بنيونس المرزوقي..أستاذ القانون الدولي

إن قاعدة ضرورة تعدد الهيئات المعبرة عن تطلعات أي مجتمع، تدفع إلى التساؤل لماذا تصر بعض الأطراف على ضرورة التفاوض مع البوليزاريو لوحده؟ بل لماذا لا نسمع إلا عن حركة "يتيمة" تفرض نفسها على السكان جبرا؟ ولماذا لا يسمح "البوليزاريو" للسكان الصحراويون بحرية الرأي والتنظيم؟

كثيرا ما يصرح المسؤولون الجزائريون والأطراف المعادية للمغرب، على أن قضية الصحراء المغربية ينبغي أن تعالج في إطار "تصفية الاستعمار"، وأن ذلك يستلزم مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة "البوليزاريو"، لكنهم يقفزون على العديد من الحقائق التي طبعت مسيرة حركات التحرر الوطنية التي قادت شعوبها إلى الاستقلال بدعم من المجموعة الدولية.

لذا، فإن هذه المقالة، ستحاول أن تبين أن الأمر يتعلق هنا بحالة لا يمكن معها أن تطبيق المعايير الدولية لإجراء مفاوضات بالمعنى المتعارف عليه.

 

تذكير بالحالات العادية

إن الاستناد إلى التجارب الدولية، يبين بوضوح أن تصفية الاستعمار لا تعني دائما الاستقلال. وقد سبق للأمم المتحدة أن نظمت استفتاءا في الطوغو البريطاني سنة 1956 قرر السكان من خلاله الاتحاد مع دولة غانا؛ كما أن الاستفتاء الذي أجري في الكامرون الجنوبي خلال سنة 1961 أدى إلى الانضمام إلى جمهورية الكامرون، وأن الاستفتاء في الكامرون الشمالي خلال نفس السنة أدى إلى الانضمام إلى فدرالية نيجيريا. وهذا يدل على أن القاعدة الأولى لأية مفاوضات ينبغي أن تستحضر هذه المعطيات، وإلا فإن الأمور لا تعدو أن تكون مضيعة للوقت.

 

أين هذا من ذاك؟

تبعا لما سبق، فإنه حتى إذا سلمنا نظريا أن الأمر يتعلق بقضية "تصفية استعمار" بالنسبة لقضية الصحراء، فإنه ينبغي أن تتوفر في الطرف الذي سنتفاوض معه بعض الخصائص، أو على الأقل حد أدنى مما كان لدى حركات التحرر الوطنية التي فرضت نفسها من خلال مصداقيتها. وإليكم بعض الأمثلة:

 

أولا: أين "البوليزاريو" من حركة سوابو في ناميبيا؟

إن الجبهة الشعبية لتحرير جنوب غرب إفريقيا (سوابو) التي قادت ناميبيا إلى الاستقلال، لم تتمكن من ذلك إلا في ظل شرطين أساسيين: إجماع المنتظم الدولي (دولا ومنظمات دولية) على عدالة قضية ناميبيا من جهة، ومصداقية حركة سوابو التي كانت الممثل الشرعي للشعب الناميبي ليس كحركة تحرير وحيدة فرضت نفسها على الساحة، ولكن كجبهة تعمل ضمن تعددية حزبية.

لقد كانت ناميبيا تتوفر على 11 حزبا سياسيا (الحزب الفدرالي، الحزب الوطني، الحزب الليبرالي، جبهة تحرير الشعب الناميبي، ...) ولكن الشعب الناميبي اختار حركة سوابو ودعمها لتكون بمثابة الناطق الرسمي دون وصاية من أية جهة.

فأين "البوليزاريو" من هذا: حركة وحيدة، تفرض نفسها على السكان، ولا تترك لهم حرية اختيار من يدافع عن مصالحهم.

 

ثانيا: أين "البوليزاريو" من جبهات تحرير أريتريا؟

بنفس المنطق السابق، نقول أن أريتريا، رغم عدالة قضيتها، والإجماع الدولي الذي حصل حولها، فإن استقلالها تم وسط تعددية حزبية (الحزب الوحدوي، حزب التجمع الإسلامي، الحزب التقدمي الليبرالي...) ومن خلال نضال جبهة تحرير أريتريا والجبهة الشعبية لتحرير أريتريا.

ومرة أخرى، يتبين أن الشعب الأريتري لم تفرض عليه بدوره أية وصاية من أية حركة وحيدة مثل ما يفعله "البوليزاريو".

 

صعوبة فرض وصاية على الشعوب

لن نعدد الأمثلة، ولكن يكفي أن نقول أنه لم يعد من السهل الآن أن يتم فرض جبهة أو حركة أو حزب واحد على شعب بأكمله. ولنا في القضية الفلسطينية (دون أية نية في المقارنة) نموذجا للشعب الذي يخضع لاستعمار استيطاني عنصري صهيوني/ ومع ذلك لم تستطع أية حركة أو جبهة فرض نفسها كوصي على الشعب الفلسطيني: فمن خلال حركة "فتح"، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحركة حماس....يعبر الفلسطينيون عن تطلعاتهم، ولم تكن هناك من إمكانية لفرض أية "جبهة" إلا من خلال التوافق حول منظمة التحرير الفلسطينية.

 

المكانة الحقيقية للبوليزاريو

إن النماذج السابقة، تخلص بنا إلى قاعدة ضرورة تعدد الهيئات المعبرة عن تطلعات أي مجتمع، فلماذا إذن تصر بعض الأطراف على ضرورة التفاوض مع البوليزاريو لوحده؟ بل لماذا لا نسمع إلا عن حركة "يتيمة" تفرض نفسها على السكان جبرا؟ ولماذا لا يسمح "البوليزاريو" للسكان الصحراويون بحرية الرأي والتنظيم؟

أعتقد أن هذه الحركة، ليست إلا فصيلا من الحركة الوطنية الأم، فلا يمكن والحالة هذه التفاوض مع إلا مع مجموع هذه الحركة وليس مع جزء منها. إن أي تفاوض حول مستقبل الصحراء لا بد وأن يتم مع حزب الاستقلال، والاتحاد الوطني/الاشتراكي للقوات الشعبية، وورثة حزب الشورى والاستقلال والحزب الشيوعي المغربي.

إن هذه الأحزاب هي التي تتشكل منها الحركة الوطنية المغربية التي كانت تناضل ضد الوجود الاستعماري الفرنسي والإسباني معا. فلا يمكن بتاتا أن يتحكم الجزء في مصير الكل. لا يمكن أن يتم التفاوض مع "البوليزاريو"  لأن رأيه لا يمثل إلا رأي أقلية قليلة يجب عليها الانضباط لاختيار الأغلبية الساحقة التي قالت كلمتها ولا زالت متشبثة بها.

 

من يتفاوض مع من؟

إن وجهة نظري تتلخص في أن الشعب المغربي عبر من خلال العرش من جهة، ومن خلال الحركة الوطنية من جهة أخرى، عن تطلعاته للعيش في إطار دولة مستقلة عن الاستعمار الفرنسي والإسباني. لذا، فإن أي تفاوض محتمل ينبغي أن يتم بين الأحزاب المغربية المشار إليها أعلاه (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، ورثة الحزب الشيوعي وبقايا حزب الشورى والاستقلال) وجبهة "البوليزاريو".

لأن الأمر هنا يتعلق بحركات من طبيعة واحدة. أما أن تتفاوض الدولة المغربية مع جبهة حزبية، فهذا غير مستساغ وليس من مهام الدولة إلا إذا كان ذلك في إطار مشاورات مع كل فصائل الحركة الوطنية.

 

موضوع التفاوض

بناء على هذا التصور، يمكن الآن أن نتساءل عن موضوع التفاوض الذي سيصبح شأنا حزبيا داخليا. إن المغرب من خلال تحرير المناطق الشمالية والجنوبية من الاستعمار الإسباني، والمناطق الوسطى من الاستعمار الفرنسي، لا يمكن إلا أن نعتبر أن القضية الوطنية تكاد تستنفذ، وأنه قد حان الوقت لتعميق القضية الديمقراطية.

إن المسألة الديمقراطية هي أساس أي تفاوض محتمل، ذ1لك أن هذا المسلسل سيفتح للمغرب ’فاقا واسعة إذا تم التعامل مع الموضوع في شموليته. إن المقصود هنا هو الديمقراطية السياسية النزيهة القادرة على التأثير على جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وهكذا "نتفاوض" حول طرق التقليص من الفوارق الاجتماعية، ووسائل التقليص من الفوارق بين الجهات، وحل المسألة اللغوية، وتصفية ملف انتهاكات حقوق الإنسان...وكل ذلك في أفق خلق نظام جهوي فعال.

إن هذه المواضيع هي أساس أي تفاوض محتمل، ومن المؤكد أنها سوف لن تدفع المغرب إلا إلى المزيد من التقدم دون تخوف من أي انحراف ما دام أن العرش والمؤسسة الملكية ستبقى هي الضامن لوحدة البلاد.

 

 

بن يونس المرزوقي

أستاذ باحث

كلية الحقوق

وجدة

08/01/2013