

وفي المقابل، سارع المغرب بالانضمام للتدخل الذي قادته فرنسا في مالي، وتمكن بفضل استغلاله هذه الفرصة من تحقيق امتياز في معركته مع الجزائر على النفوذ الإقليمي. والأمور التي كانت في السابق بعيدة المنال، من قبيل التأثير على بلدان منطقة الساحل وخلق علاقات ثنائية معها دون تدخل الجزائر، أصبحت الآن في متناول المغرب.

باسم جلالة الملك

وجد المغرب نفسه مبعدا بشكل كبير من المبادرات الإقليمية بسبب خصومته الطويلة مع الجزائر، فعلى سبيل المثال، المغرب ليس عضوا في «لجنة أركان العمليات المشتركة» التي يوجد مقرها في الجزائر، والتي تعمل على تنسيق عمليات مكافحة الإرهاب بين الجزائر، مالي، موريتانيا والنيجر. واستبعاد المغرب أدى فقط إلى إضعاف أفق الانتظار لإيجاد ردود فعل شاملة ومتعدد الأطراف لمسألة التطرف. والنتيجة أن للمغرب دوافع جيوستراتيجية، اقتصادية وربما توسعية لتعزيز مكانته في شمال إفريقيا. لكن إذا كانت دوافعه تقوم أيضا على منطلقات أمنية، لوقف انتشار مد النشاط الإسلاميين في المناطق الحدودية التي لا يحكمها قانون في منطقة الساحل، فإن أمام المغرب بطاقة واحدة ليلعبها في التعامل مع الأصوليين: وهي ورقة السلطة الدينية.

تستمد العائلة الملكية في المغرب، التي توجد في الحكم منذ القرن السابع عشر، شرعيتها من انحدار الملك المباشر من شجرة أنساب الرسول محمد [عليه الصلاة والسلام]، وهو ما يؤمن به المغاربة. والملك يحمل صفة «أمير المؤمنين» ويعتبر أعلى سلطة دينية في البلد. ويمكن القول إنه يتمتع بشرعية أكبر من أي ملك آخر في العالم العربي، وذلك راجع لتضافر مجموعة من العوامل، من الروايات التحذيرية من تبعات الانتفاضات ضد العلمانيين المستبدين في مصر وتونس إلى العباءة الدينية للملك والتجانس الديني للمغرب. الملك الحالي، محمد السادس، قدم نفسه كرمز للاعتدال الديني والإصلاح في المنطقة، من خلال مبادرات من قبيل إرسال مئات الأئمة (من بينهم نساء) إلى مدن أوربية ذات ساكنة مهمة من الجالية المغربية للقيام بالدعوة ضد التطرف.

ولقد مد الملك بعضا من مبادراته إلى مالي، حيث قدم منحا لدراسة الدين في الجامعات المغربية لفائدة الطلبة الماليين. وتروم هذه التكوينات التصدي للإيديولوجيات الأصولية ودعم التسامح مع غير المسلمين، كما تقدم تعليما جامعيا موسعا يشمل التاريخ والجغرافيا والحكومة وحقوق الإنسان. ومن شأن هذه الجهود وغيرها أن تعزز انتشار المذهب المالكي المعتدل مقارنة مع باقي المذاهب، مع ما يحمله ذلك من أمل توجيه ضربة استباقية للتطرف الإسلامي، بدلا من الاكتفاء برد الفعل فقط. وثمة مذاهب أربعة في الإسلام السني وهي الحنفي، الحنبلي، المالكي والشافعي، والمذهب المالكي يعتبر الأكثر انتشارا في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. والمذهب المالكي يدعو لاحترام حتى السلطات العلمانية، ويعتبر إجمالا أكثر المذاهب الإسلامية اعتدالا.

ولقد باشر الملك محمد السادس سياساته الدينية بكل سهولة في المملكة، لأن الدولة تفرض مراقبة شديدة على الحياة الدينية، من خلال تحديد ساعات فتح المساجد، فرض الحصول على ترخيص وزاري على كل الأئمة، حماية البلد من الفتاوى الخارجية للحد من امتداد الحركات الإسلاموية الدولية. ولقد مكنت مراقبة الدولة من الحد من تكوين الجماعات السلفية المغربية، خصوصا بالمقارنة مع الدولة المجاورة، وسمحت للحكومة بالعمل على تحييد أي عنصر من الزعامة السلفية الداخلية. كما أن مؤسسات النشر التابعة للدولة باشرت مشروع طبع نسخ من القرآن الكريم وتوزيعها على المساجد في البلد وفي أوربا وفي مناطق بغرب إفريقيا.

تحرك الرباط

المغرب يسعى في الوقت الراهن لنقل هذا النموذج للممارسة الدينية التي تشرف عليها الدولة إلى مالي ويصبح بالتالي مصدرا للإسلام المعتدل في شمال إفريقيا. في شتنبر 2013، وقع المغرب ومالي اتفاقا لاستقدام 500 إمام مالي إلى المغرب من أجل تمكينهم من التكوين الديني، حيث تأمل حكومتا البلدين أن تشكل تلك الخطوة حصنا منيعا ضد الدعاة الباكستانيين والسعوديين المتشددين، الذين أقاموا مدارس ومساجد في مالي. ولقد عمل أولئك السلفيون الأصوليون والوهابيون تدريجيا بسحب البساط من تحت أقدام التأثير الصوفي الهادئ في مالي وشمال إفريقيا. وفي نونبر، وقبيل توقيع البلدين على ميثاق الأمن الإقليمي، توصل المغرب ومالي إلى اتفاق بخصوص الشؤون الدينية. ومن خلال شراكة بين وزارتي الشؤون الإسلامية في البلدين، تم الاتفاق على التعاون وفق ما ينص عليه المذهب المالكي من أجل الدعوة إلى الاعتدال والتصدي للإيديولوجيات المتشددة.

وبالنظر لكون المغرب يلعب دور المشرف، فإن الاتفاق سيشمل بكل تأكيد فرض الممارسات الدينية المغربية في مالي. غير أن الممارسات الدينية في مالي تتوفر على الكثير من النقط المشتركة مع ما هو عليه الحال في المغرب، فهي تسير على المذهب المالكي لأبعد حد كما أن النخب المالية ترى في احتمال التماهي مع المغرب أقل الأضرار. إذا تأكد نجاح هذه المبادرة، فإن تأثير المغرب في مالي وفي منطقة الساحل سيسير في منحى تزايدي، لكن المغرب قد يكون لا يزال محتفظا بآماله لإعادة تشكيل «المغرب الكبير» بضم المناطق الصحراوية المتاخمة للجزائر، وكامل موريتانيا وشمال غرب مالي. وظهر ذلك المصطلح في أعقاب استقلال المغرب سنوات الخمسينات من القرن الماضي، عندما كان الوطنيون يتطلعون لاستعادة الحدود السلطانية للمغرب قبل وضع الحدود الاستعمارية.

علاوة على الاتفاقات الأمنية والدينية مع مالي، سعى المغرب الذي يفتقر للنفط والموارد الطبيعية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع جيرانه الجنوبيين. لذلك عمل على إحداث فروع لأبناكه في مالي والسنغال، ومن بينها «التجاري وفا بنك»، الذي حاز أكثر من 50 في المائة من حصة أسهم بنك مالي الدولي. كما شركة «اتصالات المغرب» اقتنت شركات الاتصال في مالي، موريتانيا والنيجر وتملك فروعا في بوركينا فاصو. أما المكتب الشريف للفوسفاط، الذي تشرف عليه الدولة المغربية، فقد كثف من عمليات اكتشاف حقول الفوسفاط في شرق مالي (ودعم في إطار هذه العملية الأمن الغذائي لمالي). وتتوفر مالي على موارد طبيعية أخرى يمكن أن تعمل الصناعات المغربية على استخراجها من قبيل الذهب، اليورانيوم، الحديد وربما الألماس.

من فاس إلى تمبكتو

القوت وحده هو الكفيل بكشف طبيعة العلاقة بين المغرب ومالي، إما أن تكون علاقة تتميز بشراكة متكافئة أو أن مالي ستكون تابعا تدور في فلك المغرب. وبالنظر لحجم النفوذ الذي سيحصل عليه المغرب على حساب مالي، لابد أن يتساءل المرء عما إذا كانت حكومة الرئيس المالي إبراهيم بوبكار كيتا قادرة على مناقشة اتفاق للحصول على تعويض منصف في حال تمكن المغرب، مثلا، من اكتشاف احتياطي ضخم من الموارد الطبيعة في مالي.

وفي نفس الآن، فإن جارة المغرب، الأكبر مساحة، لا تزال تلقي بظلالها على المنطقة. وإذا أصبحت هذه الجارة أقل تحفظا واهتماما بالشؤون الداخلية أو إذا دفع ارتفاع معدل عدم الاستقرار على حدودها حكومتها إلى التحرك نحو الخارج ولعب دور إقليمي أكبر، فقد تحبط تطلعات المغرب وتفشل سياسته الخارجية التي تشتغل في هدوء. وإجمالا، فإن الجزائر تظل القوة الأولى اقتصاديا وأمنيا في المنطقة، وتتوفر على حدود ممتدة وقابل للانفتاح على مالي. ومشاهدة مصالح المغرب وهي تتقوى على حسابها وراء تلك الحدود قد يصيب الجزائر بصدمة تخرجها من حالة الهدوء هاته.

غير أن المغرب ضمن لنفسه دورا متميزا كوسيط ديني إقليمي، وهو أمر لا يمكن أن تنتزعه منه الجزائر. وبفضل الروابط الدينية التاريخية التي تربط بين مالي والمغرب، حيث كانت فاس وتمبكتو في وقت من الأوقات تعتبران أهم قطبين في الغرب الإسلامي يعملان ويعلمان المذهب المالكي، فإن المغرب لن يجد صعوبة في ترويج توجهه الديني لدى المعتدلين الماليين، الذين من المرجح ألا يروا في ذلك غزوا خارجيا مقارنة مع أي تدخل غربي. وبطبيعة الحال، فإن نجاح عملية استئصال الأصولية قد تتطلب عدة سنوات. العديد من القوى المزعزعة للاستقرار دخلت مالي وخرجت ولم تترك وراءها سوى الدمار. غير أن استقرار البلاد ونجاحه على المدى البعيد يتطلب وجود شريك يفهم ثقافة البلد وهويته الدينية وله القدرة على إعادة ضخ الطاقة مجددا في المجتمع الذي يظل، رغم الاضطرابات، مقاوما للتطرف ولإيديولوجية العنف. ورغم أن مالي قد تكون تابعا يدور في فلك قوة شمال إفريقية أخرى، إلا أن تدخل المغرب يمثل أفضل فرصة لاستئصال التطرف من ذلك البلد.

عن «معهد واشنطن، ترجمة عبد الله أوسار