Zhour_Ouassini

المبعوث الأممي إلى الصحراء، هوريست كوهلر، لم يكن مريضا لما تم تعيينه لإيجاد حل لمشكل طال أمده أكثر من اللازم، قرر الاستقالة "لأسباب صحية" بعد أن اكتشف أن التعامل مع المغرب والجزائر سيفضي به إلى مستشفى المجانين؛ فالدولتان لهما مشروع مستقبلي وحيد: تكسير أسنان بعضهما البعض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

في لقاء تم تنظيمه من طرف مجل "إيست ويست" المختصة في الدراسات الجيوبوليتكية، على هامش قمة السبع الكبار التي عقدت في تاورمينا (صقلية) سنة 2017، صرح أحد أكبر المسؤولين السابقين في حلف الأطلسي بأن الحاجز الحقيقي في عدم بناء تعاون اقتصادي متوسطي ليس الصراع العربي الإسرائيلي كما يعتقد الجميع، بل العلاقات المعقدة والصراع غير المفهوم بين المغرب والجزائر.

 

واضح أن كوهلر وبعد لقاءاته مع جميع الأطراف، لاحظ أن لا أحد يريد حلا لقضية الصحراء. الجزائر وجدت ضالتها لخلق متاعب لدولة تعتبرها "العدو اللدود" والمغرب الموجود على الأرض يعرف أن أي حل لا يعترف بسيادته الترابية على المنطقة يعني نهاية نظام بأكمله. الأذكياء من الأخوة الصحراويين فهموا أن الصراع المغربي الجزائري يصب في خانتهم على اعتبار الأهمية التي تحظى به منطقة لها أهمية استراتيجية قصوى. ثم هناك الثلاثون ألف (أو 150 ألفا كما يردد البوليساريو) من الصحراويين المتواجدين في تندوف الذين يتم التضحية بهم في هذا الصراع العبثي.

 

هذه هي القصة الحقيقية كما يفهمها كل من تعمق قليلا في موضوع الصحراء كل القادة السياسيين في العالم بأسره يقرؤون الموضوع من هذا المنطلق، ثم بعد ذلك يحاول كل واحد منهم استغلال الصراع للدفاع عن مصالح خاصة أو مرتبطة بتحالفات بلده الاستراتيجية.

 

أوروبا في عملية ابتزاز ذكية تستفيد من بحر المنطقة مقابل ثلاثين مليون دولار (أقل مما تريد دفعه بعض فرق كرة القدم لاقتناء لاعب الأجاكس زياش)، السعودية ما إن تنرفزت قليلا حتى استعملت "عربيتها" للتشكيك في مغربية الصحراء، جنوب إفريقيا "ما بقى عندها لا شغل لا مشغل" سوى قضية الصحراء لأنها ترى في المغرب منافسا اقتصاديا بالقارة، الولايات المتحدة تعرف أن القضية كلها مبنية على فراغ فتلاعب الدولتين المغاربيتين ببراغماتية جديرة بالإعجاب، خاصة وأن المغرب والجزائر يدفعان بسخاء للوبيات لا تشبع.

 

الجميع مستفيد من هذا الصراع ما عدا شعبا البلدين وشعوب باقي دول المغرب العربي. أموال تهدر عوض صرفها في خلق تنمية بالمنطقة، حدود مغلقة تمنع الأخ من زيارة أخيه، وحملات إعلامية مسمومة محفوفة ببرقيات تهنئة تشيد بالعلاقات الأخوية. و"يمرض لي ما يمرض"، وليس فقط كوهلر.

 

ثم هناك تصريحات وكتابات بعض المدافعين عن "الجمهورية الصحراوية" التي تبدو قادمة من عالم آخر. الكذب على الذات هو حق مشروع ولكن الإشكال هو حينما يبدأ المرء في تصديق كذبه. المقارنة بين قضية الصحراء والقضية الفلسطينية دليل قاطع على أنهم يعيشون خارج التاريخ، وأنهم لم يفهموا قواعد اللعبة أساسا. الدفاع عن استقلال الصحراء حق مشروع في عيون كل من يدافع عن حرية التعبير، ولكن هناك حدودا يجب احترامها، وهي الحدود المرتبطة بقول الحقيقة. المبالغة في البروباغندا تنقلب عادة ضد صاحبها.

هناك خط أحمر يجب الوقوف عنده: هو احترام المغرب والمغاربة. نعم هناك نزاع في منطقتنا ولكن لا يمكن مقارنته ولو "بالمزاح" بالوضع في فلسطين. من يقول هذا القول فهو يسيء لأبناء عمومته قبل أن يسيء للفلسطينيين. سكان الصحراء يعيشون أسيادا في بلادهم معززين مكرمين. صاحب هذه الأسطر زار الصحراء أكثر من مرة وإسرائيل وفلسطين مرتين. ليس هناك أي نقطة مشتركة بين الحالتين. إذن، كفى من المبالغات الفارغة.

 

مرة قال لي صديق من الداخلة (خلوق وترابي): "بعض الأخوة من الذين اختاروا البوليساريو كانوا ينعتوننا بالخونة لأننا اخترنا المغرب. الكثير منهم اليوم يحسدوننا لأننا اخترنا المغرب". واضح أن الأمر تعلق منذ البداية باختيارات ايديولوجية أو مصالح معينة.

 

لا يهم. نحن أبناء اليوم وعلينا قراءة قضية الصحراء بعيون منفتحة على كل التحولات الجيوبوليتكية بالمنطقة وبالعالم. الصراع المغربي الجزائري هو نشاز لم يعد مفهوما ولا مقبولا.

 

ولنكن واضحين: الجميع يعرف أن مشكل الصحراء سيحل في ربع ساعة لو كانت هناك إرادة بين القيادتين المغربية والجزائرية. وبدون تحديد من السبب في استمرار هذا النزاع الذي يبدو أن له تشعبات لن يفهمها سوى الراسخين في علم النفس، فإنه من الضروري شرح أمر بسيط للإخوة الذين ما زالوا يدافعون عن استقلال الصحراء.

 

في الوقت الراهن وبقراءة لموازين القوى في المنطقة، فإن الاقتراح المغربي بحكم ذاتي هو اقتراح كريم جدا ويدل على أن هناك محاولة (صادقة أم لا؟ لست أدري فنحن في عالم السياسة وليس في عالم المثل) لإيجاد حل. هناك نماذج كثيرة يمكن اقتباسها. ربما الأقرب لوضع المنطقة هو مقاطعتا ترينتو-التو اديجي (شمال إيطاليا) لأن الاتفاق في النهاية كان بين دولتين، إيطاليا والنمسا، التي استغرقت المفاوضات حولها عشرين عاما تقريبا.

 

الحلول العملية والواقعية كما توصي الأمم المتحدة ممكنة، موجودة ويمكن البناء عليها. يكفي القليل من حسن النية والرغبة في إخراج المنطقة من هذا المستنقع الذي دام طويلا. يكفي أن يجلس طرفا الصراع الحقيقيين ويشركا ساكنة الصحراء وبدون أي وسيط أممي ممن يعرف منذ البداية أن مهمته ستكون مستحيلة وعبثية ولها عواقب "صحية" وخيمة كما تبين مع المسكين كوهلر الذي نتمنى له صادقين الشفاء العاجل.ّ

زهير الواسيني

إعلامي مغربي مقيم بإيطاليا.

05/06/2019