تأتي زيارة كريستوفر روس الوسيط الاممي في ملف الصحراء للمنطقة هذا الأسبوع في ظرفية استثنائية بكل المقاييس، سواءا على المستوى المحلي أو الوطني أو الدولي .وإذا ما تم استحضار المجرى العام الذي عرفته مختلف التحولات في البلدان العربية وكذلك تأثيرات الربيع العربي المستمرة وان كانت وثيرته بنسب متفاوتة، فان شبح الأزمة العالمية الاقتصادية بالخصوص يخيم على كواليس تدبير وصناعة القرار السياسي بحدة كبيرة.

كما أن الوسيط الاممي وان بدا ظاهريا بان أزمة "الحياد" تم تجاوزها في استمرار مهامه بعد توقف دام سنتين ودون الغوص في تفاصيل وكواليس عودته فان المعطيات الميدانية التي ميزت أو طبعت تحركاته هي الأخرى جديدة.

وإذا ما تركنا جانبا ما عرفته الساحة الوطنية من تغيرات هيكلية همت إقرار دستور جديد للمملكة بحكومة نوعية إلى حد ما، فان ما يجري خارج الحدود القريبة يجعل من منطقة الساحل والصحراء عموما رقما جديدا في المعادلة ويضع مهمة الوساطة أمام محك حقيقي أكثر من أي وقت مضى خاصة وان تسارع الأحداث يوحي بل ويهدد بخروجها عن السيطرة.

هناك مقاربتين حكمتا تحركات روس للمنطقة هذه المرة:

أولهما : استحضاره بما يكفي لتراكما المرحلة السابقة بصيغها التفاوضية سواء أكانت رسمية أو غير رسمية أو تلك اللقاءات العديدة والمتكررة السابقة مع مسؤولي كافة الأطراف وأسبقية التداول في المواضيع والملفات التي تشكل مفاتيح التقارب بما فيها تلك التي كانت محط اهتمام في لقاءات التفاوض السابقة لوسطاء أمناء عامون بدءا بكولد فولد هايم إلى كوفي عنان وهو أمر فرض عليه بعد استحضار تجربته أن يتبنى نهجا لا نجزم بأنه جديدا بقدر ما يكون مقبولا لفك لغز التوافق مما يعطيه أهلية التحدي مقابل استحالة المهمة سابقا،وهذا ما يجعل تكييف كل المتغيرات محليا ودوليا مع سيناريوهات أو خيارات طبيعة العودة وجدوائيتها لطاولة المفاوضات التي تشكل الهم الرئيسي الآني لواقعية الزيارة الحالية لروس.

المقاربة الثانية هي العمل الميداني وتبنى مزيد من الواقعية لتفادي الجمود الشبه الكامل الذي ميز المسار السياسي لأسباب متعددة تدفع إلى توسيع التشاور على أكثر من واجهة وجبهة في أفق ترتيبات خلق فاعلين جدد وان بشكل ثانوي موازي، ومخاطبين عبر قنطرة "التمثيلية" مع تعزيز قدراتهم للعب دور سياسي وحقوقي، وكل ذلك تحت مظلة "المشاركة".

لكن اللافت للانتباه في هذا المسار عموما هو بداية مرحلة جديدة أكثر واقعية مما سبق عبر البحث في كل الاقتراحات وتامين أرضية كفيلة بتعزيز دور الوساطة رغم حمولتها ، وعلى أي كان فالوساطة هذه المرة تحكمت فيها محاور ثلاثة رئيسية :

أولهما : ما يجري في منطقة مالي وحركات " الازواد" والمجموعات المتحالفة من جماعات إسلامية متطرفة ومدى تأثير ذلك على ملف الصحراء على كافة المستويات.

ثانيهما : تقييم خمسة أعوام من المهمة في أفق إيجاد الثغرات التي قد تشكل مداخل للتوجه الجديد.

ثالثهما: آلية التفاوض وما تتطلبه من تحسين أو تغيير كامل للصيغة الحالية.

وربما ستكون هي المحددات الكبرى التي ستؤطر تقرير الوسيط الاممي الذي سيرفع إلى الأمين العام.

ولعل هذه الوساطة ستحتم على الأطراف هي الأخرى مراجعة مواقفها وتموقعها للتكيف مع هذا المستجد ظاهريا وإنجاح مهمة الوسيط وعمليا لمسايرة ما افرزه الواقع ومؤشرات مزيد من الانفتاح على جبهات أخرى .

إن تعاقب قرارات مجلس الأمن في قضية الصحراء والتي تدعو الأطراف والوسيط إلى مواصلة الجهود وتعزيز كل مبادرات الثقة لإيجاد توافق يفضي إلى حل عادل ونهائي مقبول هي القاعدة العامة التي من المفروض ان تحكم تحركات روس منذ بداية مهمته.

لكن هل مواقف الأطراف المتباينة قد تؤهل إلى تحقيق التقدم المطلوب ؟ آم أن الأمر لا يعدو أن يكون تعاونا شكليا خاليا من أي إرادة؟

وإذا كان من تقييم للمسار السياسي والتفاوضي عموما فانه سيركز على مدى تصلب وتعنت اي طرف بعيدا عن المؤاخذات المألوفة فان موقف جبهة البوليساريو طيلة سلسلة التفاوض لم يتزحزح عن التشبث بموقف واحد حتى وان ثبتت استحالة تطبيقه على ارض الواقع خاصة وان استفتاء بالصيغة المذكورة والمطروحة أصبح غير ممكنا على قاعدة هوية الصحراويين الموزعين بين ثلاثة دول هي المغرب والجزائر وموريتانيا مما يعرقل أي تقارب بل يعزز فرض سياسة الأمر الواقع في تناقض تام مع مبدأ التوافق ويوحي بأجندة تتجاوز ما هو معلن.

وإذا كان إيجاد التسوية ضرورة اليوم فان المعني الأول بتأثيرات ما يجري بالمحيط المحلي بالدرجة الأولى هما جبهة البوليساريو والجزائر المطالبين بتبني خيارات تدفع بجهود التسوية.

بالمقابل فان المغرب من خلال مبادرة منح الإقليم حكما ذاتيا بغض النظر عن شكلها أو فحواها القابل لمزيد من التفاوض والتوسيع تصب في جوهر السعي للتوافق الذي يبقى إطار الحل بين كافة الأطراف خاصة اذاما اخذنا في الحسبان هذه المرة بان الدائرة توسعت لتشمل بالإضافة إلى الرباط والجزائر ونواكشوط التفعيل والدفع بدور كل من مدريد وباريس كما ان طبيعة المواضيع المدرجة تعزيزا لثقة منشودة أمام السعي لفسح المجال للقضايا الجوهرية ستتنوع هي الأخرى ولا نظن بان وساطة روس هذه المرة ستكون بمنائ عن ما يجري على ارض الواقع والمحيط القريب المغاربي بالخصوص.

إبراهيم بلالي السويح 

عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية

 

06/11/2012