لا يمكننا إلا أن نعتبر أن النضال الوطني كان رائدا في العمل على استكمال الوحدة الترابية، وقد لا نجد وصفا يليق بمقام رجالات الحركة الوطنية غير وصفهم برسل الحرية والسلام والتحرير. حيث اعتمد رجالات الحركة الوطنية على كل الأساليب المشروعة للتحرير، فلجأوا إلى المقاومة والكفاح المسلح إلى أن تم إجبار فرنسا على الجلوس إلى طاولة التفاوض فكان إبرام اتفاقية إيكس ليبان التي بمقتضاها عاد الملك محمد الخامس من المنفى في نونبر 1955، والتوقيع على اتفاقية مغربية فرنسية وضعت حدا لنظام الحماية الفرنسية في 2 مارس 1956. وكذا إلغاء الحماية الإسبانية في المنطقة الشمالية في أبريل من نفس السنة، وانسحبت من منطقة سيدي إفني سنة 1969.

 

وبفضل رجال الحركة الوطنية أصبح المغرب بلد الملاحم التاريخية، بتاريخ حافل بالعديد من اللافتات المضيئة في تاريخ المقاومة، وصار مدرسة في الكفاح والنضال استرشدت به العديد من الأمم. إلا أن هذا المسار لا يزال يطرح الكثير من الجدل بشأنه كخيار استراتيجي لاستكمال الوحدة الترابية، سيما بعد تعثره في حل نزاع الصحراء واسترداد المدينيتن السلبيتين وباقي الثغور.

 

وبناء عليه، فإن استراتيجية التفاوض لاستكمال الوحدة الترابية من حيث هي خيار استراتيجي انتهجه المغرب وأجمع عليه المغاربة، بات يطرح أسئلة وجيهة بعيد فشل الدبلوماسية المغربية في تحقيق مكاسب ترابية منذ تدويل قضية الصحراء واستمرار السكوت عن المدينتين المحتلتين.

 

وإذا كان المغرب ورجالات الحركة الوطنية قد وضعوا أسلحتهم وراهنوا على مبدأ خذ وناضل، إلا أنه بعد مسار من المفاوضات الطويلة تأكد بأن أمر استكمال الوحدة الترابية المغربية بات صعبا للغاية، بل وبات يطرح تساؤلات هيكلية تتصل بمدى قدرتنا على التسريع بحل القضايا الترابية في الجهة الجنوبية والجهة الشمالية والجهة الشرقية.

 

وعليه، فإن واقع حال دبلوماسيتنا فيما يخص استكمال الوحدة الترابية اليوم بات عاجزا للتقدم بخطوات سريعة، وفي ذلك تداعيات خطيرة على عناصر القوى السياسية والسيادية للمغرب بما فيها هيبة القوى الأمنية والقوى العسكرية والقوى الفكرية والدينية للمملكة في المنطقة. بل ويضعف من هيبتها في البيئة الخارجية أي في نطاق العلاقات الدولية، وفي ذلك إضعاف لدور المغرب داخل المنظومة الإقليمية عسكريا واقتصاديا وبشريا ....

 

وإذ نحن لم نستوعب بعد واقع الصدمة على مستوى تدبير المفاوضات تحت إشراف كريستوفر روس المبعوث الأممي إلى الصحراء، فإن لذلك الكثير من التداعيات التي ستُهد مرجعيتنا السياسية والمجتمعية، بعدما تم تضخيمها رسميا بأن التفاوض لاستكمال الوحدة الترابية إبداع مغربي أصيل. مما حسم الجدل التاريخي بين القصر وجيش التحرير وأقطاب الحركة الوطنية المغربية حيال أسلوب تحقيق الإستقلال، فكان أن استطاع المخزن آنذاك الانتصار لمبدأ "خذ وناضل" أي استكمال الوحدة الترابية على أساس التفاوض وبالتدرج.

 

والحالة هذه، يمكننا القول بأن الجيل الراهن قد وجد نفسه مثقلا بإرث اختيار بات متهما بأنه غير ناجع لاستكمال الوحدة الترابية، مما يجعل مستقبل هذا الجيل مرهونا بالكثير من التحديات لاستكمال الوحدة الترابية في الجنوب المغربي وفي شماله (استرجاع المدينيتن السليبتين سبتة ومليلية والجزر الجعفرية)، والمطالبة بأجزاء في الصحراء الشرقية التي تسيطر عليها الجزائر كمناطق القنادسة وبشار وتندوف ...

 

إن المؤكد عمليا أن واقع استكمال الوحدة الترابية باتت تتدخل فيه العديد من الإعتبارات نتيجة عمليات التغيير السريعة التي تطال بينة العلاقات الدولية، وما يترتب عن ذلك من تغيير في المقولات المؤطرة لطبيعة الحدود والنفوذ الاستراتيجي، ولذلك يسجل اليوم صعوبات حل العديد من القضايا الحدودية المطروحة أمام الأمم المتحدة.

 

ولم تعد الجغرافيا دليلا على التبعية الترابية للأقاليم، ولا الخرائط الموروثة عن الاستعمار، وهي كلها تداعيات أخرى أربكت واقع البحث عن حلول لعدد من النزاعات الدولية، ولذلك تعمل الأمم المتحدة على الإبقاء الأوضاع على ما هو عليه، كما هو الحال بالنسبة لأزمة جزيرة ليلى بين المغرب واسبانيا وكذا واقع المدينتين السليبتين سبتة ومليلية، وكما هو الحال بالنسبة لوضع ممر جبل طارق بين بريطانيا واسبانيا.

 

غير أن أمر الواقع في الصحراء بالسيادة الإدارية على أقاليم الصحراء قرابة أربعة عقود، لم يستثمر كمنطلق لحسم نزاع الصحراء دوليا، بل بات أمرا محرجا بعد ضغط الورقة الحقوقية، حيث يطالب المغرب بتسريع المفاوضات لحل النزاع في أقرب وقت. ولعل هذا الذي خلقا ارتباك الدبلوماسية المغربية لأن ترتكب العديد من الأخطاء، فوتت عليها ايجاد واقع جديد يؤمن بحتمية الانتماء الوطني.

 

إن معالم تراجع الأداء الدبلوماسي المغربي على الساحة الدولية بدأ مع شيوع القول بشعار "تازة قبل غزة"، دلالة على اختيار الملك الاهتمام بالقضايا الداخلية مع التقليص من حضور اللقاءات والقمم الدولية. وما رافق ذلك من تداعيات فسح المجال أمام تمدد دبلوماسية الجزائر والبوليساريو حيث صارت تحظي بتعاطف دولي متزايد في منطقة الاتحاد الأوربي، ومنها اعتراف البرلمان السويدي بالبوليساريو ورفع توصية إلى البرلمان الألماني للإعتراف بالبوليساريو فضلا عن قرار البرلمان الأندلسي الأخير الذي أكد على "التزامه بحرية ما أسماه الشعب الصحراوي وتعاونه مع ممثل جبهة البوليساريو"، وكذا في حملة التأييد للمراقبين الدوليين والصحفيين والحقوقيين والنواب الأوربيين لزيارة الصحراء بعيد صدور القرار الأممي الأخير رقم 2099 بشأن نزاع الصحراء.

 

إن الدبلوماسية المغربية الرسمية وبالنظر إلى ماراكمته من سوء تدبير ملف الوحدة الوطنية رغم جعلها القضية الوطنية الأولى على امتداد الحكومات المتعاقبة، فإنها لا تمتلك تصورا استراتيجيا يتجدد بحسب التغييرات والتحولات التي تطرأ على العلاقات الدولية مدا وجزرا، حيث تنهج الإحتفاظ بالمكاسب إلى أن تتوضح الصورة.

 

فقد تأكد بعد سنتين من خروج وزارة الخارجية مما كان يسمى بوزارة السيادة، بأن الدبلوماسية المغربية تقيم تحركاتها على أساس الحفاظ على المكاسب، واستثمارها بما يخدم الموقف التفاوضي المغربي، وحصر مجال دبلوماسية البوليساريو من أن لا تتمدد، وقد عكس التوزيع الجغرافي للتمثيل الدبلوماسي المستقبلي للبوليساريو ذلك، حيث تأكد بأن استراتيجية الجبهة ستروم هي الأخرى للحفاظ على دعم أطروحتها في المناطق التقليدية المرتبطة بالجزائر إيديولوجيا أو عبر الارتباط النفطي استهلاكا أو في منظمة الأوبك، فنيزويلا نموذجا.

 

وإن كانت الدبلوماسية المغربية قد استطاعت أن تغيير من رؤية المنتظم الدولي لقضية الصحراء، حيث يتم الآن اعتبارها جزء أساسيا من الأمن القومي والإقليمي في المنطقة، وخاصة على الأمن المغاربي، حتى أن الدول الأوربية لا تقبل بأن تكون جارتها شمال افريقيا منطقة رخوة على المستوى الأمني والاقتصادي. وهي بذلك ترى في الوحدة الترابية المغربية أهم ركائز تأمين حدودها، وترى أن تعزيز خيارات استقلال الصحراء سيهد الامن القومي في منطقة المغرب العربي وفي منطقة الساحل والصحراء.

 

والى حدود الآن لم تستطع البوليساريو تعويض ضلعي مثلثها الذهبي الداعم لها نظام معمر القدافي المقبور وجنوب افريقيا بعد خروجها من مجلس الأمن الدولي لصالح المغرب بعضوية غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي، وهو ما زاد من اثقال كاهل الدبلوماسية الجزائرية. ثقل حاولت الجزائر تعويضه عبر تقارب مع موريتانيا لعرقلة الامتداد الجيوسياسي للمغرب بالصحراء نحو العمق الإفريقي.

 

وظهر ذلك في تقليص البوليساريو تمثيليتها الدبلوماسية، إلا أنها بالمقابل زادت من تركيز فعالية دبلوماسيتها على اسبانيا مستفيدة من الدعم المالي والإعلامي الذي يوفره لها الجانب الاسباني. ذلك أن زيادة تكثيف اهتمامها الدبلوماسي على اسبانيا، يأتي من مدخل ارتباط اسبانيا بالصحراء كدولة مستعمرة، ولأنها عضو أساسي في مجموعة دول أصدقاء الصحراء "الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ناقص الصين زائد اسبانيا"، ولأن لها تأثير ثقافي وسياسي على العديد من دول أمريكا اللاتينية حيث تؤيد العديد منها موقف البوليساريو.

 

إن الدبلوماسية المغربية على الرغم من التحولات العميقة التي شهدتها إفريقيا بعد الربيع العربي، لم تستطع تحقيق اختراق دبلوماسي من جديد يضعف الموقف التفاوضي للبوليساريو داخل منظمة الاتحاد الإفريقي، وهو ذات الوضع بالنسبة لعدم تحقيق مزيد من اختراق عدد من الدول المؤيدة للبوليساريو في دول أمريكا اللاتينية.

 

فلم تستفد الدبلوماسية المغربية بما يمنحه لها صفة الوضع المتقدم لدى الاتحاد الأوربي من إمكانيات لتقوية الموقف المغربي داخل الإتحاد الإفريقي. كما أنه على الرغم من أن المغرب يعد ثاني دولة مستثمرة في إفريقيا إلا أننا لم نشهد تطورا لدعم المغرب في العودة إلى منظمة الإتحاد الإفريقي.

 

ففي الوقت الذي استطاعت فيه دبلوماسية البوليساريو والجزائر تحقيق العديد من المكاسب السياسية عبر ضغوط الورقة الحقوقية، أفقد المغرب موقعه النموذجي في العالم العربي والشرق الأوسط كدولة تسير نحو البناء الديموقراطي.

 

وإذ نستحضر تأكيد قيادات جبهة البوليساريو أنها لن تدخل المفاوضات حول الصحراء مرة أخرى، ما لم تبدأ هذه المفاوضات من حيث انتهت الاجتماعات غير الرسمية السابقة، فإن ذلك يعني أن الجبهة حققت تفوقا على الدبلوماسية المغربية في مفاوضات النهج المبتكرة التي أسس لها كريستوفر روس.

 

ولما فشل المفاوض المغربي أمام مفاوض الجزائر والبوليساريو خلال الإجتماعات غير الرسمية على أساس الورقة الحقوقية، تم رفع حدة تأثيرها على الموقف التفاوضي المغربي، فتشكل ضغط دولي لتوسيع صلاحيات المينورسو لولا الفيتو الفرنسي خلال تقرير الأمين العام حول الصحراء لأبريل 2012.

 

وأمام هذه التطورات قررت الدبلوماسية المغربية بدون تدقيق إعلان قرار سحب الثقة من كريستوفر روس، حيث لم تستطع إقناع الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة الأمريكية بشأن عدم حياديته ونزاهته في تدبير مسار المفاوضات غير الرسمية، وكلفنا ذلك جزء أساسيا من هيبة الدولة، بعدما تم إجبار المغرب على القبول بزيارته الخاصة إلى الصحراء ولأول مرة.

 

ولأن الدبلوماسية المغربية لم تستطع طرح ذات الإحراج على مفاوضي البوليساريو، فإن الجبهة ستواصل العمل على "استراتيجية الإنهاك" خلال المفاوضات المقبلة لإطالة أمد الصراع حول الصحراء، حتى تنال من المغرب تنازلات قوية عبر إكراه ورقة حقوق الإنسان، أي بعدما يصبح احتفاظ المغرب بالسيادة على الأقاليم الجنوبية كالحامل لجمرة ملتهبة بين يديه.

 

إن تجليات إكراه الورقة الحقوقية برز واضحا في اقتراح أمريكا العضو الدائم في الأمم المتحدة مبادرة توسيع صلاحيات المينورسو في الصحراء ورفض فرنسا رفع ورقة الفيتو، كل ذلك كشف عن هشاشة التحالف الاستراتيجي الدولي لشبكة علاقات المغرب، وفشل بنية دبلوماسيته التي عاشت على وقع الصدمة.

 

وتقوى تأثير دبلوماسية الخصوم بعد حفل الاستقبال الرسمي للرئيس الإيرلندي "ميكل دي هيغر" لمحمد عبد العزيز "المراكشي" كـ"رئيس دولة" انتعاشة أخرى لوجود دولة الجمهورية العربية الصحراوية لدى المنتظم الدولي.

 

وأمام هذه التحديات على المستوى السياسي دوليا تواصل فشل المغرب في إيجاد ترياق للتحدي الحقوقي في الصحراء، لكونه لم يستطع بسط ديموقراطية محلية تقوم على أساس العدالة الإجتماعية في الصحراء لصالح سياسة الريع المتفشية هناك.

 

وأمام هذه التحديات لم يسجل على الدبلوماسية المغربية أي تطوير بل تم إستدعاء شخصيات متقاعدة لتنصيبهم من جديد سفراء للمملكة في العديد من الدول ذات التأثير القوي في ملف نزاع الصحراء.

 

ويبدو أن الدبلوماسية المغربية جد متأثرة بما وصفه الملك في الرسالة التي بعث بها إلى ندوة سفراء المملكة بالرباط في غشت الماضي بـ"المناورات والمحاولات اليائسة، القائمة على الافتراء والتضليل" وفي ذلك اعتراف عن عجز الدبلوماسية المغربية في مجابهة دبلوماسية الجزائر القائمة على التشهير بارتكاب المغرب لانتهاكات حقوقية في الصحراء داخل المنتديات كمجلس الأمن الدولي لحقوق الإنسان بجنيف، وهي الحملة التي أسندتها الجزائر باستراتيجية إعلامية كان لها التأثير البالغ على إحداث تغيير في الموقف الأمريكي حيال الموقف التفاوضي المغربي.

 

إن تداعيات تفوق الدبلوماسية الجزائرية القائمة على الورقة الحقوقية سيتجدد من جديد ابتداء من شهر يناير موعد انعقاد مجلس الأمن الدولي لحقوق الإنسان على أمل إعادة طرح المبادرة الأمريكية على مجلس الأمن الدولي بشأن توسيع صلاحيات بعثة المينورسو خلال شهر أبريل المقبل.

 

وإذ نحن نبسط هذه القراءة التقييمية لمسار تطور الدبلوماسية المغربية نحو استكمال وحدتنا الترابية، فإن في ذلك تنبيه للوقوف على حجم التحديات التي يعرفها الموقف التفاوضي من نزاع الصحراء، وهو ما يقتضي الكثير من التعبئة الرسمية والمدنية لربح المعركة المصيرية.

عبـد الفتـاح الفاتحـي

 

09/09/2013