"تحدثت صحيفة الأسبوع الصحفي عن وثيقة مسربة من كواليس الأمم المتحدة عن مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية . تحمل بين ثناياها تفاصيل مثيرة تبتدئ من اعتماد برلمان صحراوي وحكومة وقضاء وشرطة صحراوية وتنتهي بإعطاء امتياز للجزائر من أجل النفاذ إلى المحيط الأطلسي." (عن هسبريس بتصرف)

 

الكلمة الرنانة والمثيرة في الخبر الذي ساقته صحيفة الأسبوع الصحفي هي " امتياز" سَيُعْطَى للجزائر . فبطريقة انفعالية غريبة راح كتاب التعقيبات يتخيلون أن الجزائر سيكون لها نصيب من التراب المغربي في الصحراء المغربية ، وهذا خطأ شنيع سقط فيه القراء الذين ربما تأثروا بتجربة سابقة للمرحوم محمد الخامس حينما رفض الحوار مع فرنسا حول الأراضي المغربية التي اقْتُُطِعَتْ من المغرب وأُلحِْقَتْ بالتراب الجزائري زمن الحماية ، حيث فضل محمد الخامس التحاور مع الجزائريين عوض استعادت التراب المغربي من فرنسا. وربما تأثروا كذلك – حسب بوطالب – عن رفض المرحوم الحسن الثاني الدخول إلى تيندوف في حرب 63بالقوة فَفَضَّلَ الحوار. واليوم تُذَكَِّرُ الوثيقة المغاربة بتجربة مسلسل التنازلات الذي لم يجلب للمغرب سوى المشاكل ، ومنها مشكلة الصحراء التي عمرت أكثر من ثلاثة عقود .

 

من هذه الزاوية يمكن تفهم طريقة ردود أفعال المغاربة الذين يرفضون التفريط في حبة رمل من رمال الصحراء المغربية . لكن هل هم تقبلوا منح الصحراويين برلمانا وحكومة وشرطة صحراوية ؟ في هذا الصدد لم يكن هناك أي رأي يرفض تمتع سكان الأقاليم الجنوبية في إطار الجهة " الحكم الذاتي" ببرلمان صحراوي ، وكذلك حكومة ومحاكم وشرطة ، وموارد وبعض الصلاحيات في إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبية من أجل تطوير الحوار والتعاون بين الجهات.

 

فبهذا ستتحقق الديمقراطية بتفعيل الجهة بحيث سيحكم الصحراويون أنفسهم ، إذ سينتخبون نوابهم وبالتالي سينتخب النواب رئيس الحكومة الذي سيعمل مع الجميع من أجل تسريع التنمية وتحقيق كرامة صحراويي جهة الأقاليم الجنوبية المغربية، الذين سيبقون مغاربة روحا وفكرا وجما ولحما إن شاء الله.

 

أما عن الامتياز الجزائري الذي قد يمنح الجزائر فرصة للنفاذ للمحيط الأطلسي ، فهو ممكن جدا في إطار الاتحاد المغاربي ، ولقد تحقق قبل ذلك امتياز آخر في مشروع " الغاز الجزائري" الذي يمر عبر التراب المغربي ، من الجزائر نحو اسبانيا . فلن يتهرب المغاربة من مشاريع التعاون بين الأشقاء . فالمغاربي يريد أن يسمع ليس عن امتيازواحد ولكن عن امتيازات كثيرة في إطار الاتحاد المغاربي : البارحة كان امتياز جزائري بالمغرب " الغاز" وغدا امتياز مغربي بالجزائر أوتونس أو ليبيا أو موريتانيا ، مادام الهدف نبيل وقانوني يرمي لخدمة الجهة المغاربية بشمال افر يقيا .

 

فالامتياز ليس هو السطو والاستحواذ والاستعمار وإنما نوعا من التساهل والتعاون .لكن مع ذلك ، لا يجب أن يتحول الامتياز إلى " مسمار جحا" نفهمه عبر تصريح الرئيس بوتفليقة ذات مرة حينما قال بأن أنبوب الغاز الجزائري الذي يمر من المغرب ليس في مقدور المغرب التخلي عنه وإلا عليه محاربة أوروبا . لقد كان هذا الكلام موجه للاستهلاك الداخلي بالطبع ، لكنه يحمل نوعا من الاستفزاز، كل المغاربيين في غنى عنه .

 

لقد كانت لفقاعة منح الجزائر منفذا نحو المحيط الأطلسي مطلبا جزائريا وفكرة روجها بعض المحللين منذ مدة . والسؤال لماذا لا تتحول تلك الفقاعة إلى طموح وبالتالي إلى مشروع مشترك بين المغرب والجزائر ببناء شركة مشتركة لتكرير وتصدير النفط عبر المحيط ؟ ولم لا تشترك فيها حتى ليبيا أو تونس ؟ فالحلم المغاربي يقول هذا ويسعى إليه.

 

قد تُمنح الجزائر امتيازات بالمغرب وقد يُمنح المغرب امتيازات بالجزائر أو غيرها من الدول المغاربية ، وهذه هي القاعدة وليس الاستثناء . فقد يجوز أن تُمنح الجزائر امتياز البحث عن النفط عن طريق "سونطراك" الشركة الوطنية للمحروقات ، ليس في الأقاليم الجنوبية فحسب ولكن في باقي الجهات المغربية . وقد تََمْنَحُ الجزائر امتيازات للمغرب ولشركات مغربية في مجال البناء والفلاحة والصناعة والاقتصاد.فأصابع اليد "خمس" والدول المغربية "خمسة" فهل يستطيع الإنسان التخلي عن أحد أصابعه الخمسة أو حتى التفكير في إلحاق الضر بأحدها؟

 

فإذا كانت الجزائر راغبة في التعاون مع موريتانيا ومالي لتطوير حقل النفط " تاوديني" وهو امتياز . فما العيب إن هي تعاونت مع المغرب لتطوير العلاقات الثنائية السياسية والاقتصادية كذلك ؟ فقد تسقط كل الحدود عندما يتعلق الأمر بالتعاون الاقتصادي. فأن يعبر الاقتصاد الحدود ليس معناه التلاعب بالحدود . فالجزائر حريصة على حدودها وكما جاء في تدخل وزير الخارجية السيد مدلسي أمام مجلس الشعب قبل أيام ، والمغرب كذلك ، مع استعداد للعمل المشترك في إطار الاتحاد المغربي ، ومن أجل منفعة شعوب المنطقة.

 

فلا يمكن لأي حصيف قبول أن يطالب سكان شمال افريقيا بتفعيل سياسة التعاون شمال – جنوب من أجل التنمية ،ويرفضون سياسة تعاون جنوب – جنوب من أجل نفس الهدف . فالعالم يتغير، وأصبح ضروريا على البلدان المغاربية أن تتعاون بينها من أجل تحقيق تنمية اقتصادية وبشرية ، تأسيسا لديمقراطية حقيقية تجعل الانتماء إلى الدول المغاربية أمرا مشرفا ، وتجعل الإنسان المغربي معززا مكرما، مصداقا لقوله تعالى " كنتم خير أمة أخرجت للناس" صدق الله العظيم.

14/01/2013